طوفان الشعبوية في تونس يهدد بجرف اتحاد الشغل

2
طوفان الشعبوية في تونس يهدد بجرف اتحاد الشغل
طوفان الشعبوية في تونس يهدد بجرف اتحاد الشغل

خليفة الشويشي، كاتب تونسي

أفريقيا برس – تونس. أبدى الرئيس التونسي قيس سعيد منذ انتخابه سنة 2019 رفضا صريحا للتعامل مع الأجسام الوسيطة من أحزاب ومنظمات ونقابات، وأغلق الباب أمام كل دعوات الحوار لكن ما قلّل من خطورة تمشيه في بداية حكمه محدودية صلاحياته التي ما فتئ يحاول توسيعها عبر تأويل تعسفي للنص الدستوري.

لكن سرعان ما جاءت الأزمة السياسية الحادة التي شهدتها تونس، لتمهد الطريق للرئيس ليطبق بيديه على أنفاس البلد، بعد انقلاب 25 جويلية 2021، ويبدأ على إثرها في تطبيق رؤيته من غلق لمقرات الأحزاب إلى اعتقال لشخصيات سياسية وصولا إلى إنهاء مؤسسات دستورية، حتى بلغ به الأمر إلى كتابة دستور بمفرده في سابقة تاريخية غير مشهودة.

هلّل الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد، لخطوات الرئيس التونسي وبارك بعض قياداته هذه الإجراءات، خاصة الشخصيات المحسوبة على المجاميع الحزبية المساندة لما يسمى “مسار 25 جويلية” على أمل أن يخلصهم من خصومهم السياسيين ويشرّكهم في “البناء الجديد”، متناسين سهوا أو قصدا “لاءات” الرئيس سعيد (لا للحوار، لا للشراكة في الحكم، لا للأجسام الوسيطة أيا كانت…).

لكن حسابات الرئيس التونسي اختلفت عن حسابات باقي الطيف السياسي والاجتماعي في البلاد بما فيها اتحاد الشغل. إذ لا أحد بالنسبة له بمنأى عن المحاسبة والتحييد التام. وهو ما لم يدركه هذا الكيان النقابي العريق منذ البداية.

فبعد أن زجّ بالمعارضين في السجون وكمم الأفواه ومنع كل أشكال الجدل السياسي والاجتماعي، جاء الدور على المنظمة العمالية الأهم كآخر عقبة أمام سعيّد لإحكام سيطرته التامة على المجتمع والدولة.

لم يكتف الرئيس التونسي بتجاهل دعوات الاتحاد للحوار والتشاور بشأن مستقبل تونس بل عمد إلى تهميشه وإقصائه من مسارات اتخاذ القرار بحجة أن “الشعب” قال كلمته. كما شجع مجموعة من النقابيين على شق صفوفه من الداخل متهما إياه بالفساد وبخدمة أجندات سياسية وعرقلة الإصلاحات وسببا رئيسيا في استفحال الأزمة الاقتصادية بالبلاد. هذا التمشي وجد صداه لدى أنصار الرئيس ليحتج العشرات منهم أمام مقر المنظمة النقابية مطالبين بحله وتجميد نشاطه.

واصل رأس النظام في تونس إستراتيجيته التفكيكية لموقع الاتحاد ومكانته ودوره من خلال منع التفرغ النقابي والاقتطاع الآلي للاشتراكات النقابية لفائدة النقابة من أجور الموظفين في القطاع الحكومي. والمقصود بالتفرغ هو تفرغ موظفي الدولة لمهامهم في الاتحاد وعدم مباشرتهم وظائفهم، مع الإبقاء على أجورهم.

وأكد سعيد خلال اجتماعه الأسبوع الفارط برئيسة الحكومة سارة الزعفراني أنه “لا مجال للتراجع عن المحاسبة ولا تردد في استرجاع أي مبلغ من حق الشعب، ولا مجال لأن يحل أحد محل الدولة لا في الانخراط غير الإرادي ولا في التمويل غير الطوعي”.

لم تكن القرارات التي اتخذتها السلطة التنفيذية، بتوجيه مباشر من رئيس الجمهورية، مجرد إجراءات إدارية أو إصلاحات تنظيمية كما يُروَّج. بل هي، في جوهرها، خطوات مقصودة ضمن سياسة تقويضية ممنهجة تستهدف الاتحاد، لا لكونه فاسدا أو عاجزا، بل لكونه فاعلا مستقلا لم تنجح السلطة في تطويعه أو ضمه إلى صفوفها.

لطالما كان الاتحاد، رغم ما يُوجَّه له من نقد مشروع أو غير مشروع، أحد أعمدة الوساطة الاجتماعية في تونس. لعب أدوارا محورية في أزمات وطنية، وأسهم في حماية الدولة من الانهيار بعد الثورة، وشكّل أحيانا آخر ما تبقى من أصوات التوازن الوطني في ظل انحدار الحياة الحزبية وانكفاء البرلمان.لكن اليوم، تُختزل معركة السلطة ضده في عنوان واضح. إما “الطاعة أو التجريف”.

إذ لا يعني منع التفرغ النقابي فقط عودة النقابيين إلى أعمالهم الأصلية، بل يعني شلّ الجهاز التنظيمي للاتحاد، الذي يعتمد على شبكة من الكفاءات المتفرغة للعمل النقابي الميداني والوطني. أما إلغاء الاقتطاع الآلي للاشتراكات، فهو تجفيف لموارده المالية الذاتية، أي ضرب استقلاليته في العمق.

غير أن الهجمة لم تتوقف عند الإجراءات الإدارية، بل رافقتها حملة تحريض شعبوية، تُمارس عبر وسائل إعلام موالية، وخطابات سياسية تعبئ الشارع ضد الاتحاد، وبلغت ذروتها في تنظيم تظاهرات أمام مقره المركزي، في مشهد لم تشهده تونس حتى في أكثر عصورها السلطوية.

السؤال هنا ليس عن الاتحاد فقط، بل عن مستقبل الدولة الديمقراطية ذاتها. فحين يُحوَّل الاتحاد من شريك في الحوار إلى خصم في ساحة الصراع، نكون قد دخلنا رسميا في عصر تصفية الفاعلين الوسيطين، الذين يشكلون صمام أمان بين الدولة والمجتمع. وحين يُختزل كل نقد أو اعتراض في خيانة أو فساد، نكون بصدد صعود نمط سلطوي جديد يرتدي قناع الشعبوية ويُجرف في طريقه كل تعددية.

الشعبوية الزاحفة في تونس، مثلها مثل نظيراتها في أماكن أخرى، لا تبني بدائل ولا تقدم حلولا، بل تعمل على الهدم المنهجي لكل ما لا يدخل تحت عباءتها. تبدأ بالتحريض، ثم التجفيف، ثم العزل، لتنتهي بالإقصاء التام. وما الاتحاد إلا الضحية الحالية في سلسلة طويلة قد تشمل كل من يحتفظ بذرة استقلال أو قدرة على التعبير خارج الخط الرسمي.

في نهاية المطاف، الدفاع عن الاتحاد ليس بالضرورة دفاعا عن كل مواقفه أو آلياته، بل هو دفاع عن الحق في التنظم والحق في الاختلاف والحق في الوساطة الاجتماعية، وهي مقومات أساسية لكل ديمقراطية تُحترم.

فهل نصحو قبل أن يُجرف الباقي؟

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here