آمنة جبران
أهم ما يجب معرفته
في حوار مع "أفريقيا برس"، أكد عماد الخميري، الناطق الرسمي باسم حركة النهضة، على ضرورة توحد المعارضة التونسية للدفاع عن الحريات، مشدداً على إدانته للأحكام القضائية الأخيرة التي اعتبرها تستهدف العمل السياسي. كما أشار إلى أن السلطة ماضية في سياسة الانغلاق، مما يستدعي تحركاً ميدانياً من المعارضة لاستعادة الديمقراطية.
أفريقيا برس – تونس. كشف الناطق الرسمي باسم حركة النهضة عماد الخميري، في حوار خاص مع “أفريقيا برس”، عن موقف الحركة من الأحكام الصادرة مؤخراً فيما يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، وعن تحركات المعارضة المستقبلية وفرص توحدها دفاعاً عن ملف الحريات في البلاد.
وأكد أن “حركة النهضة تدين بشدة أحكام قضية التآمر، التي صدرت مؤخراً بشكل نهائي في حق شخصيات سياسية وحقوقية، واعتبر أن هذا الملف “وقع فبركته بطريقة تلبي رغبات السلطة التنفيذية في تجريم العمل السياسي واستهداف المعارضة”، وأن “التآمر الحقيقي هو على المعارضة السلمية المدنية التي مارست حقها المكفول بالدستور” وفق تعبيره.
واستبعد “حصول انفراجة مرتقبة في المشهد السياسي والحقوقي، خاصة عقب إطلاق سراح المحامية سنية الدهماني، وعلى العكس رأى أن السلطة ماضية في سياسة الانغلاق وفي النهج الفردي الاستبدادي، ولا نية لها لتخفيف الاحتقان وإزالة القتامة بالمشهد.”
وأشار إلى أن “تحرك 22 نوفمبر الاحتجاجي هو تحرك نوعي وهام، وفسح المجال للمعارضة للالتقاء ولو بحد أدنى على الأرض لأجل الدفاع عن الحرية”، لافتاً أنه “لا خيار للمعارضة اليوم إلا التوحد، وتجميع قواها ونبذ خلافاتها، والاستمرار في التحرك الميداني والنضال السلمي، لأجل الدفاع عن الحريات واستعادة الديمقراطية التي ضربت بعمق.”
وعماد الخميري هو الناطق الرسمي لحركة النهضة التونسية وقيادي بجبهة الخلاص الوطني، ورئيس الكتلة النيابية للحركة في برلمان 2019/2024.
ما هو موقف حركة النهضة من الأحكام الصادرة مؤخراً فيما يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة؟
حركة النهضة تدين بشدة هذه الأحكام، التي صدرت في حق المعارضين السياسيين سواء في الطور الابتدائي أو الطور الاستئنافي، هذا الملف تم فبركته بطريقة تلبي رغبات السلطة التنفيذية في تجريم العمل السياسي واستهداف المعارضة، وهي أحكام تم إصدارها دون أي إثبات أو ممارسات تدين القادة السياسيين. وقد صممت هذه الأحكام بطريقة مغلوطة وبطريقة حرفت ممارسات عادية كالاجتماع والالتقاء والحديث في الشأن العام، وحولته لأوصاف لا سند لها ولا أصل لها في ملف البحث. التآمر الحقيقي هو التآمر على المعارضة السلمية المدنية التي مارست حقها المكفول بالدستور، هذا الحق في معارضة الحكم الفردي المطلق، خاصة بعد الفشل الذريع في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين. هذه الأحكام تأتي لقتل السياسة وتجريم السياسة والديمقراطية، ولإفراغ الساحة من كل الفاعلين السياسيين المعارضين لمنظومة 25 جويلية.
لقد بان بالكاشف اليوم أن السلطة استبدلت النهج السياسي والمنطق الحواري في علاقة بالفاعلين السياسيين وفي علاقة بالمجتمع السياسي، بمنحى استبدادي يكرس مقاربةً أمنية واضحة، والتي تتعاطى مع الشأن العام من خلال نزع كل الحقوق للفاعلين السياسيين المدافعين عن حرية التعبير والتنظم وإبداء الرأي. وهذا بدا واضحاً في كل الاعتقالات التي كيفت بطريقة تجعل كل فعل سياسي تآمراً على أمن الدولة. كما أن نفس التوجه تم اتباعه مع المجتمع المدني ومع المواطن، فقد تم انتهاج نفس المنحى استناداً للمرسوم 54 المكمم للأفواه. السلطة اختارت هذا النهج، وهي الآن تقتل السياسة في البلاد.
نحن نتضامن مع كل المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي رئيس الحركة، كما نتضامن مع كل القادة السياسيين الذين يقبعون في السجون، ومع من شملتهم هذه الأحكام الجائرة الجديدة، ونؤكد أن النهضة متضامنة مع عائلاتهم. ونحن نعتبر أن وجود معتقلين سياسيين يشير إلى ما تعيشه البلاد من أزمة مركبة، وهي أزمة اقتصادية واجتماعية يضاف إليها بعد سياسي وحقوقي.
هل تتوقع انفراجة في ملف الحريات بعد إطلاق سراح المحامية سنية الدهماني، وهل قرار الإفراج استجابة لضغوط داخلية أم خارجية؟
في البداية، نحن نهنيء الأستاذة سنية الدهماني على هذا الإفراج، وملفها القضائي مثل حال ملف الكثيرين لا يحتمل يوماً واحداً اعتقال. نحن نهنيها على هذا الإفراج، ونفرح لكل معتقل سياسي يفرج عنه، فالمكان الطبيعي للفاعلين السياسيين هو ساحات الفعل وساحات إبداء الرأي وليس السجن.
وفيما يتعلق بموضوع الانفراجة، لا نرى في الواقع نهجاً تستخدمه السلطة للانفتاح، وعلى العكس كل المؤشرات تشير إلى أن السلطة ماضية نحو مزيد من الانغلاق وإلى مزيد من التشدد. ونحسب أن الإفراج عن الدهماني سببه في الغالب ضغط خارجي، وإن تصنعت السلطة خطاباً سيادياً، لكن يبدو أن الضغوط الخارجية والشراكات التي أبرمتها الدولة التونسية التي تفرض احترام الحقوق والحريات والحق في التنظيم والحق في إعلام حر وراء قرار إطلاق سراح الدهماني. ونعتقد أن عدم الاستجابة للضغوط الداخلية فسح المجال واسعاً للتدخل الخارجي وللضغوط الخارجية في ملف الحريات، وهذا لا يستجيب لمنطق حركة النهضة التي تريد أن تحل مشاكل الداخل في الداخل وفي إطار الصراعات الداخلية، لكن نهج السلطة في إدارة الملفات السياسية هو الذي فسح المجال واسعاً لما نراه من فعل وضغط خارجي.
هل برأيك ستساهم التحركات الاحتجاجية على شاكلة تحرك 22 نوفمبر في مزيد الضغط على السلطة وتخفيف الاحتقان بالمشهد السياسي؟
تحرك 22 نوفمبر هو تحرك نوعي وهام، وهو يفتح ولو مساحة ضيقة في هذا الجدار السميك الذي فرض على المعارضة بأن تكون مشتتة. لكن المعارضة اليوم تلتفي ولو على الحد الأدنى من المطالب والمتمثلة تحديدا في احترام الحقوق والحريات ورفع المظالم. وتقديري أن السلطة لم تستبد كل هذا الاستبداد لو كانت هناك معارضة قوية موحدة على الأرض تدافع عن كل المكاسب التي حققتها بلادنا في الحريات، وتدافع عن التعاقد الكبير الذي التقت عليه كل القوى الوطنية في البلاد منذ الاتفاق على دستور 2014. فالتعدي على الدستور فسح المجال واسعاً لهذا النهج الذي نراه اليوم في إدارة أوضاع البلاد، زادته تشتت المعارضة وفرقتها، وأعطت ضوءاً أخضر لما نراه اليوم من تعدي، ولما نراه من تكريس لممارسات ما قبل ثورة الحرية والكرامة.
هذا التحرك خطوة مهمة تلتقي فيه كل الأطراف المناهضة لمنظومة 25 جويلية، المطالبة بحياة دستورية تليق بشعبنا ودولة يحترم فيها القانون العادل والمؤسسات الممثلة والمنتخبة انتخابًا شرعيًا وقانونيًا. هذا التحرك يعطي خطوات أولى لوحدة على الأرض، وحدة موضوعية للمعارضة حول قضايا الحريات ورفع المظالم عن كل المعتقلين السياسيين دون تمييز ودون استثناء ودون خلفية إيديولوجية وسياسية. هذا التحرك شاركت فيه النهضة إلى جانب مكونات أخرى. ونحن نعتبره خطوة مهمة في جانب إعادة التوازن بإظهار حضور مميز للمعارضة في الميدان وفي إطار النضال السلمي المدني، ومن شأنه أن يشكل ضغوطًا على السلطة. لكن مع ذلك، لا أعتقد أنه في هذا الظرف الذاتي يمكن للسلطة أن تبعث برسائل لتخفيف الاحتقان لإزالة القتامة على المشهد السياسي.
هل ستكون حركة النهضة من المشاركين في التحركات الاحتجاجية القادمة، وهل ستنخرطون في تحالفات ومبادرات جديدة في إطار الدفاع عن ملف الحريات؟
حركة النهضة هي جزء من جبهة الخلاص الوطني، ونحن مندرجون في سياسة الجبهة وفي ما تراه من حضور ومبادرات سياسية ومن تشاركية في الفعل السياسي. لذلك نعتبر أن هذا التمشي هو الذي درجت عليه جبهة الخلاص الوطني وحركة النهضة. وقد كنا من الأطراف السباقة في رفض الانقلاب، وكل التحركات التي خاضتها النهضة وجبهة الخلاص الوطني تلتحق بها الآن روافد أخرى. هناك نوع من الالتقاء وتحالف موضوعي على الأرض، وربما الالتقاء في الميدان قد يحلحل العديد من القضايا المتعلقة بالمبادرات والتحالفات. وربما سيتم الإصغاء إلينا وبنداءاتنا التي نطلقها منذ أربع سنوات لأجل التوحد في النضال. نحن نأمل أن تتوحد قوى المعارضة رغم اختلافها. ليس المطلوب أن تلتقي المعارضة في الرؤى والبرامج، فالاختلاف طبيعي، بل المطلوب أن تكون هناك دولة ديمقراطية نلتقي حولها. وعلينا اليوم استعادة هذه الديمقراطية التي ضربت في العمق.
هل ستضفي جهود المعارضة التونسية في النهاية إلى قبول السلطة تنظيم حوار وطني جامع والعودة للتشاركية في إدارة شؤون البلاد؟
السلطة السياسية في تونس قابلت مطالب الحوار الوطني بالرفض والاستهزاء. وطيلة حكم هذه المنظومة كان رفضها قاطعًا لطلبات حركة النهضة بأن يكون هناك حلول للبلاد عبر العودة إلى طاولة الحوار بين الفاعلين السياسيين. وقد انتهجت السلطة نهج القوة لضرب الأطراف السياسية وفرض الأمر الواقع بمنطق السلطة والقوة وتوظيف أدوات الدولة في الصراع السياسي، وهو ما نراه اليوم في المعركة التي تخوضها السلطة ضد معارضيها. ونحن نستبعد في النهضة أن تنتهي الفكرة إلى حوار وطني جامع والعودة التشاركية في إدارة شؤون البلاد. والحقيقة ما نراه على الأرض وما نراه من ممارسات وما نراه من خطاب للسلطة يجعلنا نستبعد هذه الفرضية، وهو دليل على أن السلطة لا تعترف أصلاً بالمعارضة بل تعتبرها معارضة لا وطنية، كما تتهمها بالخيانة.
لذلك نحن نستبعد أن تضفي هذه التحركات إلى تنازل السلطة وقبولها بفكرة للحوار الوطني. في المقابل، فإن المناخ السياسي يتجه نحو التقاء المعارضة، وهذا الالتقاء سيعلي من سقف وحضور المعارضة في المشهد. وستستمر المعارضة في التحرك الميداني السلمي وفي استجماع قواها وفي نبذ اختلافاتها وفي الالتقاء عبر الحد الأدنى وهو مطلب الحرية، الذي بمقتضاه ستعاد لتونس ديمقراطيتها الضائعة وسيدرك الفاعلون السياسيون أخطاءهم السابقة في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وسيعملون على مراجعتها من أجل بناء ديمقراطية قوية في علاقة بمشاغل التونسيين. وقد بان بالكاشف أن السلطة فرطت في كل مكاسب التونسيين في مجال الحقوق والحريات، على غرار الخسائر الاقتصادية والاجتماعية بسبب اختلال التوازن المالي وضرب فكرة التعويل على الذات والتداين المفرط في الميزانية الجديدة. وكل هذه الأوضاع تؤكد أن تونس تعيش أزمة مركبة ومتعددة الأبعاد، وسيكون لذلك آثار سلبية جدًا على الاستقرار وعلى الأوضاع الاجتماعية.





