افريقيا برس – تونس. بقلم: شكري بن عيسى (*)
رئيس الجمهورية استقبل وزير المالية السابق نزار يعيش وتحدث شمالا جنوبا وشرقا وغربا كعادته متحوّزا الحقيقة المطلقة.. وحديث عن قضية “الصلح الجزائي” التي اكد انه سيتقدم حولها بمشروع قانون زاعما انه بذلك سـ”يسترجع الشعب امواله”.. وكلام في العدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي الذي فصله عن الاضطراب الحكومي وحديث ايضا عن السياسة وقيمها مدعيا التعالي عن “الصفقات”..
لن اتعمق في حكاية يعيش التي سافردها بتعليق خاص بعد ان تحول الى “منقذ” بالنسبة لقرطاج.. بعد ان سقط رئيس حكومته السابق الفخفاخ وبعد ان رايناه سابقا خادما لمنظومة رأس المال مهرولا لصندوق النقد الدولي ومغالطا حتى في الارقام ساتطرق لبقية النقاط.. قبل ايام في تسريب لمحمد عمار كان يتحدث عن رئاسة الجمهورية وكأنها ميليشيا لتبادل الامتيازات والمصالح في وكر تحت الارض.. وطبعا لم يقع الرد عليها وقد وضعت الرئاسة في نقيض تام مع كل كلام الطهورية الذي طغى على كامل الجلسة..
طبعا الكلام في العدالة الاجتماعية والحرية كلام مرسل لان الرئيس لم يقدم ما يدل على اي شيء في الاتجاه وحتى الاعتداءات الامنية على الحريات قابلها بتواطؤ وحتى “الاس 17” فقد تجاهلها بالكامل.. الكلام عن الصلح الجزائي في الحقيقة هو دليل اخر عن انعزال قرطاج عن الواقع والمستجدات فسعيد تحدث عنه لما كان هناك قرابة 400 رجل اعمال ممنوعين من السفر.. وملاحقات تخص عشرات مليارات الدنانير وهو امر لم يبق منه شيئا تقريبا من ناحية تقلص حالات المنع الى رقم صغير والحسم في اغلب القضايا وحل جزء منها عبر العدالة الانتقالية ومشروع المصالحة الاخير.. ساعود الى نقطة فلسفية تحدث عنها الرئيس في خطاب سابق واعادها اليوم.. حول اهمية حرية التفكير وعلويتها على حرية التعبير في ادعاء جديد لامتلاك ناصية الفلسفة..
والحقيقة بعد صولات “زقفونة” و”الاخشيدي” المكوكية صار الرئيس لا يفوّت لحظة دون ادعاء انه يفهم في الجغرافيا والتاريخ والاسترونوميا وفيزياء نيوتن وانشتاين والفن والشعر وحتى زراعة القطن والحروب البونيقية.. والفلسفة غالبا ما يدعي الوصل بها وهي ابعد عن مناله وادعاءاته ولا أدلّ تأكيده ان حرية التفكير هي اهم من حرية التعبير.. وهي فكرة سقطت منذ ظهور الفيلسوف الالماني ايمانويل كانط وتحديدا في سنة 1784 مع كتابته مقالته الفارقة “ما الانوار ؟”.. وهو نفس العنوان الذي كتب تحته الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو مقالته بعد مئويتين على مقالة كانط اي سنة 1984 وهي نفس سنة موته.. معتبرا ان الانوار ليست مرحلة فحسب بل هي اشكالية الفلسفة العميقة التي ستظل تطرح باستمرار في اشارة الى اهمية القضية ومركزيتها..
مع ايمانويل كانط انتهى الوهم السابق الذي رافق الفلسفات السابقة التي كانت تقول بادعاءات العقل وعصمته واكتماله.. في ذلك المقال اعلن كانط ان العقل محدود في التفكير ولكن قبل ذلك بثلاث سنوات اي سنة 1781 مع ميلاد “نقد العقل المحض” احدث الصدمة الكبرى بان العقل البشري محدود في المعرفة ولا يمكن له معرفة كل شيء.. سبينوزا قبله باعوام وهو “ملك” حرية الفكر كان يؤمن بعصمة العقل وعلويته وكان الاعلى بالنسبة له كما سعيد هو حرية التفكير ولم يهتم كما ينبغي بالدفاع عن حرية التعبير.. كانط كان حاسما في الامر ورفع حرية التعبير وخاصة “الاستعمال العمومي” للعقل الى المرتبة الاعلى بل ربط بها الانوار وبنى عليها الفيلسوف الالماني المعاصر هبرماس نظريته في “الفضاء العمومي”.. وهي النظرية الحديثة التي مهدت لنظرية الفعل التواصلي والديمقراطية التداولية ونظرية ايتيقا المناقشة التي اشترك فيها مع مواطنه الفيلسوف كارل اوتو ابل..
“الاستعمال العمومي” للعقل قدمه كانط ليس كشرط للتنوير فحسب بل كشرط لاكتمال العقل وتحقيق انسانية الانسان الذي يولد عقله غير مكتمل وعندما يصل الى سن الرشد لن يتحقق الرشد العقلي طالما انه لا يستعمل عقله.. ويستمر يضع مصيره بيد غيره ليفكر مكانه ويقوده ويوجهه ويقيم عليه وصيا مشرفا ولكن هذا الامر لن يتحقق الا من خلال التواصل والتعبير عن الراي لان العادة هي طبيعة ثانية على حد قول ارسطو.. والتخلص منها لن يتحقق الا بمساعدة الاخرين والتفاعل معهم للارتقاء بمستوى الافكار وبالتالي بكفاءة العقل وخاصة بتحقيق هذا “التفكير الموسّع” pensée elargie.. والحقيقة انه لا قيمة للتفكير دون تعبير كتابة او كلاما بل ان كانط على حد قول احد اركان الفلسفة في القرن العشرين حنة ارندت يعتبر ان “السلطة التي تحرم الانسان من حرية التواصل (التعبير) هي تحرمه في نفس الان من حرية التفكير”..
وهو ما يبرز كيف ان حرية التعبير اساسية وان “الضمانة” لـ”تعديل” افكارنا تكمن في اننا نفكر لنعبر في المجموعة (او الجماعة) مع الاخرين لنصلهم بافكارنا ويصلونا بافكارهم.. وهذا هو جوهر “الاستعمال العمومي” للعقل هذا المفهوم الذي اسسه كانط باقتدار لم يسبقه فيه احد سوى سقراط بشكل عملي في حوارته التوليدية التي شكلت فعليا او بالاحرى جسمت نظرية التفكير العمومي.. والتفكير في الحقيقة عمومي لان التفكير لا قيمة له دون تحرر وانعتاق من الهيمنة اجتماعيا وهو جوهر عصر الانوار او بالاحرى حالة الانوار التي هي ليست حقبة.. بقدر ما هي حالة تعبر عن اشكالية فلسفية لازالت تتصدر التفكير الفلسفي وستظل على الاغلب طالما استمر حب الحكمة الذي لازال بعيدا عمن انغلق في تفكيره او في تواصله الفكري حيث سيستمر في القصور الى ما لا نهاية.. !!
(*) باحث في فلسفة التنوير والحداثة





