قيس سعيّد في مواجهة اتحاد الشغل: تحجيم سياسي رغم القيود القانونية

2
قيس سعيّد في مواجهة اتحاد الشغل: تحجيم سياسي رغم القيود القانونية
قيس سعيّد في مواجهة اتحاد الشغل: تحجيم سياسي رغم القيود القانونية

إلهام اليمامة

أفريقيا برس – تونس. وصلت تداعيات العاصفة التي أثارتها المواجهة الأخيرة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والرئيس قيس سعيّد إلى مدينة صفاقس (جنوبي تونس)، حيث شهدت يوم الأحد تصعيدا بين أعضاء الفرع الجهوي للاتحاد ومجموعات من أنصار الرئيس الذين تجمعوا مطالبين بحلّ المنظمة النقابية.

هذه التطورات الأخيرة ليست مجرد أحداث محلية، بل تعكس صراعا أعمق، وتفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى، وعلى رأسها العودة المدرسية والجامعية. في هذا السياق، يُبرز الواقع الحالي حاجة الاتحاد لمراجعة سياساته وتجاوز خلافاته الداخلية ليظل نِدّا قويّا وفاعلا على الساحة الوطنية، في مواجهة الضغوط السياسية والإدارية المتزايدة.

تجمع نقابيون أمام مقر الاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس، بعد أن تم تطويق المقر من قبل عدد من المدافعين عن مسار 25 يوليو، مطالبين بحل الاتحاد، في المقابل توافد النقابيون ومنظوري الاتحاد للدفاع عن مقرهم مؤكدين رفضهم حملات التشويه ودفاعهم عن منظّمتهم.

وقال الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس في بيان إن “مليشيا ومجموعة تتجمع أمام بلدية صفاقس تخطط للاعتداء وضرب دار الإتحاد الجهوي للشغل بصفاقس واستهداف دوره الطلائعي الوطني والاجتماعي واستهداف النقابيين المتمسكين بمنظمتهم الوطنية المناضلة والمستقلة ومقرات الاتحاد ودوره حيث سالت دماء العمال والنقابيين، وها هو التاريخ يعيد نفسه ولكن في شكل مهزلة”.

وحمّل البيان “السلطة المسؤولية كاملة على هذا الاعتداء الذي وظّف فيه ما يسمى أنصار 25 جويلية ومن ليست لهم أي علاقة بالمنظمة الشغيلة…”

تكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى الثقل النقابي والتاريخي الذي تمثّله صفاقس وفرع الاتحاد فيها. من هنا، لم يكن ما حدث في صفاقس مجرّد حادثة معزولة، بل مؤشّرا على قابلية الأزمة للتفاقم وتمدّدها إلى المستوى الوطني، بعد أن شهدت العاصمة يوم 21 أغسطس مسيرة حاشدة نظمها الاتحاد.

وكاد الوضع في تونس أن يشهد تصعيدا خطيرا في الأيام الماضية، على خلفية مهاجمة تونسيين غاضبين من الاتحاد لمقرّ المنظمة الشغيلة ودعوتهم إلى حلّها، على غرار ما قام به الرئيس في 25 جويلية حين حلّ الحكومة وجمّد البرلمان.

وازدادت الأجواء اضطرابا بعد تداول مقطع فيديو على فايسبوك يعلن فيه الرئيس قيس سعيّد “قرار حلّ الاتحاد العام التونسي للشغل”، وهو فيديو حصد آلاف التفاعلات والمشاهدات قبل أن يتبيّن أنه مفبرك يهدف إلى إثارة الفتنة، فالرئيس لم يعلن ذلك ثم إنّه لا يملك صلاحيات دستورية أو قانونية لحلّ المنظمة النقابية.

حلّ الاتحاد لا يمكن أن يتمّ بقرار رئاسي، بل عبر القضاء وفي ظروف خاصة، وبالتالي فإن أقصى ما يستطيع الرئيس فعله هو ممارسة الضغط سياسيا وإداريا، ومن خلال المواجهة في الشارع.

وفي هذا السياق، نزّل متابعون زيارة الرئيس قيس سعيّد لمجموعة من الدكاترة المعطلين عن العمل الذين كانوا معتصمين أمام مقر وزارة التعليم العالي في العاصمة، حيث جاءت هذه الزيارة في نفس اليوم الذي خرجت فيه مسيرة مؤيدة للاتحاد وتم على إثرها الإعلان عن رفع الاعتصام بعد تقديم الرئيس وعودا بالتسوية الشاملة لملفهم.

لكن، على الرغم من محاولة الرئيس يوم 21 أوت لسرقة بعض الأضواء، فإن التحرك النقابي أثبت مجددا قوّة الاتحاد ومكانته، رغم التحديات وفقدانه جزءا من حظوته السابقة.

المراجعة واجبة

لا شكّ في أن مسيرة يوم 21 أوت كان لها تأثير واضح، وأكدت مكانة الاتحاد وقوّته رغم الخلافات، حيث توحدت الصفوف ضد أي محاولة للمساس بهذه المنظمة العريقة، التي لها تاريخ طويل من الصدام مع السلطة وتحظى بدعم العمّال والموظفين وعموم التونسيين.

في المقابل، يمتلك الرئيس قيس سعيّد رصيدا شعبيا كبيرا من مؤيديه الغاضبين من الاتحاد، الذين يرون أن سياساته من إضرابات واعتصامات أسهمت في ما يعتبرونه “خراب” البلاد منذ ثورة 14 يناير. كما أن الاتحاد نفسه يعيش انقسامات وخلافات داخلية تحتاج إلى إصلاح عاجل، ويبدو أن الأزمة الأخيرة جاءت في صالح الشق المطالب بتغيير القيادة.

ويحذّر الباحث والمحلل التونسي أنس الشابي اتحاد الشغل من تكرار أخطاء الماضي، قائلا في تصريح لـ”أفريقيا برس”: “على الاتحاد أن لا يعيد الخطأ الذي ارتكبه سنة 2011 لمّا ساهم وساعد على إسقاط نظام هو مكوّن أساسي فيه ممّا أدّى إلى إضعافه، اليوم عليه أن ينتبه إلى أنّ سلطة 25 جويلية تستهدف الإجهاز عليه بما ظهر من تصرفاتها نحوه كرميه جانبا وتجاهله رغم مساندته لإجراءات حلّ البرلمان السابق”.

في المقابل، يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي بولبابة سالم لـ”أفريقيا برس”: “تأتي الأزمة الحالية بعد عودة الإضرابات خاصة في قطاع النقل (ثلاثة أيام) ووسط انتقادات شديدة طالت المكتب التنفيذي الحالي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي اعتبره شخصيا أسوأ مكتب تنفيذي في تاريخ المنظمة النقابية وهو الذي انقلب على الفصل 20 من ميثاق المنظمة كما جعل الاتحاد ذراعا لأحزاب صغيرة ليس لها وزن انتخابي… وكان الاتحاد هو القوة الرئيسية الفاعلة في عشرية الانتقال الديمقراطي المتعثرة والمائعة”.

ويضيف “طبعا رئيس الدولة وجه انتقادات لقيادة المنظمة التي تلاحقها شبهات إثراء غير مشروع. ومن المعلوم الرئيس يعتبر نفسه قي علاقة مباشرة مع الشعب ولا يحتاج أجساما وسيطة سواء كانت أحزابا أو منظمات اجتماعية. وأعتقد أن القيادة النقابية تريد تلطيف الأجواء مع الرئاسة وهي التي ساندت مسار 25 جويلية 2021… ولا تملك القيادة النقابية الحالية مصداقية كبيرة لدى فئات واسعة من النقابيين أو الشعب بسبب سياسة الاتحاد منذ 2011 ولنا في كتاب حسين العباسي “تونس والفرص المهدورة” لمحة حول ممارسات الاتحاد التي تجاوزت الدور النقابي والتعديلي إلى فرض مواقف وهو ما لا يسمح به اليوم الرئيس قيس سعيد”.

التفرغ النقابي

في ظل التوتر المتصاعد بين الاتحاد العام التونسي للشغل والرئيس قيس سعيد وأنصاره، أعلنت رئيسة الحكومة عن إلغاء التفرغ النقابي، ما أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية والاجتماعية، فيما أكد سامي الطاهري، في تصريح لـ”أفريقا برس” صحة ما تردّد بأن “التفرغ النقابي قد انتهى عمليا منذ سنوات”، معتبرا أن “الإجراءات الجديدة لا تمثل انقلابا على الواقع النقابي بل خطوة تنظيمية وإدارية”.

لكن ذلك لم يهدّئ الوضع بل تصاعدت حملة أنصار الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تداولوا فيديوهات وتعليقات تتهم الاتحاد بالثراء الفاحش وتلقي أموال ضخمة من البنوك والمؤسسات الكبرى، ما أضفى بعدا جديدا من الجدل حول مصداقية الاتحاد ودوره في المشهد الوطني، وأثار مخاوف من استمرار التصعيد الاجتماعي والسياسي.

وعن ذلك يحدثنا المحلل السياسي التونسي منذ ثابت لافتا إلى أن “الاتحاد يمثل إحدى الخصوصيات التونسية، نقابة ذات دور سياسي مميز منذ نشأته وتشكله في سياق الحركة الوطنية. لكن الاتحاد منذ 26 جانفي 1973 تمكّن من خلق استقلالية وظيفية مكّنته بأن يكون مرجعا تحكيميا في علاقة بالساحة السياسية وخاصة المعارضة ذات المنزع اليساري والقومي والماركسي. وكان الاتحاد يؤدي دور الحزب السياسي في بعض المرحل المفصلية، ولعب دورا مهما كراع للحوار الوطني خلال أزمة الاغتيالات السياسية في تونس في 2013″.

ويضيف ثابت لـ”أفريقيا برس”: “بالطبع هذا الدور أهله لأن يكون معدِّلا للاتجاهات السياسية، لكن بعد 25 جويلية تغير الوضع، والرئيس قيس سعيّد لا يرى أنه من المناسب أن تستمر هذه السلطة المضادة ومركز القوة في تقاسم النفوذ مع الحكم”، وهو ما يفسر تصاعد التوتر بين الطرفين والإجراءات الأخيرة التي استهدفت التفرغ النقابي والتمويل النقابي.

يعكس هذا التحول صراعا أعمق حول سلطة القرار والسيطرة على المشهد الاجتماعي والسياسي في البلاد، ويطرح تساؤلات عن مستقبل دور الاتحاد في المرحلة القادمة.

في هذا السياق، يضيف منذر ثابت: ” منذ تأسيس الجمهورية الثالثة، بدا واضحا أن الرئيس قيس سعيد يعتبر أن لا مجال للدور السياسي للاتحاد وعليه أن يبقى في مربع العمل النقابي وحدود المسألة الاجتماعية والاتحاد ليس له أن يكون مرجعا تحكيميا وتعديليا وبناء على ذلك كان متوقعا أن يكون هذا التوتر ورفض سعيد للحوار الوطني يأتي في هذا السياق”.

ويوضح أن الصراع بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة “يتجاوز مجرد الحراك الاجتماعي والإضرابات، إذ يمثل الاتحاد احتياطيا سياسيا مهما يمكن أن يوازن القوى ويؤثر في مجريات الأحداث. ويبدو واضحا أن هناك توجها نحو تحجيم هذا الدور، لكنه لن يتم عبر حل الهياكل النقابية نفسها، وإنما من خلال دفع الاتحاد إلى العمل ضمن حدود ضيقة، بعيدا عن لعب أدوار حاسمة كما فعل في المنعرجات السياسية الكبرى في تونس، مثل 26 جانفي 1987 و14 جانفي 2011. ومن المتوقع أن تتخذ السلطة إجراءات حادة لتقليص نفوذ الاتحاد، لكن من غير المحتمل أن تخضع المنظمة النقابية الكبرى في البلاد لحل أو تصفية كلية، كما يتخيله أو يدعو إليه بعض الأطراف”.

الأزمة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والرئيس قيس سعيد تؤكد أن الصراع السياسي والاجتماعي في تونس يتجاوز الإضرابات والحراك النقابي، ويصل إلى صميم السلطة والسيطرة على مراكز النفوذ. ومع أن السلطة قد تسعى لتحجيم دور الاتحاد، إلا أن التاريخ السياسي والرصيد الشعبي للمنظمة يجعل من أي حلّ شامل أو تصفية كلية أمرا مستبعدا.

وفي خضم هذا الشدّ والجذب، يبقى الاتحاد مطالبا بالعمل على إصلاح داخلي وتعزيز مصداقيته أمام قواعده وعموم الشعب، بينما يستمر الرئيس في فرض رؤيته لتحديد حدود الدور السياسي للنقابة، ما يجعل المشهد الوطني مفتوحا على مواجهة مستمرة بين القوة الشعبية للاتحاد وإرادة السلطة في إعادة تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي في تونس.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here