لماذا تأخر تشكيل المحكمة الدستورية في تونس؟

لماذا تأخر تشكيل المحكمة الدستورية في تونس؟
لماذا تأخر تشكيل المحكمة الدستورية في تونس؟

آمنة جبران

أهم ما يجب معرفته

تتزايد التساؤلات في تونس حول تأخر تشكيل المحكمة الدستورية، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على إقرار الدستور الجديد. يبرز هذا التأخير أهمية المحكمة في الحفاظ على استقرار البلاد وتنظيم السلطة، خاصة في ظل التوترات السياسية الحالية. يطالب سياسيون ومراقبون بضرورة تشكيل المحكمة لضمان حماية الحقوق والحريات وتحقيق التوازن بين السلطات.

أفريقيا برس – تونس. تتساءل أوساط سياسية في تونس عن سبب تأخر تشكيل المحكمة الدستورية في البلاد، وذلك رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على إقرار دستور جديد في يوليو 2022، عبر استفتاء شعبي.

ورغم أهمية المحكمة الدستورية في الحفاظ على استقرار البلاد لدورها في تنظيم السلطة في حالة حصول شغور في المنصب الرئاسي، إلا أن قانون المالية لعام 2026 لم يخصص اعتمادات لإحداث المحكمة، وذلك للسنة الرابعة على التوالي، في خطوة تعكس عدم رغبة السلطة القائمة برئاسة قيس سعيد في تسمية أعضائها.

ويرى سياسيون ومتابعون أن الوقت قد حان لتشكيل المحكمة الدستورية، وأنه لا يوجد مبرر لاستمرار غيابها، خاصة وأن المناخ السياسي المأزوم في ظل استمرار التوتر بين السلطة والمعارضة، يفرض على السلطة حماية البلاد من أي فوضى محتملة، وذلك لدور المحكمة في النظر في النزاعات السياسية الكبرى.

ومنذ اندلاع ثورة يناير 2011، فشلت الحكومات المتعاقبة في تشكيل المحكمة الدستورية، وفسر ذلك حينها بسبب ما تعيشه البلاد من محاصصة حزبية مردها نظام الحكم شبه البرلماني وما نجم عنه من تسابق الأحزاب على النفوذ والمناصب. ولاحقًا، رغم وعود الرئيس قيس سعيد بتشكيل المحكمة منذ إطلاقه إجراءات 25 يوليو الاستثنائية سنة 2021، إلا أنه لم يترجم وعوده على أرض الواقع، ولم يتم تسمية أعضاء المحكمة إلى الآن، وهو ما فسره المعارضون برغبة السلطة في التهرب من المساءلة والمراقبة والمضي في الحكم بنهج فردي.

مهمة صعبة للبرلمان

حاول البرلمان في شهر أبريل الماضي إطلاق مبادرة لأجل التسريع في تشكيل المحكمة الدستورية، غير أن هذه المبادرة سرعان ما تم إجهاضها لتبوء هذه المحاولة بالفشل.

ويقول الطاهر بن منصور، النائب بالبرلمان التونسي، في حديثه مع “أفريقيا برس”: “في ظل غياب المحكمة الدستورية يبقى كل شيء بين قوسين، فسيادة القانون واستقرار النظام السياسي واستمرارية الدولة كلها تبقى رهينة هذه المؤسسة. لأنها هي التي تضمن دستورية القوانين وتحمي الحقوق والحريات. وتضمن التوازن بين السلطات من خلال فض التنازع بينها. وتشرف على دستورية الانتخابات والاستفتاء من خلال ضمان نزاهتها.”

وتساءل: “بناءً على ذلك، لمصلحة من يتم تعطيل تشكيل المحكمة الدستورية؟ خاصة وأنه ليس هناك ما يمنع تشكيلها، ويكاد يكون هناك إجماع وطني حول ضرورة هذا الاستحقاق.”

وتابع بالقول: “لقد سبق وأن قدم مجموعة من النواب مبادرة تشريعية في ذلك منذ مدة، ودأبت أغلب وسائل الإعلام والناشطون من حقوقيين ورجال قانون وأكاديميين وسياسيين على المطالبة بضرورة تشكيل هذه المؤسسة. ولكن يبدو أن هناك جهات ما في مكان ما من الدولة لا ترغب في ذلك. وهو أمر على غاية من الخطورة لأنه عندما تصبح مؤسسات بحجم المحكمة الدستورية وأهميتها رهينة وأسيرة قرار فردي وإرادة فردية لصالح حسابات فردية، يصبح كل شيء بين قوسين.”

ورغم فشل البرلمان في تمرير مقترح تشكيل المحكمة الدستورية، إلا أن الدعوات تتزايد بضرورة إرساء المحكمة، حيث إن غيابها يهدد البناء الديمقراطي في البلاد، كما أن الوقت قد حان لإيقاف العمل بمقتضى الأحكام الانتقالية.

وفي الدستور الجديد، تنص المادة 125 على أن “المحكمة الدستورية هي هيئة قضائية مستقلة تتركب من تسعة أعضاء تتم تسميتهم بأمر من رئيس الجمهورية”. وهؤلاء الأعضاء “ثلثهم الأول أقدم رؤساء الدوائر بمحكمة التعقيب، والثلث الثاني أقدم رؤساء الدوائر التعقيبية (التمييز أعلى من الاستئناف) أو الاستشارية بالمحكمة الإدارية، والثلث الثالث والأخير أقدم أعضاء محكمة المحاسبات”، وفق المادة.

فيما حددت المادة 127 مهام المحكمة، ومنها “مراقبة دستورية القوانين بناءً على طلب من رئيس الجمهورية أو ثلاثين عضواً من أعضاء مجلس نواب الشعب أو نصف أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم”.

و”عند شغور منصب رئيس الجمهورية لوفاة أو لاستقالة أو لعجز تام أو لأي سبب، يتولى رئيس المحكمة الدستورية فوراً مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة وأربعون يوماً وأقصاه تسعون يوماً”، حسب المادة 109.

ويلفت سعيد المشيشي، المحامي وعضو المكتب السياسي لحزب التكتل، في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “الدستور هو أهم وثيقة في البلاد، والمبادئ والقواعد تقتضي حمايته من أي انتهاك، عبر وسيلتين أساسيتين وهما المحكمة الدستورية، ثم آلية الدفع بعدم دستورية القوانين.”

وشرح بالقول: “المحكمة الدستورية مختصة في مراقبة مدى مطابقة أحكام القوانين سواء أوامر أو تراتيب في الدستور، وهي هيكل مختص ينظر في هذه المسألة تحديدًا، وبينما تم تشكيل هيئة وقتية لمراقبة دستورية القوانين في العشرية الماضية ثم انتظار تشكيل المحكمة، إلا أن السلطة الحالية تأخرت كثيرًا في تشكيلها، وهو ما قد يفسح المجال لانتهاك الدستور لعدم مراقبة النصوص القانونية المخالفة له، وهو ما جرى بالفعل مع مرسوم 54 المقيد للحريات، والذي لم يتم إلغائه أو تعديله لحد الآن.”

ورأى أن “المحكمة الدستورية من أهم الهياكل التي تضمن احترام الدستور، ومع غيابها سيكون هناك شك كبير بخصوص المناخ الديمقراطي في البلاد وفي مدى احترام الشرعية، وفي غيابها يبقى الدستور في مهب الرياح دون حماية ومعرض للانتهاك، حيث بوسع السلطة التنفيذية في كل لحظة خرقه وسن قوانين غير مطابقة له، وبذلك تبقى السلطة القائمة طليقة اليدين دون مراقبة.

ويجمع المتابعون على أن غياب المحكمة الدستورية هو من نقائص الساحة السياسية في تونس رغم استكمال مؤسسات الدولة من دستور وبرلمان في مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021، وفي تقديرهم تختبر المحكمة الدستورية في كل مرحلة من المراحل السياسية في تاريخ البلاد مدى التزام السلطة بالمعايير الديمقراطية.

ويقول منذر ثابت، المحلل السياسي، في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “وجود المحكمة الدستورية في حد ذاته معيار من معايير الديمقراطية وهذا الوجود ليس شكليا فحسب ولا يقتصر في النظر في مدى دستورية القوانين بل أيضا في حال وجود نزاع بين السلطات وفي مراقبة مدى التزام السلطات بالمعايير والمقاييس والنواميس الدستورية”.

وأضاف “الكل يعلم أن هذه النقطة هي نقطة إشكالية داخل تظم الحكم في المنطقة العربية بصفة عامة وأفريقيا أيضا، وبالنسبة لتونس، فإن الخلافات الحزبية بعد ثورة 14 يناير حالت دون تشكيل المحكمة والحسابات السياسية جعلت المحكمة تعطل وترحل، واليوم ورغم أن المحكمة الدستورية منصوص عليها في دستور 2022، لكن مع ذلك لم يقع تشكيلها”.

واستدرك” قد تكون المسألة في علاقة بمعطى الثقة بهذا الهيكل، والأمر مطروح بكل تأكيد للسلطة باعتبارها الطرف المركزي والأساسي في الحياة السياسية، وإلى حد الآن لم نتجاوز بعد هذا الفراغ، وفي كل الحالات غياب المحكمة من النقائص التي تواجه الساحة السياسية التونسية، والأنظمة في كل أوقاتها ومراحلها.”

وتذهب أراء أخرى لتفسير تأخر تشكيل المحكمة الدستورية لاهتمام السلطة بالمشاغل الاقتصادية والاجتماعية، حيث تعد ملفات البطالة والتنمية من أبرز التحديات التي تحاول السلطة النجاح فيها لكسب ثقة الشارع واحتواء غضبه.

ويعتقد صهيب المزريقي، الكاتب والمحلل السياسي،في حديثه مع “أفريقيا برس” أن”عملية إرساء المحكمة الدستورية ليست بالعملية الصعبة حسب الدستور الحالي، ويجب أن تكون من بين الأولويات قبل التوجه إلى انتخابات البلدية لأنه لا يمكن الحديث عن انتخابات على مستوى محلي وجهوي في غياب المحكمة الدستورية التي ستؤطر وستراجع مشاريع القوانين التي سيتم تمريرها في البرلمان، سواء تنظيميةً كانت أو انتخابيةً.”

وبرأيه”مهم جدا دور المحكمة الدستورية في هذه اللحظة حتى تزيل اللغط والشبهات حول عديد النقاط الخلافية في القراءات القانونية، ومن أهمها ما حصل مؤخرا بين مجلس الجهات والأقاليم ومجلس نواب الشعب حول التصويت على مشروع قانون المالية وقتها، أيضا دورها مهم من ناحية الإطار الدستوري للقوانين وتطابقها مع الدستور، وتأخرها مرده طغيان المطالب الاجتماعية الكثيرة، والتوجه للتشريع الاجتماعي”.

نهج فردي

وبالنسبة للأوساط المعارضة فهي تفسر تأخر تشكيل المحكمة الدستورية بسبب رغبة السلطة في انتهاج الحكم الفردي القائم على إقصاء الأجسام الوسطية الفاعلة في المشهد من أحزاب ومنظمات.

ويبين وسام الصغير، الناطق باسم الحزب الجمهوري، في حديثه مع “أفريقيا برس” أن” تأخر تشكيل المحكمة الدستورية في تونس ليس مجرد تأجيل تقني بل خيار سياسي متعمد له أبعاد سلطوية واضحة. فغياب المحكمة يعني انعدام جهة مستقلة لمراقبة دستورية القوانين والمراسيم الرئاسية، ما يمنح الرئيس سلطة مطلقة بلا أي رقابة أو مساءلة.”

واعتبر أن “هذا الفراغ المؤسساتي يكرّس الحكم الفردي ويضعف البرلمان والقضاء والأحزاب، ويحدّ من قدرة المعارضة على ممارسة أي ضغط سياسي فعّال. واللافت أن الوعد الذي أطلقه الرئيس قيس سعيد في 2022 بإنشاء المحكمة لم ينفذ، ما يؤكد أن التأخير جزء من إستراتيجية لتثبيت السيطرة الفردية على الدولة وتجاوز أي قيود دستورية.”

وأردف “باختصار، تأخير المحكمة الدستورية يرسّخ حكما فرديا مستداما ويقضي على أي إمكانية لمراقبة دستورية أو رقابة سياسية ويترك الدولة بلا أي آليات حقيقية لضبط السلطة ومراقبتها”.

ويستنتج متابعون ومحللون أن المحكمة الدستورية من شأنها حماية البلاد من سيناريوهات وعواقب وخيمة التي تهدد مستقبل البلاد خاصة في ظل غياب الاستقرار السياسي ورفض السلطة لفتح باب الحوار مع كل الأطراف واستمرار استهداف المعارضة والتضييق على مناخ الحريات.

ويشير خالد كرونة، المحلل السياسي، في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “وجود محكمة دستورية تباشر مهامها سيكون نقلة نوعية في طرائق ممارسة الحكم في نظام جمهوري وهي حلم راود أجيالا من السياسيين وتوهموا حين تم إقرار دستور 2014 أن الإنجاز سيحصل خاصة أنه مسقوف بأجل دستوري، ولكن شيئا من ذلك لم يحصل وتكرر الأمر نفسه مع فارق الأسباب بعد إقرار دستور 2022.”

وخلص بالقول “إن عدم استكمال المؤسسات الدستورية يعد خللا كبيرا في إرساء المؤسسات ومسّا من القيم الجمهورية فضلا عن كونه يفتح الأبواب على تأويلات بالاتجاه نحو الحكم الفردي و تكريس الاستبداد. لذلك بات تشكيل هذه المحكمة ضرورة ملحّة لاستعادة الثقة لأنه لا شيء يبرر استمرار غيابها رغم كل المطاعن التي يمكن الدفع بها حول تركيبتها كما أقرها الدستور”.

منذ ثورة يناير 2011، فشلت الحكومات المتعاقبة في تشكيل المحكمة الدستورية، ويرجع ذلك إلى المحاصصة الحزبية والنزاع على النفوذ. رغم وعود الرئيس قيس سعيد بتأسيس المحكمة بعد إجراءات 25 يوليو 2021، لم يتم تنفيذ هذه الوعود، مما يثير قلق المعارضين بشأن رغبة السلطة في التهرب من المساءلة.

في أبريل الماضي، حاول البرلمان إطلاق مبادرة لتسريع تشكيل المحكمة، لكن المحاولة باءت بالفشل. غياب المحكمة الدستورية يهدد استقرار النظام السياسي ويجعل البلاد عرضة للفوضى، حيث تعتبر هذه المحكمة ضرورية لضمان دستورية القوانين وحماية الحقوق والحريات.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here