لماذا فشلت الرئاسة التونسية في تحقيق “ثوراتها” المعلنة؟

لماذا فشلت الرئاسة التونسية في تحقيق “ثوراتها” المعلنة؟
لماذا فشلت الرئاسة التونسية في تحقيق “ثوراتها” المعلنة؟

جمال الطاهر

أفريقيا برس – تونس. مع دخول شهر أكتوبر/تشرين الأول 2025، كان الرئيس التونسي يفتتح رسميا سنته الثانية من عهدته الرئاسية الثانية والأخيرة، وهي المرحلة التي قدمها بوصفها مرحلة “البناء والتشييد”، بعد سنوات اعتبرها تحررا من “المنظومة القديمة” وتفكيكا لما يسميه شبكات الفساد والتآمر وضرب الدولة من الداخل.

غير أن هذه المرحلة، التي أرادها تتويجا لمشروعه السياسي الشخصي وذروته، سرعان ما كشفت عن مفارقة عميقة بين الخطاب والواقع، وبين الوعود الكبرى والحصيلة الفعلية على الأرض.

فبدل أن تشهد تونس انطلاقة جديدة، بدت البلاد أكثر إنهاكا، وأكثر انغلاقا، وأبعد عن أي أفق إصلاحي حقيقي، في ظل تركيز غير مسبوق للسلطات، وإقصاء كامل للأجسام الوسيطة، وتضييق حاد على الحريات، وتعدٍ صارخ على الحقوق، وتعطل شبه شامل لمحركات الدولة والمجتمع.

مشروع بلا وسائط: دولة في قبضة السلطة الفردية

منذ بداية عهدته الثانية، واصل الرئيس تكريس نموذج حكم خالٍ من كل الوسائط السياسية والاجتماعية والمدنية. فقد اعتبر الأحزاب عبئا على الدولة، والمنظمات المدنية عائقا أمام ما يصفه بـ”إرادة الشعب” ومنصات للتآمر عليها، والإعلام الحر مصدر تشويش، والقضاء المستقل تهديدا مباشرا لمشروعه.

وفي المقابل، اجتمعت بين يديه السلطات التنفيذية والتشريعية، ومعها نفوذ واسع على المسار القضائي والإداري.

هذا التصور للحكم، القائم على الإلغاء لا على الإصلاح، وعلى الإقصاء لا على التشاركية، حول الدولة إلى بنية مركزية جامدة تدار بالقرارات الفردية بدل السياسات العمومية، وبالأوامر بدل الحوار والتعاقد.

وبدل أن يكون هذا التركيز مدخلا للنجاعة، كما روج الرئيس، أصبح سببا مباشرا لتعطل أجهزة الدولة، وتآكل قدرتها على الفعل، وتراجع الثقة العامة في مؤسسات الحكم.

“معركة التحرر الوطني”: شعار بلا مضمون

في مستهل عهدته الثانية، أعلن الرئيس قيس سعيد أن تونس مقبلة على “معركة تحرر وطني”، تقوم على ثلاث ثورات كبرى:

– ثورة اجتماعية بتأكيد الدور الاجتماعي للدولة.

– وثورة تشريعية لتغيير منظومات القوانين.

– وثورة ثقافية تغير المجتمع.

غير أن هذه العناوين الكبرى وبعد أكثر من سنة من إعلانها بقيت حبيسة الخطاب، دون أن تتحول إلى برامج واضحة أو سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.

فالدور الاجتماعي للدولة لم يتعزز، بل تراجع بشكل غير مسبوق بفعل الأزمة المالية الخانقة، وتدهور الخدمات العمومية، وغياب أي رؤية اقتصادية أو اجتماعية متكاملة.

ولم تعد الدولة، عمليا، قادرة على توزيع الرفاه أو حماية الفئات الضعيفة، بل تحولت إلى جهاز يوزع الفقر، بعد أن نفدت مواردها، فاتجهت إلى سلب المواطنين ما تبقى لديهم عبر الترفيع في الجباية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية وتراجع خدمات المرفق العمومي.

أما ما سمي بالثورة التشريعية، فقد اقتصر على نصوص صيغت بشكل فوقي، دون نقاش عام أو توافق وطني، وأنتجت منظومة قانونية مرتبكة، لم تحل مشكلات البلاد، بل زادت في تعقيدها، وعمقت حالة عدم الاستقرار القانوني والمؤسساتي.

الثورة الثقافية: خطاب أخلاقي بدل الإصلاح

احتلت “الثورة الثقافية” موقعا مركزيا في خطاب الرئيس قيس سعيد، حيث دعا إلى تغيير عميق في القيم والسلوكيات، معتبرا أن البطالة والفساد والإرهاب تعود أساسا إلى خلل ثقافي وأخلاقي في المجتمع.

غير أن هذا الطرح، بدل أن يكون مدخلا للإصلاح، تحول إلى آلية لتحميل المجتمع مسؤولية الإخفاق السياسي والاقتصادي، وتبرئة السلطة من نتائج خياراتها.

فالتغيير الثقافي، حين يطرح بمعزل عن الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، يتحول إلى خطاب أخلاقي فضفاض، لا ينتج سياسات، ولا يخلق فرص عمل، ولا يكافح الفساد فعليا. بل غالبا ما يستخدم لتبرير القمع، ووصم المعارضين، وإسكات الأصوات النقدية باسم “حماية المجتمع” و”تطهير الدولة”.

ولعل أحد أبرز مؤشرات إفلاس هذا الخطاب هو الغياب شبه التام لكل “مفسري المشروع الرئاسي” الذين اشتغلوا بعد 25 يوليو/تموز على تبرير الانقلاب، ومحاولة إقناع التونسيين بأن مشروع قيس سعيد سيقود إلى السيادة والرفاه والحرية.

فقد اختفى هؤلاء تدريجيا، لأن حصيلة الحكم لم تمنحهم أي إنجاز حقيقي يمكن تسويقه للرأي العام. وأصبح قيس سعيد المخاطب الوحيد للشعب، عبر تصريحات إعلامية خاطفة، يواصل من خلالها رفضه إجراء أي حوار مع وسائل الإعلام التونسية يكون فيه موضع مساءلة عن خياراته وقراراته.

إصلاحات شكلية وتركيز متواصل للسلطة

عمليا، لم تشهد تونس بعد أكتوبر/تشرين الأول 2024 ثورات ثلاثا، بل مسارا واحدا متواصلا عنوانه المزيد من تركيز السلطة. فقد واصل الرئيس إعادة صياغة علاقة الدولة بالأحزاب والقضاء، ليس على أساس الإصلاح والتوازن بين السلطات، بل على قاعدة الإخضاع والإقصاء.

كما رفع شعار “السيادة الوطنية” دون أن يترجم إلى سياسات مستقلة أو خيارات اقتصادية بديلة، بل رافقه مزيد من التداين والارتهان، وعزلة متنامية، وتراجع واضح في القدرة التفاوضية للدولة.

ويضاف إلى ذلك أن سبع سنوات من حكم سعيد، منها ما يقارب خمس سنوات من الحكم شبه المطلق منذ 25 يوليو/تموز 2021، أظهرت أن المشروع الشعبوي قد بلغ مداه وأصبح عاجزا تماما عن التأثير في المواطن، فضلا عن عجزه المتفاقم عن إنجاز أي من وعوده، حتى البسيطة منها.

فلم يبقَ من مشروع الرئيس سوى خطابات متوترة، وشعارات جوفاء، ووعود متكررة بلا أثر، وقرارات مرتجلة. واقتصر “الحراك” الفعلي على تغيير المسؤولين الذين اختارهم بنفسه، وتعاقب الحكومات: ست حكومات في خمس سنوات، إلى جانب زيارات رئاسية “غير معلنة” يغلب عليها الطابع الاستعراضي والمشهدية، فيما تغيب عنها النجاعة والأثر المباشر.

وبقيت الملفات والمشكلات على حالها، بل تعمق أغلبها، حتى بعد مرور قيس سعيد وأسطول الأمن الرئاسي وملفاته “الحمراء” الخاوية من كل إصلاح.

الحصيلة: أزمات أعمق واحتقان أعلى

تشير وقائع الحياة التونسية إلى أن قيس سعيد لم يتقدم خطوة واحدة في كسب رهاناته المعلنة. فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ازدادت سوءا وتعقيدا، وتعطل المجهود التنموي، وتوقفت المشاريع، وتعمق الإحباط الشعبي.

كما ارتفع منسوب الاحتقان الاجتماعي والغضب السياسي، في ظل انسداد كامل للأفق، وغياب أي قنوات فاعلة للتعبير أو التداول أو الوساطة.

في المقابل، كان المجال الوحيد الذي شهد «نجاعة» متواصلة هو المجال القمعي، حيث تزايد عدد المعتقلين، وتواصلت الإيقافات، واتجه القضاء إلى تشديد الأحكام بالسجن ضد المعارضين، عبر محاكمات تفتقد إلى أبسط معايير الاستقلالية والمحاكمة العادلة، ما حول القضاء من سلطة دستورية إلى أداة في الصراع السياسي.

ولم يقف الأمر عند استهداف المعارضين من خارج السلطة، بل امتد ليشمل أصواتا من داخل الدائرة المؤيدة لمسار 25 يوليو/تموز نفسه.

فقد بدا أن السلطة قد ضاق صدرها بالنقد، حتى وإن صدر عن مناصريها، وكأن شهية الاعتقال قد اتسعت لتطال كل صوت يخرج عن خط الطاعة.

ويستشهد في هذا السياق باعتقال النائب أحمد السعيداني، المعروف بمساندته للمسار، في خطوة فهمت على أنها رسالة لإسكات أي «معارضة»، ولو كانت صادرة من داخل منظومة الحكم نفسها.

جبهة داخلية ضعيفة وعزلة خارجية متفاقمة

أدى هذا المسار إلى إضعاف الجبهة الداخلية لتونس بعد تفكيك الحياة التشاركية القائمة على الحرية والتعددية والمنافسة السياسية، حيث استبدل الفضاء العام المفتوح بفضاء مغلق لا يسمع فيه سوى صدى خطابات الرئيس وقراراته، دون نقاش أو مساءلة أو رقابة.

وخارجيا، تراجعت مكانة تونس الإقليمية والدولية وفقدت جزءا كبيرا من رصيدها الدبلوماسي وقدرتها التفاوضية، بعد أن أقحمت في تحالفات غير متوازنة ومحاولات قسرية لإخراجها من مدارها الطبيعي. وبدل السيادة التي رُفعت شعارا، وجدت البلاد نفسها في وضعية تبعية وهشاشة متزايدة.

وفي هذا السياق، تبدو تونس اليوم فاقدة لكل محركات التغيير، تعيش على وهم مشروع شخصي يقدَم باعتباره قادرا على تغيير البلاد، بل والعالم، بينما يستند في جوهره إلى رؤية متوقفة عند تصورات ماضوية للدولة والمجتمع أثبتت التجارب أنها بلا أفق. فلا العرض السياسي ولا الاجتماعي الذي يقدمه يحمل عناصر التجديد أو يستجيب لتعقيدات الواقع المعاصر، بل يراكم الفشل، ويهدر الوقت والجهد، ويدفع البلاد نحو مزيد من الانسداد.

حين يفشل القمع في كسر السياسة

في المحصلة، لا يقاس إخفاق قيس سعيد فقط بعجزه عن تحقيق وعوده أو بتدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، بل يتجلى أيضا، وبشكل بالغ الدلالة، في عجزه عن إنهاء السياسة نفسها.

فعلى الرغم من التضييق الممنهج على الأحزاب والفاعلين، ومحاولة تفريغ الفضاء العام من كل تعبير منظم، تواصلت العملية السياسية بأشكال جديدة، واتجهت قوى مختلفة، رغم تباين مواقعها وساحاتها وعناوينها، إلى التنسيق والتقارب ضد الظلم والاستبداد. وهو ما يؤكد أن السياسة لم تكسر، بل أعيد تشكيلها خارج مؤسسات أغلقت قسرا.

ويعزز هذا المعنى تكاثر الاحتجاجات الاجتماعية، العامة والقطاعية، التي لم تعد أحداثا معزولة، بل تعبيرا عن أزمة شاملة وعن رفض يزداد اتساعا لمسار أغلق كل منافذ الإصلاح السلمي.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز صمود المساجين السياسيين بوصفه علامة رمزية فارقة؛ إذ لم نسمع عن تراجع، ولا عن مساومات فردية، ولا عن انقسامات، بل عن رسوخ جماعي على المواقف، أفقد السلطة قدرتها على كسر الخصوم أو إعادة إنتاج الخضوع.

هنا يتكثف الفشل السياسي في بعده الأعمق: سلطة جمعت كل الصلاحيات، لكنها فقدت القدرة على الإقناع، وعلى إنتاج أفق، وعلى انتزاع الشرعية. فمشروع حاول إلغاء التعددية انتهى إلى توسيع جبهة الرفض، ومسار سعى إلى إسكات المجتمع كشف عجزه عن إخضاعه.

وفي هذا المعنى، لم يعد السؤال: متى يحقق هذا المسار وعوده، بل متى يعترف بنهايته، ويفتح الباب أمام غلق قوس الانقلاب، والعودة إلى مسار يملك الحد الأدنى من المعنى والأفق والكرامة؟

وتندرج في هذا السياق الندوة الفكرية الأخيرة التي نظمتها جبهة الخلاص الوطني بداية الشهر الجاري حول الوضع السياسي الراهن وأزمة الديمقراطية في تونس، والتي استضافت أكاديميين عرفوا بانتمائهم إلى اليسار، مثل حمادي الرديسي والمولدي القسومي وسناء بن عاشور، وهي شخصية أكاديمية عرفت بمواقفها النقدية لحركة النهضة المكون الرئيسي لجبهة الخلاص الوطني.

وقد أثارت هذه الندوة قدرا واسعا من الجدل، خاصة داخل ما يسمى باليسار الإقصائي، الذي رأى في هذا اللقاء وفي رمزية المشاركين فيه نقطة تحول لافتة في المشهد السياسي العام، خاصة أن النقاشات قد تمحورت حول الحاجة إلى عهد سياسي جديد يقوم على التوافق بين الفاعلين واستعادة القيم والممارسات الديمقراطية بعيدا عن منطق الإقصاء والعنف السياسي، مع التشديد على دور الثقافة والنخب في ترسيخ وعي سياسي قائم على احترام القانون وحقوق الإنسان.

وبدا واضحا من خلال هذا اللقاء أن مسارا جديدا أخذ يتشكل منذ مدة، يتحسس طريقه نحو إعادة بناء الفضاء العام عبر حوار يقرب بين التيارات المختلفة ويبحث عن المشتركات بدل تعميق الانقسامات، بما يفتح المجال أمام التقاء أوسع طيف سياسي وفكري واجتماعي ومدني حول أرضية مشتركة، ويؤسس لثقافة سياسية أكثر انفتاحا، خالية، أو على الأقل متخففة، من الإقصاء والوصم.

سؤال النهاية وضرورة فتح أفق جديد

بعد أكثر من عام على بداية العهدة الثانية، يتضح أن قيس سعيد أخفق في تحويل شعاراته إلى إنجازات، وفي ترجمة “ثوراته” المعلنة إلى مسارات إصلاح حقيقية. ولم تعد هناك إمكانيات جدية لإنقاذ هذا المسار من داخله، بعد أن فقد كل محركاته، وأضاع كل الفرص الممكنة.

فمستقبل هذا المسار يبدو أصعب من حاضره، والزمن لم يعد في صالحه. وهو يخسر تباعا مشروعيته الأخلاقية والسياسية، إلى جانب فقدانه القدرة على التغيير والإنجاز. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كان هذا المسار سيفشل، بل متى تفتح أبواب التغيير، ويغلق قوس الانقلاب؟

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here