محسن السوداني: التوتر بين السلطة والاتحاد جزء من أزمة وطنية

2
محسن السوداني: التوتر بين السلطة والاتحاد جزء من أزمة وطنية
محسن السوداني: التوتر بين السلطة والاتحاد جزء من أزمة وطنية

آمنة جبران

أفريقيا برس – تونس. اعتبر محسن السوداني، القيادي في حركة النهضة، في حواره مع “أفريقيا برس” أن التوتر الحاصل بين السلطة والاتحاد هو جزء من أزمة وطنية مركبة، حيث تشهد البلاد انحدارًا وتراجعًا على كل المستويات، مضيفًا: “إما أن نتدارك أمرنا، وإما أن نظل في استنزاف ذاتي”.

ورأى أن “هناك تيهًا اجتماعيًا وضياعًا سياسيًا يعيشه التونسيون، فيما لم تستطع السلطة القائمة أن تقدم أي حل لأي مشكل”، لافتًا إلى أن “كلما تأخر الحل ارتفعت الكلفة على البلاد، وأن الحكمة تقتضي أن نبادر جميعًا إلى استباق الانهيار والبحث عن حل جماعي يحمينا من المآلات غير الطيبة”.

وأكد رفضه لأي “محاولة للاستعانة بالخارج للدفاع عن مطالب المعارضة المشروعة”، مشددًا على أن “الحل يجب أن يكون تونسيًا-تونسيًا، وأن الخلافات الداخلية يجب أن تحل داخل البيت التونسي”.

وفيما يخص الوضع الداخلي لحركة النهضة، أوضح أن “الوضع داخل الحركة يحتاج إلى ترتيبات ومراجعات عميقة، وأن المؤتمر المرتقب سيكون المحطة الأنسب لتجديد كل شيء، سواء تعلق الأمر بالأفكار أو بالأشخاص”.

يُذكر أن محسن السوداني هو عضو المكتب التنفيذي ومجلس الشورى لحركة النهضة، ويعد من أبرز قياداتها، وهو نائب سابق بالبرلمان التونسي.

شهدت العاصمة تونس تظاهرة كبرى نظمها اتحاد الشغل للمطالبة بالحريات والحقوق النقابية. كيف تفسّرون هذا المشهد الاحتجاجي؟

هذه التظاهرة تأتي في إطار ما ذكره الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه من دفاع عن النفس إزاء الاستهداف الذي يتعرض له من السلطة. فبعد أن جمّدت السلطة الحوار الاجتماعي مع الاتحاد وقالت أنها هي التي ستحدد آلية وسبل معالجة أوضاع العمال والتفاعل مع مطالبهم المهنية وحدها ودونما حاجة إلى وسيط اجتماعي، وبعد أن تظاهر مناصرون للسلطة أمام الاتحاد أدركت القيادة النقابية أنها أصبحت عرضة لخطرين: التهميش والاستهداف. وذلك بأن سحبت السلطة ملف الطبقة الشغيلة من بين يديها وعرّضتها للترذيل والاتهام بالفساد، حتى تنال من صورتها ومنزلتها الاعتبارية والاجتماعية. وذلك كمقدمة لاستهدافها قضائيّا. إزاء كل ذلك، لم يبق للاتحاد سوى أن يردّ الفعل.

هل أجرت حركة النهضة أو جبهة الخلاص أي اتصالات أو مواقف معلنة تجاه الاتحاد في هذا السياق؟

لا، ليست هناك اتصالات رسمية بين الاتحاد والنهضة ولا بين الاتحاد والجبهة. فرغم أن الجبهة أصدرت بيانا في الغرض عبّرت فيه عن موقف الرفض والإدانة لما يتعرض له الاتحاد من استهداف، إلا أنه لم تحدث اتصالات رسمية في بين هذه الأطراف.

يرى مراقبون أن المواجهة تتصاعد بين السلطة واتحاد الشغل، كيف تقرأون هذا التطور؟ وما الذي تقترحه النهضة لتفادي مزيد من التصعيد؟ أم أنتم مع التصعيد؟

المواجهة التي تعتمل الآن عناصرها بين السلطة واتحاد الشغل هي نتيجة للمسار السياسي الذي سلكه الانقلاب. والمتمثل في رفض الوسائط السياسية والاجتماعية والمدنية. ونحن نعتقد أن من طبيعة الانقلاب ومن صميم بنيته السياسية والفكرية أنه يرفض الشراكة من أي نوع. والاتحاد كان شريكا أساسيا في السلطة والحكم منذ بداية الاستقلال. فدوره، قبل قيام الدولة الوطنية وبعده، لا يقتصر على الجانب الاجتماعي المطلبي والمهني الصرف بل يتخطاه إلى الدور الوطني الشامل. وهذا الأمر لا تتحمّله السلطة البتة. ولم يعد يسعها، وفق منظورها في الحكم وإدارة الشأن العام، أن تتحمّل كيانا بحجم الاتحاد وفلسفته في الأداء الوطني والنقابي. فإمّا أن ينخرط في سياقها فيصبح ملحقا لها وبها، وإمّا أن يتمّ تحييده بشكل ما.

نحن ضد خيار التصعيد لأنه مضرّ بالجميع دون استثناء. وما نقترحه من حل لهذه الأزمة ليس شيئا آخر غير الحوار الوطني الشامل. لأن التوتر الحاصل بين السلطة والاتحاد هو جزء من أزمة وطنية مركّبة وعامة: سياسية واجتماعية واقتصادية. حيث نشهد انحدارا وتراجعا للبلاد على كل المستويات. فإمّا أن نتدارك أمرنا وإما أن نظل في استنزاف ذاتي.

هناك حديث عن نية السلطة فتح تحقيقات في قضايا فساد تطال قيادات في اتحاد الشغل. ما هو موقفكم من هذه الخطوة؟

اتحاد الشغل نفسه قال على لسان أمينه العام نور الدين الطبوبي ما مفاده أن التلويح بشبهات فساد أو بوجود ملفات تدين القيادة النقابيّة هو أمر غير جيد وغير مقبول، وأن من يملك ملفّات تدين الاتحاد فما عليه سوى أن يتوجّه بها إلى القضاء. المشكل لا يكمن في شعار مقاومة الفساد. فهو شعار نبيل. لكن السياق السياسي والقضائي والمناخ العام الذي يتنزل فيه الآن يثير التوجّس ويحيط العملية بكثير من الشكوك وينال من نزاهة ومصداقية المعالجة.

كيف تقيّمون الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهل البلاد مقبلة على انفراج قريب أم على مزيد من الأزمات؟

كل المتابعين للشأن في تونس يجمعون على وجود أزمة مستحكمة ومعقّدة. يمكن توصيف الوضع الآن بأنه توقّف أو انحباس تام. فلا تشغيل. ولا استثمار. ولا قطاعات حيوية منتعشة. ولا دبلوماسية نشطة. صورة البلاد لم تعد تُسوَّق كما كانت السنوات الأولى للثورة. بلادنا فقدت مكانتها كنموذج جالب وكوجهة تستقطب. ولا مناخات ثقة عامة. هناك تيه اجتماعي وضياع سياسي يعيشه التونسيون. الانتخابات الجزئية الأخيرة كشفت عن نسبة إقبال غاية في الضعف والتردي. ولم يُسجَّل لها مثيل في العالم. النسبة لم يتمّ الإعلان عنها. وذلك يعكس الإعراض الشعبي عن السلطة والحسم فيها. وليس في الأفق القريب بوادر انفراج إلا أن يعود الجميع إلى رشدهم. ويكفوا عن خطاب التنافي والاتهامات المتبادلة. فلا مخرج من هذه الأزمة إلا بمبادرات شجاعة تغلّب المصلحة العامة على الاعتبارات الخاصة.

ما أبرز المخاطر التي تلوح في الأفق إذا استمر الوضع على حاله دون حلول توافقية؟

كلّما تأخر الحل ارتفعت الكلفة على البلاد. أزمة الثقة تتفاقم. والبطالة تتزايد. والجريمة تنتشر. وغلاء المعيشة في ارتفاع مستمر. ولم تستطع السلطة القائمة أن تقدم أي حل لأيّ مشكل. والمؤكد، بناء على تجارب التاريخ البعيد والقريب، أن استمرار الانغلاق أو ما سميته بالانحباس الوطني العام لا يمكن أن يستمر. هناك حدود للتحمّل العام. والأمر يتجاوز النوايا والإرادات. هناك ما يشبه القانون الاجتماعي والتاريخي الصارم، وهو أن الضغط يولد الانفجار. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ متى؟ من أين سيأتي الانهيار؟ كل ذلك لا يمكن استشرافه بالدقة العلمية. مجسّات الاستشعار السياسي والاجتماعي غير قادرة على تحديد الكيفية ولا اللحظة ولا الجهة. لكن المعطى الثابت أن الانسداد لا يستمر. هكذا علّمتنا التجربة. الحكمة تقتضي أن نبادر جميعا إلى استباق الانهيار ونبحث عن حل جماعي يقينا المآلات غير الطيبة. لأنّ الانهيار، إذا حدث لا قدّر الله، فسوف يتجاوز القدرة على التطويق والضبط.

ما هو تقييمكم للمحاكمات التي تستهدف عددًا من السياسيين والمعارضين؟

بصراحة، المحاكمات تتجاوز التعليق. مثلا في قضية التآمر، كان يفترض أن تُعرض هذه الجريمة المفترضة أو المزعومة للرأي العام. وقد طالب الدفاع بأن يتم عرض المحاكمات في الإعلام حتى يتابعها التونسيون ويعرفوا الحقيقة. لكن ذلك لم يحدث. المحامون يتحدثون عن إخلالات وخروقات جسيمة في التعاطي القضائي مع المتهمين. كما يتحدثون عن خلوّ الملفات من كل مضمون إدانة. وقد طالت المحاكمات كل الأصناف من إعلاميين وسياسيين ونشطاء مدنيين ومحامين ومدوّنين… ولم يستثن فيها طرف. وهذا وضع غير طبيعي لأن الأصل في الأشياء انه لا وجود لفعل (سلطة) دون رد فعل (معارضة).

هل أنتم مع تدويل هذه المحاكمات؟

لا أميل إلى هذا الخيار، رغم أن هناك نشطاء سياسيون وحقوقيون في الخارج بادروا برفع قضايا لدى المحاكم الدولية لتقدير منهم أن القضاء الوطني لا يشتغل في ظروف تضمن النزاهة والعدالة. ومن المحزن حقّا أن تصل صورة القضاء التونسي في وجدان عدد من التونسيين إلى هذه المرتبة. لقد مثلت الثورة فرصة مواتية لتحقيق الفصل بين السلطات وضمان شروط القضاء العادل. لكن منذ الانقلاب عرفت البلاد منعرجا خطيرا أثر على المرفق القضائي. وكلّنا ما زلنا نتذكر رفض السلطة التنفيذية تطبيق أحكام المحكمة الإدارية التي قضت بإرجاع عشرات القضاة الذين تمّ إعفاؤهم. وسحب صلاحية المحكمة الإدارية بخصوص الانتخابات الرئاسية ورفض هيئة الانتخابات للأحكام، التي أصدرتها بشأن إعادة مترشّحين للرئاسة إلى السباق. كل هذه المعطيات وغيرها تضاعف الشكوك وتؤثر على الثقة في القضاء.

هل أنتم مع الاستقواء بالخارج لتحقيق مطالب ترونها مشروعة؟

أبدا. الحل يجب أن يكون تونسيا- تونسيا. هذا شأن تونسي صرف. تونس قدمت نموذج عالميا لثورة سلمية. وعالجت عثراتها بنفسها. ولذلك فإن خلافاتنا الداخلية تحلّ داخل البيت التونسي. وقد أثبتت التجربة في أكثر من مناسبة أن التونسيين قادرين على ابتكار حلول ذاتية تتناسب ووضعيتهم وخصوصيتهم.

بعد أربعة سنوات من إجراءات 25 جويلية كيف هو الوضع الداخلي في حركة النهضة؟

الوضع داخل الحركة يحتاج ترتيبات ومراجعات عميقة. ويفترض أن يكون المؤتمر المحطة الأنسب لتجديد كل شيء. سواء تعلق الأمر بالأفكار أو بالأشخاص. وقد أعدّت لجنة الإعداد المضموني للمؤتمر الحادي عشر لوائح مهمة في الغرض. غير أن حدث الانقلاب وما أعقبه من غلق للمقرات واعتقال للقيادة وتضييق على النشاط، كل ذلك عطّل المؤتمر وأعاد ترتيب الأولويات. لكننا مع ذلك تعتزم مؤسسات الحركة النظر في الوضع الداخلي للحركة والبحث عن حلول. لأنه لم يعد يسعنا الاستمرار في هذا الوضع القيادي والتنظيمي.

هل قامت الحركة بمراجعات داخلية في إطار مفهومها للربح والخسارة وهل هناك خطط عملية للخروج من الأزمة الراهنة؟

نعم حدث ذلك ضمن التقييم الذي أعدّته لجنة الإعداد المضموني للمؤتمر الحادي عشر. ويفترض أن يُعرض التقييم على عموم الأخوة المنخرطين استعدادًا للمؤتمر. ونحن نعتزم نشره فيما بعد لعموم التونسيين للاطلاع.

كيف تردون على من يحمّلون النهضة مسؤولية الأزمات المتراكمة منذ سنوات؟

ليس من شكّ أن للحركة نصيب من المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع. غير أن تحديد حجم هذه المسؤولية لا يكون بشكل عشوائي هو أقرب للإدانة المسبقة والاتهام على الهوية الأيديولوجية. وإنما يكون بالحوار الهادئ الذي يرصد مسار التجربة الديمقراطية وأداء الحركة خلال ذلك. فنحن نتبيّن نصيب كل طرف من الأخطاء التي أدّت إلى انهيار المسار الديمقراطي عندما نعقد جلسات من الحوار والنقاش الرصين المدعّم بالمعطيات الدقيقة والثابتة، وليس بالصراخ ولا بحمّى الإدانة العمياء للحركة. الوقوف على الثغرات والإخلال والأخطاء يمثل دليل نضج وشجاعة سياسية. ونحن لا نستنكف من القيام بذلك.

كيف تقيّم النهضة العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة؟

هو عدوان وحشي وظالم لم يحدث مثله في التاريخ. المشكل ليس في ما يمارسه من إبادة ضد الشعب الفلسطيني، فنحن لا نستغرب من هذا العدوّ شيئا. وإنما يكمن المشكل في الموقف العربي الرسمي الضعيف. موقف لم يرتق إلى الحد الأدنى من التضامن. الفلسطينيون في غزة لا يرفعون سقف المطالب عاليا في وجه النظام العربي كأن يطلبوا أن يمدهم بالسلاح أو ينتصر لهم بالجند. وإنما منتهى ما ينشدونه منه هو أن يضغط سياسيا وأن يكسر عنهم الحصار الذي يقتلهم جوعا. وأن يسمح للشعوب أن تساهم بما تستطيع في فك الحصار، لا أن يمنعوا دخول قوافل الإغاثة.

هل لدى الحركة نية للانخراط في تحركات ميدانية، مثل الاعتصام أمام السفارات الغربية، للضغط على الكيان الإسرائيلي ولفت أنظار الرأي العام الدولي إلى ما يجري في فلسطين؟

نحن نشارك باستمرار في التحركات التي تنتصر للفلسطينيين ونجتهد في الضغط لرفع الحصار عنهم. ولم نتوقف عن فعل ذلك منذ بدأت الحرب على غزة.

ماهو موقف حركة النهضة مما يجري في سوريا، خاصة فيما يتعلق باستهداف الأقليات ومشاريع تقسيم البلاد والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، خصوصًا وأن النهضة باركت في مرحلة سابقة وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة؟

سوريا الآن بلد منهك جدا بسبب استبداد دام أكثر من نصف قرن وحرب إبادة وحشية ضد المعارضة دامت أكثر من عقد. واقتتال بين الفصائل المسلحة وانقسام جغرافي ترابي ومجتمعي. وهي تحتاج إلى أن تلتقط أنفاسها وتداوي جراحها. ونجاح السلطة السورية الجديدة يتوقف على قدرتها على تحقيق الأهداف التالية: توحيد سوريا. ووضع حد لانتشار السلاح وبناء دولة قوية عادلة ومنصفة وتحقيق مصالحة وطنية على قاعدة أنصاف الضحايا وتحقيق العدالة. وتحقيق تنمية اقتصادية وعلميّة. وإرساء علاقات جوار طيبة قوامها التعاون المشترك مع الدول العربية التي شهدت معها علاقات متوترة ومتشنجة. والحذر من مخططات الاستدراج نحو مساومات مع العدو الصهيوني.

السوريون يدركون جيدا أن عدوّهم يتربّص بهم ويعمل على اختراقهم من المنافذ الضعيفة والهشة. ولذلك فإن الشرط الأساسي للتصدي لهذا العدو واسترجاع الأراضي التي يحتلها منهم هو العدل ووحدة السوريين. إنّ شعبًا منقسما على نفسه يمثل فريسة سهلة للاختراق والهيمنة الأجنبية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here