مريم جمال
أفريقيا برس – تونس. شهدت العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع واحدا من أكثر فصول التوتر حدة منذ سنوات، بعد أن اعتبر الرئيس التونسي، قيس سعيد، أن الأوروبيين تدخلوا في الشأن الداخلي التونسي، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عميقة في الأوساط السياسية والحقوقية حول مستقبل الشراكة بين الطرفين.
كما فتح الباب أمام وإمكانية حدوث قطيعة سياسية أو دبلوماسية، وحتى احتمال بحث تونس عن بدائل اقتصادية في الشرق لتقليص اعتمادها على الشركاء التقليديين.
وخلال أسبوع واحد، وجه الرئيس التونسي، تنبيهين لافتين، الأول إلى سفير الاتحاد الأوروبي بتونس، احتجاجا على ما اعتبره “عدم التزام بالضوابط الدبلوماسية” بعد لقاءات جمعته بأمين عام الاتحاد العام للشغل نور الدين الطبوبي في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وبرئيس منظمة الأعراف سمير ماجول في الـ20 من نفس الشهر.
أما التنبيه الثاني، فكان موجها مباشرة إلى البرلمان الأوروبي عقب إصدار هذا الأخير بيانا عبر فيه النواب عن قلقهم من “تدهور الحريات الأساسية في تونس”، وخاصة قضية المحامية والصحفية سنية الدهماني، مطالبين بالإفراج الفوري عنها وعن الموقوفين في قضايا مشابهة، و”بإلغاء المرسوم 54 الذي يعتبره البرلمان أداة للحد من الحريات”.
وذكر البرلمان الأوروبي أن القرار تمت المصادقة عليه بأغلبية 464 صوتا مقابل 58 معارضا و75 امتناعا، مؤكدا أن مؤسسات الاتحاد ستواصل متابعة وضع حقوق الإنسان في تونس، بما في ذلك حماية المدافعين عن الحقوق وضمان استقلالية القضاء.
ويرى مراقبون أن “حرب البيانات” الأخيرة بين الجانبين تسببت في اهتزاز واضح للعلاقات الثنائية، مع مخاوف من انعكاس ذلك على الجانب الاقتصادي الذي يمثل جوهر الشراكة التونسية الأوروبية منذ عقود.
لا للتدخل الأجنبي
واعتبر محمود بن مبروك، الأمين العام لحزب المسار الداعم للرئيس قيس سعيد، (حزب داعم للرئيس) أن ما قام به البرلمان الأوروبي يعد “تدخلا صريحا في الشأن الداخلي التونسي”، مشيرا إلى أن مسائل الحقوق والحريات شأن وطني لا يحق لأي طرف خارجي أن يُبدي موقفا حوله.
وأضاف أن “عددا من المنظمات الأجنبية أسهم في تأجيج الاحتجاجات الأخيرة، خاصة في محافظة قابس جنوبي البلاد، حين خرج المواطنون مطالبين بإيجاد حلول للوحدات الصناعية الملوثة”.
وتابع: “مرة أخرى، أكد رئيس الجمهورية بشكل واضح رفضه لأي تدخل خارجي. تونس ليست في حاجة لمن يلقنها دروسا في الحقوق والحريات، وليس من مصلحة الاتحاد الأوروبي الحديث عن موضوع السجناء السياسيين”.
ويرى ابن مبروك أنه في حال عدم تراجع الاتحاد الأوروبي عن موقفه، قد تتطور الأزمة، وقد تتخذ تونس خطوات تصعيدية تصل إلى التوجّه بشكاية إلى مجلس الأمن أو إلى جامعة الدول العربية للدفاع عن سياستها الداخلية.
صدام لا يخدم مصلحة الطرفين
من جهته، يرى الدبلوماسي السابق عبد الله العبيدي، أن الذهاب نحو القطيعة مع الاتحاد الأوروبي “ليس خيارا سهلا”، وقد يترتب عليه ثمن باهظ بالنسبة للطرفين نظرا للتداخل الجيوسياسي والاقتصادي.
وقال العبيدي: “تونس تتميز بموقع جيوستراتيجي استثنائي في قلب المتوسط، وفي حال تفاقمت الأزمة مع الاتحاد الأوروبي، قد تتغير التحالفات، وهذا لن يكون في مصلحة المعسكر الغربي”.
وأشار إلى أن “من الناحية البروتوكولية، كان الأجدر أن يتولى وزير الخارجية التعبير عن موقف الدولة والاحتجاج على التدخل الأوروبي، مع بقاء رئيس الجمهورية المرجع الأعلى”.
وفي الاتجاه ذاته، تعتبر الصحفية آسيا العتروس، أن من مصلحة تونس “عدم السماح للاتحاد الأوروبي بالتدخل وإبداء موقف تجاه الوضع الداخلي”، لكنها ترى أن التعبير عن هذا الرفض كان يجب أن يتم عبر وزير الخارجية “وفق قواعد العمل الدبلوماسي المتعارف عليها بين الدول”.
وتضيف المتحدثة، أنه “حان الوقت لتعيد الدولة التونسية النظر في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وأن تضع حدا لأي تدخل في سيادتها الوطنية مستقبلا”.
اهتزاز في العلاقات الثنائية
من جانبه، يؤكد المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي أن التوتر الأخير “قد يغيّر مسار العلاقات التونسية الأوروبية بشكل جوهري”.
وأشار إلى أنه “في حال وصلت الأزمة إلى حد القطيعة، قد تتجه تونس نحو أسواق جديدة في الشرق، ضمن استراتيجية لتنويع الشركاء الاقتصاديين وتوسيع الاستثمارات، ما قد يغير تموقعها التقليدي”.
وأضاف الجورشي، أن موقف الاتحاد الأوروبي “يأتي في سياق الاتفاقيات القديمة بين الطرفين، خاصة تلك المتعلقة بدعم الحريات وحماية الديمقراطية، وبالتالي فهو يتحرك ضمن إطار قانوني وسياسي قائم منذ سنوات”.
ويعتبر المحلل السياسي خالد كرونة، أن العلاقات التونسية الأوروبية “ليست في أفضل حالاتها”، رغم استمرار علاقات ثنائية قوية مع بعض الدول مثل إيطاليا.
وقال إن “دور الاتحاد الأوروبي تراجع في إفريقيا، كما انكشف اعتماده سياسة المكيالين بخصوص الحرب في غزة، ولذلك فإن تونس ترى أن الاتحاد الأوروبي آخر طرف يمكنه تقديم دروس في الحقوق، أو إقحام نفسه في الشأن الداخلي”.
ويضيف كرونة أن العلاقات لا تبدو مرشحة لمزيد من التصعيد في المدى القريب، لأن أوروبا “ستسعى إلى احتواء الأزمة”، خاصة وأن “النظام التونسي يتجه تدريجيا نحو تعزيز شراكاته مع دول خارج الفضاء الأوروبي”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





