تونس بعد 15 عامًا من الثورة: أزمة حوكمة وإهمال أفريقي

تونس بعد 15 عامًا من الثورة: أزمة حوكمة وإهمال أفريقي
تونس بعد 15 عامًا من الثورة: أزمة حوكمة وإهمال أفريقي

هالة بن يوسف، نائبة رئيس الأممية الاشتراكية للنساء

أهم ما يجب معرفته

بعد 15 عامًا من الثورة، تواجه تونس أزمة حوكمة شاملة تتطلب رؤية استراتيجية جديدة. يتعين على البلاد الاعتراف بالتحولات الاجتماعية، خاصة بروز جيل الشباب، والعمل على تعزيز الشراكات الأفريقية والتعاون جنوب-جنوب لتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقلالية الفعلية في عالم متغير بسرعة. تعتبر ذكرى الثورة دعوة للتغيير الجذري.

أفريقيا برس – تونس. في مطلع عام 2026، وبعد خمسة عشر عامًا على الرابع عشر من جانفي 2011، لم يعد ممكنًا مقاربة الوضع التونسي بمنطق التعثر الظرفي أو اختزال الأزمة في مسار ديمقراطي لم يكتمل، بل بات واضحًا أن تونس تواجه أزمة حوكمة شاملة في عالم تغير بعمق وتحوّلت فيه موازين القوة وأدوات السيادة.

فالنموذج القائم اليوم، بما يتسم به من مركزية القرار، وغياب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، وتهميش المعرفة والخبرات والفاعلين الاجتماعيين، لم يعد قادرًا على إنتاج دولة صامدة ولا مجتمع فاعل، ولا على تمكين تونس من التموقع كشريك ندي في محيطها الإقليمي والدولي.

لقد أفرزت السنوات الخمس عشرة الماضية إدارة للأزمات بدل استباقها، واستهلاكًا للمجتمع بدل تعبئته، وسياسات قصيرة النفس عاجزة عن استيعاب التحولات التكنولوجية والمناخية والجيواقتصادية التي تعيد تشكيل العالم، في زمن لم تعد فيه السيادة شعارًا سياسيًا بل قدرة فعلية على التخطيط، والابتكار، وتحقيق العدالة الاجتماعية. ومع ذلك، لا يجوز بأي حال من الأحوال إلقاء الرابع عشر من جانفي في خانة النسيان أو التعامل معه كحدث منقضٍ، فهو محطة مفصلية في تاريخ البلاد، ومرجع أساسي مكّن التونسيين من قراءة مجتمعهم قراءة اجتماعية عميقة، وكشف تعدديته وتعقيداته، وأثبت أننا شعب متعدد، متنوع، لا يمكن حكمه أو تمثيله بمنطق الإقصاء أو التبسيط.

إن فهم هذا المعطى يفرض اليوم العمل بعقلانية ومسؤولية ووضوح في الرؤية، مع الاعتراف العميق بالتحولات الاجتماعية التي عرفتها البلاد، وعلى رأسها بروز جيل شبابي ما بعد الثورة، جيل مختلف في تطلعاته وأدواته وعلاقته بالعالم، جيل يشكّل الكتلة السكانية الأوسع، وله مكانه الكامل والشرعي في عالم متحرك باستمرار. وفي هذا السياق، ورغم ما تملكه تونس من موقع جغرافي وتاريخي عند تقاطع المتوسط وإفريقيا، فإنها لم تنجح بعد في تحويل هذا الموقع إلى قوة استراتيجية، إذ بقيت حبيسة مقاربة متوسطية ضيقة، وغير منخرطة بجدية في عمقها الإفريقي الذي أصبح اليوم ساحة مركزية لإعادة تشكيل النظام الدولي، مع صعود ديمغرافي واقتصادي وجيوسياسي متسارع، وتنافس حاد حول الموارد والطاقة والأمن الغذائي والبنى التحتية الرقمية، وتفاقم غير مسبوق للمخاطر المناخية.

إن إهمال هذا البعد الإفريقي لم يعد حيادًا، بل تخلّيًا ضمنيًا عن جزء من السيادة وتركًا لمصير القارة، ومن ضمنها تونس، ليُصاغ خارج مصالح شعوبها. ففي عالم تحكمه أشكال جديدة من الهيمنة المرنة وسلاسل تبعية قائمة على السيطرة على المعرفة والموارد، لا يمكن لتونس أن تدّعي الاستقلالية دون الاستثمار الجدي في البحث العلمي، وربط القرار السياسي بالمعرفة، وبناء شراكات إفريقية قائمة على التعاون جنوب–جنوب، وتكامل سلاسل الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، والانخراط الفعلي في قضايا الأمن المناخي والغذائي.

إن استحضار ذكرى الرابع عشر من جانفي في سنة 2026 يجب أن يكون فعل وعي تاريخي لا طقسًا رمزيًا، ودعوة صريحة إلى القطع مع منطق الارتجال، وإلى تغيير زاوية النظر جذريًا: اعتبار إفريقيا جزءًا من الحل لا هامشًا، واعتبار العدالة الاجتماعية والمعرفة والبيئة ركائز للسيادة لا ملفات ثانوية. نعم، يمكن أن يكون الغد أفضل، بل لا يمكن أن يكون كذلك إلا بروح جامعة، وبعدالة منصفة، وبحريات حقيقية تشكّل أساس ديمقراطية تشاركية فاعلة، تعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتمنح لكل فئات المجتمع، وفي مقدمتها الشباب، دورها الكامل في صناعة مستقبل تونس في عالم لا ينتظر المترددين.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here