آمنة جبران
أفريقيا برس – تونس. دعا السياسي والحقوقي التونسي، عبد الوهاب الهاني، في حوار خاص مع “أفريقيا برس”، رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى الكف عن سياسة إضعاف الأجسام الوسيطة وتجفيف منابع التعدد الفكري والسياسي في تونس، محذرًا من أن ذلك سيؤدي إلى ضعف ووهن الدولة.
وأشار إلى أن “رهان سعيد على موت الأحزاب كان رهانا خاطئًا، لأنه أدى إلى ولادة طبقة سياسية جديدة مشوهة، وأن النظام السياسي القائم هو أول ضحية لهذه الشعبوية والفوضوية التي تسود المشهد اليوم”.
واعتبر أن “منظومة 25 جويلية أخفقت في بناء جيل جديد وطبقة سياسية جديدة”، كما “فشلت في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين، على غرار الانتكاسة التي يعيشها واقع الحقوق والحريات”.
ورأى أن على “رئيس الدولة العمل على توحيد التونسيين بدل تقسيمهم، والاستعانة بالأجسام الوسطية التي تعد بمثابة صمام أمان في مواجهة التوترات الاجتماعية، والسعي نحو شراكة سياسية واندماج وطني، والعودة إلى طاولة الحوار، وهو الطريق الوحيد لحل أزمات البلاد”.
وعبد الوهاب الهاني هو سياسي وحقوقي تونسي، وقد نشط في أوساط المعارضة التونسية بالمهجر، وانخرط في العمل الحقوقي في المنظمة العالمية لحقوق الإنسان والتنمية وبعض الجمعيات الأخرى المعنية بالمنفيين التونسيين.
كما شغل المقعد الدائم للجنة العربية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة في جنيف، وفي عام 2001 ساهم في تأسيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، إلا أنه لم يعمّر فيه. وبعد ثورة يناير ترأس حزب المجد المعارض، ثم استقال منه، وهو حاليًا عضو بلجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.
كيف تقيم المشهد السياسي بعد مرور أربعة سنوات على انطلاق مسار 25 جويلية؟
حسب تقييمي للوضع السياسي والحقوقي في تونس بعد مرور أربعة سنوات على انطلاق ما سمي بمسار 25 جويلية، وبداية على مستوى مؤسساتي، فنلاحظ أنه لازلنا في تونس نعيش نفس اللحظة. يعني كأن الرئيس قيس سعيد لا يزال في حاجة إلى إقناع نفسه وإقناع الرأي العام المحلي والدولي بوجاهة لحظة 25 جويلية من ذلك محاولات تكراره الدائم لضرورة هذه اللحظة، خاصة أن التدابير الاستثنائية التي تم إعلانها شفويا في 25 جويلية ثم كتابيا في سبتمبر في نفس السنة مازلت سارية المفعول إلى حد الآن، يعني كأننا نعيش نفس اللحظة في ذهن الرئيس سعيد، أي أن الخطر الداهم والجاثم متواصل، وبالتالي لازلنا نعيش التدابير الاستثنائية الدائمة المتواصلة، وفي الحقيقة هذا يمثل خللا حقيقيا لأن التدابير الاستثنائية هي عادة مؤقتة، ولا يمكن أن تكون بشكل مؤبد.
ثانيا على مستوى مؤسساتي، فقد طالت هذه اللحظة أكثر من اللزوم، كأننا نستعيد نفس الإطالة التي عاشتها تونس مع المجلس الوطني التأسيسي المؤقت الذي وقع تشكيله سنة 2011. لكن اللافت أن الزمن السياسي للرئيس سعيد لم يتوافق مع زمن الإصلاحات المطلوبة، فقد قضى سنة كاملة في موضوع الدستور، حيث كتب دستوره الخاص ثم انشغل بالاستفتاء، ثم خصص سنة كاملة للانتخابات التشريعية وبقية الاستحقاقات الأخرى، يعني قضينا تقريبا أريع سنوات في مسار تأسيسي، في حين أن المجلس الوطني التأسيسي قضى ثلاث سنوات فقط، يعني أن التأسيس الجماعي استغرق ثلاث سنوات والتأسيس الفردي استغرق أربع سنوات ولم يكتمل بعد.
الملاحظة الثالثة أن مسار التأسيس المؤسساتي لم يكتمل بعد لأنه لم يتم إنشاء المحكمة الدستورية ولا المجلس الأعلى للقضاء، ولا المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ولم يتم تنظيم الانتخابات البلدية إلى حد الآن وغيرها من المؤسسات التي نص عليها دستور 2022. هذا الزمن الرئاسي البطيء لم يتوافق كما قلت مع زمن الإصلاحات المطلوبة وطنيا وشعبيا، بقطع النظر عن موقفنا من إعلان التدابير الاستثنائية، فيما يخص مستوى التأسيس وعلى المستوى المؤسساتي.
أما على المستوى السياسي، فقد راهن الرئيس قيس سعيد في لحظة 25 جويلية، على إنهاء الأحزاب وإنهاء السياسة تقريبا، وبناء نظام سياسي جديد يقوم على ما أسماه بالنظام القاعدي. الحقيقة فان التقييم السياسي يبرز أن الرئيس راهن على إنشاء طبقة سياسية جديدة من عديمي التجربة السياسية، وهذا إخفاق كبير جدا حيث انتشرت التنسيقيات الفوضوية بدون أي شكل تنظيمي معلوم أو قانوني، وهذا ما نراه إخفاق كبير جدا في بناء طبقة ونخبة سياسية جديدة موالية للحكم، وحتى أصدقاء الرئيس انفضوا من حوله وأصدروا بيانات يتبرؤون فيه من هذا المسار ويأخذون مسافة منه، لذلك هناك إخفاق سياسي في بناء جيل جديد وطبقة سياسية جديدة، كما رأينا ضحالة في الأداء البرلماني، والذي لا يرجع فقط إلى طبيعة هذه المؤسسات، التي همش دورها التشريعي، بل إلى غياب الكتل الحزبية والعودة إلى مربع المناوشات واعتماد الجهوية في خطاب عدد كبير من النواب، كذلك تميز المستوى السياسي بقطيعة شبه كلية مع كل المكونات السياسية في البلاد، سواء تلك التي عارضت التدابير الاستثنائية أو تلك التي ساندتها، وكأن منظومة الرئيس قيس سعيد لا تؤمن بالأحزاب والشراكة السياسية وتؤمن فقط بالتواصل الأفقي والعمودي بين الرئيس والشعب وهذه نظرية نظر لها بعض فلاسفة القانون، وبقطع النظر عن الموقف من هذه الخيارات فلسفيا وسياسيا وقانونيا، فإنها لم تؤدي إلى بناء طبقة سياسية جديدة وجيل سياسي جديد ونخبة سياسية جديدة في البلاد.
أما على مستوى دبلوماسي، فقد شهدت تونس تراجعا كبيرا على مستوى الساحة الدولية وعلى مستوى العلاقات الثنائية وحضورها في المحافل الإقليمية والدولية، وقد لاحظنا التغيير المتواتر لوزراء الخارجية، وانغماس رئيس الدولة في الملفات الداخلية على حساب القضايا الخارجية، وهو ما أدى إلى تراجع في أداء الدبلوماسية التونسية.
كذلك على المستوى السياسي لم تفلح التدابير الاستثنائية في حل معضلة اللا استقرار الحكومي، لدينا الآن أربع حكومات منذ انطلاق هذا المسار، ولم يقع معالجة حالة اللااستقرار الحكومي التي يحتاجها الاقتصاد، ولاحظنا كذلك أنه تم تعويض الدولة بمحيط رئيس الدولة، كأنه أصبح هذا المحيط هو الذي يوجه السياسات العامة للدولة، لا نعلم الآن من يحكم ومن يقدم النصيحة لرئيس الجمهورية، ومن يوجه القرار ومن يقترح التعيينات السياسية. هناك غموض كبير في مسألة التعيينات.
ماهو تقييمك للمشهد الاقتصادي والحقوقي في تونس منذ انطلاق مسار 25 جويلية إلى اليوم؟
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فقد ازداد الوضع سوءا وتواصل التوتر الاقتصادي والاجتماعي مع التهاب الأسعار، وبتراجع النمو، وخاصة بإقرار بعض القوانين الغير موفقة سواء فيما يخص لجنة الصلح الجزائي التي فشلت فشلا ذريعا، والتي تحولت إلى شكل من أشكال المزايدة والابتزاز، وقد فشل هذا المشروع في النهاية، وأيضا مشروع الشركات الأهلية لم يوفق رغم كل الدعم وكل الإمكانيات، كما خلقت حالة من المنافسة الغير شريفة بينها وبين الشركات الأخرى، التي لا تحوز على نفس الامتيازات الجبائية والمالية، وهو ما من شأنه أن يخنق الاقتصاد الوطني، الذي يقوم على الشركات الصغرى والمتوسطة والصغرى جدا، كذلك هناك تعثر في التواصل والحوار مع صندوق النقد الدولي، كل ذلك أدى إلى إغراق الدولة بمزيد من الاقتراض سواء عبر المؤسسات المالية الخارجية أو الداخلية، وهو ما أدى إلى شح السيولة في البنوك وعجزها عن تمويل الاستثمار، كل الادخار الوطني ذهب إلى دعم ميزانية الدولة بسبب الاقتراض الداخلي عن طريق البنوك، وأدى إلى عجز تمويل الاستثمار ونتائج اقتصادية كارثية.
أما على المستوى الحقوقي، فرغم وعود رئيس الجمهورية وتصريحاته منذ أربع سنوات باحترام الحقوق والحريات، ورغم تضمين باب الحقوق والحريات في دستور الرئيس، إلا أن الواقع يقول العكس، هناك انتهاكات لحقوق الإنسان، هناك تواتر لاعتقالات واعتداء على حرية الرأي والتعبير وحرية التنظم السياسي والنقابي، هنالك تدخل سافر من السلطة عبر المرسوم 54 المناهض لحرية التعبير على شبكات التواصل الاجتماعي، هنالك العديد من الأصوات الحرة مظلومة وقابعة في السجون، وهناك نوع من الاستسهال في استعمال قانون مكافحة الإرهاب لتجريم العمل السياسي وتجريم حرية الرأي والتعبير وحتى العمل النقابي، وهذه أمور غير مقبولة، وأعادت تونس إلى مربع الانتقاد من طرف المؤسسات الأممية، وعدنا إلى مربع التسعينات، والى ما وراء الوراء، وهو أمر خطير جدا، وقد شهدنا منذ البداية انتكاسة للعمل الحقوقي، لكن حصلت استفاقة في الفترة الأخيرة مع عودة الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وفروعها الجهوية والمحلية إلى عملها لرصد وتوثيق الانتهاكات وتنبيه السلطات والرأي العام بهذه الانتهاكات وبضرورة معالجتها.
كيف تقرأ أزمة اتحاد الشغل مع السلطة، هل تتجه نحو مزيد من التصعيد كما ذكرت ذلك مؤخرا؟
بالنسبة لأزمة السلطة مع اتحاد الشغل هي أزمة مركبة، هي أزمة سلطة، وأزمة اتحاد الشغل.
أزمة سلطة لأن السلطة القائمة الآن لا تؤمن بهذه الأجسام الوسيطة، من نقابات وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني، وهي تبحث دائما عن عدو، وهذا تنزيل سيء للنظرية الفلسفية للفيلسوف النازي “كارل شميت”، الذي يعتبر أن السياسة لا يمكن أن تنجح إلا بوجود عدو داخلي أو خارجي وإن غاب فعلى الحاكم أن يقلق، ورأينا هذه النظرية إلى أين أوصلت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، لكن نحن لسنا أعداء نحن أبناء وطن واحد، وعلى السلطة القائمة أن تبتعد عن هذا المنطق وتبحث عن الشراكة السياسية وعلى الاندماج الوطني، وعلى كل أبناء الوطن الواحد مهما كانت اختلافاتهم التماسك ورص الصفوف. وبدل البحث عن تجسيد هذه النظرية العقيمة العرجاء، لدينا نظرية خلدونية ولسنا بحاجة إلى توريد نظرية فاسدة من الخارج وأثبت التاريخ فشلها.
وعلى كل حال، تونس في حاجة إلى بناء نموذجها الوطني العربي الإسلامي الأصيل، ولدينا في تاريخنا ما يكفينا ويغنينا عن استيراد مثل هذه النظريات.
هي أزمة سلطة إذن التي تبحث دائما عن عدو، وقد تخلصت من الأحزاب والآن جاء دور الاتحاد، وهذا أمر فاسد، هناك بعض المقربين من السلطة وبعض الهياكل التفسيرية المؤقتة التي تؤمن بهذه النظريات الفاسدة، وعلى رئيس الدولة أن يبتعد عنها ويعمل على توحيد التونسيين بدل تقسيمهم. هذه الأجسام الوسيطة هي صمام أمان للدولة في حال وجود توتر اجتماعي، ووجود أجسام وسيطة مثل الاتحاد هو صمام أمان للدولة لأنه يحفظ الدولة من الهزات والانفجارات، ويصنع وساطة بين الدولة والشارع، لذلك من مصلحة السلطة القائمة وجود اتحاد قوي ومؤطر للجماهير ويدافع عن مطالبها ضد الاقتصاد المعولم وضد المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وعلى العكس، الاتحاد كان منذ نشأته شريكا مع الدولة في الدفاع عن العمال وطاقتهم الشرائية.
الأزمة الثانية هي أزمة داخلية داخل اتحاد الشغل مبنية على لعنة الفصل 20، الذي كان صمام الأمان للديمقراطية داخل المنظمة وللتداول السلمي على المسؤولية النقابية، الاستهانة بهذا الفصل والقفز عليه ولي العصا الديمقراطية أدى إلى التوتر الداخلي ووجود معارضة نقابية، مما أدى إلى زعزعة الخيمة الداخلية، فالمطلوب الآن هو نوع من المراجعة الداخلية ورص الصفوف والعودة إلى الخط الوطني الأصيل داخل الاتحاد، وتحييد المنظمة عن التوظيف الأيديولوجي الفج.
المنظمة دورها نقابي اجتماعي، ودورها وطني في الدفاع عن الحريات وليس الانتصار لطرف على حساب آخر، العلامات المتواجدة الآن تشير إلى مزيد تعميق الأزمة ومزيد التصعيد واستمرار معركة كسر العظام وتصفية الحسابات، وهذا أمر ليس في صالح الدولة وليس في صالح المنظمة الشغيلة وليس في صالح التونسيين، لدينا كثير من الأزمات التي تتطلب تجاوز مثل هذه المناوشات، من جهة أخرى على الاتحاد التسريع بعقد المؤتمر الاستثنائي وتنقية الأجواء الداخلية والذهاب نحو المصالحة النقابية، مع ضرورة التزام كامل الفريق التنفيذي الحالي بعدم الترشح للانتخابات القادمة، لتسيير تجديد الدماء داخليا وتجديد المؤسسات والانتقال السلمي للمسؤولية النقاببة، وثانيا لإضاعة الفرصة أمام كل الأطراف المحيطة بالسلطة، التي تحرضها ضد الاتحاد. المطلوب أيضا من الاتحاد في حال وجود شبهات فساد مالي أن يكون شفافا ويعلن عن القوائم المالية للمؤسسة، وهذا يخدم مصلحة الاتحاد بالأساس.
كيف يمكن حلحلة الأزمة السياسية والنقابية بالبلاد في ظل غياب حوار بين السلطة والاتحاد؟
الحقيقة أن هذه هي المعضلة الحقيقية للبلاد اليوم، يعني لا يوجد طريق ثان، يوجد فقط طريق وحيد، لا يوجد طريق للحوار وهو ما يهدد الأوضاع بالانهيار، لأننا في بلد تتعدد فيه الأفكار والمصالح والولاءات، صحيح لدينا ولاء وحيد للوطن، لكن هنالك ولاءات حزبية وجهوية وفكرية، والتعدد أمر طبيعي، لذلك علينا أن ننظم الخلافات بطريقة وحيدة وهي طاولة الحوار.
كعضو بلجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، كيف يكمن حماية الحريات وتحسين أوضاع السجون بتونس؟
فيما يخص أوضاع السجون، فإن تونس تعاني منذ مدة طويلة من ظاهرة الاكتظاظ في السجون، وهي ظاهرة لها أسباب متعددة أبرزها استسهال القضاة الرمي بالناس بالسجون والعزوف عن بحث عقوبات بديلة، وأيضا استسهال الإيقاف التحفظي، وأولى الإجراءات لمعالجة الظاهرة هي تخفيف الاكتظاظ وحصر الإيقاف التحفظي على الحالات الأكثر خطورة، ثم تفعيل آلية العقوبات البديلة التي بدأت تونس في تجربتها لكن بطريقة بطيئة جدا، وتعزيز برامج الإصلاح في السجون، حيث مازلنا نجد أعوان الردع أكثر بكثير من أعوان الإصلاح، وعندما نحقق هذا التوازن هنا يقوم السجن بوظيفته الإصلاحية، وستتراجع بذلك حالات العود من جديد إلى السجن، وهذا هو الرهان الحقيقي المستقبلي لتونس.
فيما يخص عودة ظاهرة التعذيب وعودة ضروب المعاملة القاسية والمهينة، هذا أمر مخيف جدا، ورغم أن تونس تقدمت لأشواط كبيرة جدا بعد الثورة في مناهضة ظاهرة التعذيب وصادقت على اتفاقيات دولية في هذا المجال، كما أنشأت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، التي تقوم بعمل جبار لإنارة السلطات حول الظواهر التي تؤدي إلى التعذيب داخل السجون، والتحقيق في كل شبهات التعذيب وإحالتها إلى أنظار السلطات القضائية والإدارية المختصة، لكن في الفترة الأخيرة عادت للأسف بعض الظواهر السلبية مثل الموت المستراب، والعنف داخل السجون، والتعذيب، هناك عدد كبير من المعلومات التي أوردتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في هذا الصدد، وهذا يتطلب دق صفارات الإنذار في أقرب وقت، وأن تتخذ السلطة السياسية الإجراءات اللازمة لمحاسبة كل مشتبه في ارتكاب التعذيب، وأيضا لمعالجة كل ظواهر التي تؤدي إلى ذلك.
تعددت المبادرات في الآونة الأخيرة بهدف توحيد المعارضة لكن مع ذلك لم تنجح لحد الآن، برأيك كيف يمكن معالجة هذا الانقسام داخل صفوف المعارضة التونسية؟
الحقيقة هناك بعض المبادرات الأصيلة، فقد نجحت جبهة الخلاص في أن تتشكل مع بعض المكونات السياسية في جبهة موحدة، كذلك شبكة الحقوق والحريات، وهو أمر ايجابي، لكن نلاحظ إلى حد الآن لم تتشكل الموالاة في جبهة واحدة، هناك حاجة في تونس إلى المزيد من توحيد الأصوات سواء داخل المعارضة أو الموالاة، ولكن نحن في حاجة أكثر إلى مبادرات الحوار الوطني والجلوس على طاولة واحدة كتونسيين لتفادي هذا الانقسام العميق داخل الطبقة السياسية لأنه سيؤدي إلى انقسام أعمق داخل المجتمع، وقد يؤدي العنف السياسي إلى مزيد استشراء العنف الاجتماعي، وهذا خطر كبير على المجتمع التونسي.
المطلوب كذلك أن تتحلى المعارضة بالتواضع مع بعضها البعض، كلنا محمول علينا خدمة الوطن مهما كان موقعنا، كذلك من المهم الانفتاح على بعض الشخصيات الوطنية، التي لها مواقف وكلمة مسموعة، ينبغي تشريكها مع مختلف القوى السياسية في البلاد، وأيضا من الضروري الذهاب إلى نقد ذاتي، لأنه من أسباب الانقسام هو تجربة الحكم السابقة، وليس تجربة المعارضة فقط. على هذه الأحزاب التي شاركت في الحكم وقادت تجربة الحكم، وارتكبت عديد الأخطاء القاتلة وأخرى صالحة في العشرية السابقة، عليها القيام بالتقييم الذاتي لتجربة الحكم ومعالجة السلبيات مثل الاستعلاء والتشويه واستعمال الحكم كغنيمة، نحن في حاجة ماسة الآن إلى نقد ذاتي.
هل تسير تونس منذ انطلاق مسار 25 جويلية نحو مرحلة موت السياسة والأحزاب في ظل ما تراه المعارضة استهداف مستمر لإضعاف الأجسام الوسيطة بالبلاد؟
السياسة والأحزاب هي جزء من التعددية الفكرية والسياسية والنقابية، وهذا تعدد طبيعي داخل كل مجتمع، التعددية أمر طبيعي، والقانون والدستور ينظم هذه التعددية، النظام السياسي الذي يريد أن يلغي التعددية هو نظام يريد أن يلغي الطبيعة البشرية، والنظام السياسي المتحضر هو النظام الذي ينظم هذه التعددية، حتى يحفظ حق الناس في الخلاف وينظمه في إطار ديمقراطي وقانوني. نحن أصيلين في حقوق الإنسان ولنا تاريخ ايجابي في هذا المجال، ومنذ دستور عهد الأمان في تونس، لا يوجد تمييز في المشاركة السياسية، لذلك المطلوب من الدولة أن تحترم التعدد السياسي، وواجب الدولة تنظيم هذه التعددية.
رهان سعيد على موت الأحزاب كان رهانا خاطئا، لأنه أدى إلى ولادة طبقة سياسية جديدة مشوهة، طبقة فوضوية، في الواقع أشعر باستياء بسبب حالة الفوضى بالمشهد السياسي، وينبغي أن تتوقف، وأول ضحية لهذه الفوضوية والشعبوية هي النظام السياسي القائم، يعني الرهان على موت السياسة هو رهان خاطئ وضد الطبيعة، والمطلوب من السلطة أن تعود إلى رشدها وأن تنظم الحياة السياسية.
لدينا فرصة كبيرة في تونس لأننا بلد بأقل خلافات عرقية وسياسية ودينية، نستطيع أن نبني جسور الحوار والثقة بين أبناء الوطن الواحد من جديد، لأن الرهان على إضعاف الأجسام الوسيطة هو رهان على إضعاف الدولة وإيذان بوهن الدولة وهو خطر كبير جدا. وأدعو الرئيس سعيد للكف عن سياسة إضعاف الأجسام الوسيطة وسياسة تجفيف منابع التعدد الفكري والسياسي في تونس وهو ما سيؤدي إلى ضعف الدولة ووهن الدولة.
وختاما أتوجه إلى الرئيس سعيد بهذه الحكمة العربية “حافظوا على الشرفاء فهم صمام الأمان في هذا الوطن”.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس