عماد العيساوي: السلطة في تونس قوية سياسيًا وضعيفة إداريًا

عماد العيساوي: السلطة في تونس قوية سياسيًا وضعيفة إداريًا
عماد العيساوي: السلطة في تونس قوية سياسيًا وضعيفة إداريًا

آمنة جبران

أهم ما يجب معرفته

في حوار مع “أفريقيا برس”، ناقش الناشط السياسي عماد العيساوي المشهد السياسي في تونس خلال ولاية الرئيس قيس سعيد. اعتبر أن السلطة قوية سياسيًا لكنها ضعيفة إداريًا، مشيرًا إلى أن الاقتصاد هش اجتماعيًا. كما أشار إلى أن النظام السابق لا يزال متغلغلاً في الإدارة التونسية، مما يؤثر على فعالية الحكومة في تحقيق التنمية.

أفريقيا برس – تونس. قدم عماد العيساوي، الناشط السياسي، في حواره مع “أفريقيا برس” وجهة نظره بخصوص المشهد السياسي في تونس خلال الولاية الثانية للرئيس قيس سعيد.

واعتبر أن “السلطة قوية سياسيًا وضعيفة إداريًا كما أن الاقتصاد هش اجتماعيًا.” لافتًا أن “المعركة الحقيقية ليست بين رئيس ومعارضة بل بين نموذج دولة قديمة يعيش على التسيير، ونموذج دولة جديدة يفترض أن تعيش على الإنتاج والشفافية والمساءلة”.

ورأى أن “السلطة نجحت في إعادة صياغة المشهد السياسي لكنها لم تنجح في إعادة صياغة نموذج التنمية، وأن أي شرعية سياسية دون مردودية اجتماعية تتحول مع الوقت إلى عبء.”

وبين أن “النظام السابق ما زال متغلغلاً في الإدارة التونسية، حيث لم يقع إصلاح عميق لمسارات الترقية ولا ربط الأجر بالإنتاج ولا إعادة هندسة الوزارات، ولا تفكيك شبكات النفوذ الإداري، لذلك استمر النظام السابق لا بوصفه أشخاصًا بل بوصفه عقلًا إداريًا”. وفق تقديره.

كيف تقيم المشهد السياسي في تونس خلال الولاية الثانية للرئيس قيس سعيد، وإلى أي مدى نجحت السلطة في الاستجابة لمطالب الشارع الاقتصادية والاجتماعية؟

نحن أمام مشهد سياسي انتقل من تعددية صاخبة إلى مركزية صارمة لكن دون المرور بمرحلة بناء مؤسسات قادرة على تحويل هذه المركزية إلى قدرة تنفيذ. الرئيس قيس سعيد أنهى دور الأحزاب التقليدية بوصفها وسيطًا بين الدولة والمجتمع لكنه لم يعوضها بمؤسسات تمثيلية فعالة ولا بإدارة قوية. الشارع التونسي لم يخرج طلبًا لتغيير النصوص فقط بل خرج طلبًا لتغيير شروط العيش وهي التشغيل والأسعار والكرامة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. السلطة نجحت في إعادة صياغة المشهد السياسي لكنها لم تنجح في إعادة صياغة نموذج التنمية وهنا المفارقة، شرعية سياسية دون مردودية اجتماعية تتحول مع الوقت إلى عبء بدل أن تكون سندًا. لا يكفي إسقاط منظومة حكم قديمة بل يجب بناء منظومة جديدة تقوم على إدارة ناجعة واقتصاد إنتاجي وعقد اجتماعي جديد يربط بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق والواجبات، وإلى اليوم ما زال هذا البناء في طور النوايا أكثر منه في طور السياسات.

هل برأيك بوسع السلطة الإيفاء بوعودها الاجتماعية أم أن الضغوط الاقتصادية تحول دون ذلك؟

السياسة الاجتماعية ليست قرارًا أخلاقيًا فقط بل معادلة مالية واقتصادية. الدولة لا تستطيع أن توزع ما لا تنتج ولا تحمي الفئات الضعيفة دون اقتصاد قادر على خلق الثروة. اليوم الاقتصاد التونسي يعاني من نمو ضعيف لا يغطي الزيادة السكانية، وكتلة أجور مرتفعة مقارنة بالإنتاج وعجز مزمن في الميزان التجاري وضغط كبير من خدمة الدين. في هذا السياق، أي وعد اجتماعي واسع يتحول إلى دين مؤجل. السلطة تجد نفسها بين خيارين صعبين: إما الحفاظ على الحد الأدنى من السلم الاجتماعي عبر الدعم والأجور أو الذهاب إلى إصلاحات مؤلمة في الدعم والجباية والقطاع العمومي، لكنها لم تحسم موقعها بين هذين المسارين فبدت سياستها الاجتماعية خليطًا من خطاب حمائي وإجراءات تقشفية غير معلنة. وهذا التردد هو أخطر من أي خيار صريح لأنه يفقد الدولة مصداقيتها أمام المواطن والأسواق في آن واحد.

ذكرت في تصريح سابق أن الإدارة التونسية تعيش حالة عجز، وأن النظام السابق لم يسقط وما زال موجود في الإدارة، كيف ذلك؟

النظام السابق لم يكن حزبًا سياسيًا فقط بل منظومة إدارة وحكم وكان شبكة من الإجراءات المعقدة وثقافة الخوف ومنطق الامتياز وغياب المساءلة. ما سقط سياسيًا هو القمة لكن القاعدة الإدارية بقيت كما هي: نفس المسارات، نفس أسلوب اتخاذ القرار ونفس العلاقة بين المسؤول والملف. الإدارة التونسية اليوم تشتغل بمنطق ملف بلا آجال واضحة، توقيع بلا مسؤولية شخصية، وتعليمات تُنفذ دون تقييم أثرها. لم يقع إصلاح عميق لمسارات الترقية ولا ربط الأجر بالإنتاج ولا إعادة هندسة الوزارات، ولا تفكيك شبكات النفوذ الإداري، لذلك استمر النظام السابق لا بوصفه أشخاصًا بل بوصفه عقلًا إداريًا.

اعتبرت كذلك أن الإصلاح “مستحيل” في ظل تعيينات إدارية لا تنسجم وتطلعات الشارع. هل برأيك مراجعة التعيينات تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية؟

التعيين الإداري هو قرار سياسي في شكل إداري. عندما تعيّن مسؤولًا بلا مشروع واضح أو بلا قدرة على فرض قراره داخل الإدارة، فأنت لا تعيّن مديرًا بل تعيّن وسيطًا بين العجز والعجز. الإصلاح يحتاج إلى مسؤول يعرف ماذا يريد ويملك أدوات القرار، ويتحمل كلفة المواجهة، لكن التعيينات الحالية تميل إلى الحذر الشديد وتجنب الصدام والبحث عن الاستقرار الوظيفي لا عن النتائج. مراجعة هذه التعيينات تحتاج فعلًا إلى إرادة سياسية لأن أي إصلاح حقيقي سيصطدم بالمصالح وبالعقليات وبشبكات النفوذ داخل الدولة نفسها.

هل تتوقع تحقيق تهدئة في ملف الحريات لتجنب ضغوط المعارضة في هذه المرحلة؟ ولماذا ترفض السلطة تشريك الأجسام الوسيطة في إدارة شؤون البلاد؟

السلطة ترى نفسها الممثل الوحيد للإرادة الشعبية، وهذا منطق سياسي مفهوم في سياق أزمة شرعية لكنه خطير في إدارة الدولة. الدولة الحديثة تقوم على توزيع الأدوار لا احتكارها. الأجسام الوسيطة (النقابات، المنظمات، الإعلام) ليست بقايا نظام قديم بل أدوات توازن اجتماعي. لكن السلطة تنظر إليها بوصفها امتدادًا لصراعات سياسية سابقة لا بوصفها شركاء في إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. التهدئة في ملف الحريات ممكنة فقط عندما تدرك الدولة أن القوة السياسية دون قبول اجتماعي تتحول إلى عبء وأن الحرية ليست نقيض النظام بل شرط استمراره.

ما هو تقييمك لجهود الحكومة في مقاومة الفساد، وهل برأيك القوانين والتشريعات كافية للحد من هذه الظاهرة؟

الفساد ليس جريمة فردية فقط بل منظومة توزيع غير عادل للفرص والموارد. نحن نلاحق الفاسدين أكثر مما نفكك الفساد نفسه. القوانين موجودة إلى حد بعيد لكن الإشكال في: استقلال القضاء وشفافية الإدارة وحماية المبلّغين واستقرار السياسات. محاربة الفساد تحتاج دولة تجعل الفساد مكلفًا دائمًا لا مخاطرة ظرفية. إلى الآن ما يزال الفساد في تونس مخاطرة محسوبة لا خسارة مؤكدة.

بعد البدء في تمشي الصلح الجزائي مع رجال الأعمال وتفعيل المصالحة الاقتصادية، لماذا لا تتجه تونس إلى مرحلة المصالحة الشاملة؟

لأن المصالحة الشاملة ليست قرارًا ماليًا بل عملية سياسية وأخلاقية وتاريخية. هي تعني كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وبناء سردية وطنية مشتركة للماضي. هذا النوع من المصالحة يزعج الجميع، السياسي ورجل الأعمال والإدارة والإعلام. الصلح الجزائي يهدف إلى استرجاع أموال، أما المصالحة الشاملة فتهدف إلى استرجاع الثقة. ولا دولة مستقرة دون ثقة بين السلطة والمجتمع.

تونس تعيش اليوم حالة انتقال غير مكتمل. سلطة قوية سياسيًا ودولة ضعيفة إداريًا واقتصاد هش اجتماعيًا. المعركة الحقيقية ليست بين رئيس ومعارضة بل بين نموذج دولة قديمة يعيش على التسيير ونموذج دولة جديدة يفترض أن تعيش على الإنتاج والشفافية والمساءلة. السؤال المركزي ليس هل تغيّر النظام السياسي؟ بل هل تتغيّر طريقة إدارة الدولة؟ لأن الدول لا تضعف حين تتغيّر دساتيرها بل حين تعجز إداراتها عن خدمة مواطنيها.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here