بسمة بركات
أفريقيا برس – تونس. تشهد الساحة السياسية في تونس ركوداً غير مسبوق، فبعد الزخم الكبير الذي عرفه الشارع التونسي بمسيرات قادتها المعارضة إلى جانب عدة تحركات احتجاجية، خصوصاً خلال شهري نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول الماضيين، والندوات العديدة التي شارك فيها سياسيون بمختلف انتماءاتهم، وتياراتهم الفكرية، وبحضور عدة جمعيات ومنظمات، وشباب الثورة، ممن قادوا الاحتجاجات ورفعوا شعارات تطالب بالحقوق والحريات يخيّم منذ أكثر من أسبوعين الهدوء على المشهد العام، فلا احتجاجات ولا لقاءات، حتى أن البعض اعتبر أن ملف المعتقلين السياسيين قد يكون في طيّ النسيان بعد ثلاث سنوات من الحراك والمطالبة المستمرة بإطلاق سراحهم. هل ما تشهده الساحة من ركود يشكّل هدنة بعد طول حراك؟ أم هو تحضيرات لمحطات مقبلة.
واقع الساحة السياسية في تونس
بحسب القيادي في جبهة الخلاص الوطني، رياض الشعيبي، فإنه في هذه المرحلة بالذات قد يبدو أن هناك تراجعاً في نسق التحركات، تحديداً بعد أن شاركت المعارضة بمختلف تياراتها الفكرية في مسيرة حاشدة في ذكرى الثورة في 14 يناير/كانون الثاني الماضي، ورفعت خلالها شعارات تطالب بالحقوق والحريات، وذكّرت بملف المعتقلين. ولكن منذ ذلك الحين لم تشهد الساحة السياسية تظاهرات كبرى أو حراكا احتجاجيا، موضحاً أن هذا الحراك سيُستأنف قريباً، إذ ستنظم جبهة الخلاص الوطني مؤتمراً حول الوضع العام وواقع الديمقراطية في تونس، اليوم السبت، وبالتالي يجب أن يكون هناك تنوع في التحركات بين الاحتجاجات والملتقيات والندوات الفكرية والحقوقية.
وأضاف الشعيبي أنه منذ انقلاب 25 يوليو/تموز 2021، فإنهم في المعارضة يدركون أن المعركة ستكون طويلة، خصوصاً في ظل التنكيل بكل الأصوات المعارضة، مبيناً أن هناك عملاً مستمراً قد يتوقف لفترة ويُستأنف لأخرى، كي يتم ضمان الاستمرارية والفاعلية والديمومة، وكي يكون الحراك قادراً على مواجهة الاستبداد الحاصل تجاه السياسيين والمعارضين. ولفت الشعيبي إلى أن كل التحركات التي حصلت منذ انقلاب 25 يوليو 2021، أسقطت كل أكاذيب السلطة وادعاءاتها بالدفاع عن حقوق التونسيين، وهناك شبه إجماع وطني على معارضتها، وأن العدد الكبير من المعتقلين السياسيين دليل واضح على فشلها، كما أن الالتفاف الوطني الحاصل اليوم حول ملف المعتقلين هو خير رد على استبداد السلطة وضرورة التصدي لها.
من جهته، أكد الناشط السياسي عز الدين الحزقي، أن كل حراك يشهد مداً وجزراً، والزخم الكبير في الحراك كانت له دوافعه والأسباب المؤدية له، تحديداً في تواريخ معينة ومحطات بارزة، مضيفاً أن هناك تحضيرات لتحركات مقبلة، إذ ستحلّ قريباً الذكرى الثالثة للاعتقالات السياسية في ما يسمى بملف التآمر، والتي انطلقت منذ 11 فبراير 2023، وبالتالي سيُستأنف الحراك مجدداً. وأوضح الحزقي أن الحراك في الشارع قد يكون متوقفاً حالياً، وفي الحقيقة هناك عدة أسباب لذلك، منها الوضع العام في البلاد وربما بعض الحسابات السياسية، مضيفاً أنهم لا يملكون سوى دعم أي تحرك يحصل والمشاركة فيه. وأكد الحزقي أن الهدنة مطلوبة أحياناً، لأن الحراك المستمر قد يفقد نجاعته، ولكن يتم التوقف ثم سرعان ما يعود الحراك وتعود قضية المعتقلين للبروز على السطح سواء في الداخل أو في الخارج.
وأكد الحزقي أن الحقيقة لا بد أن تظهر تدريجياً للرأي العام، تحديداً عندما يتشكل الوعي ويقف الناس على حجم المغالطات الحاصلة، مشيراً إلى أن خروج الرئيس إلى الشارع في الأزمات، في 28 يناير الماضي، خلال الفيضانات التي اجتاحت البلاد، والتعبير عن تضامنه مع المتضررين، هو مجرد شعبوية لن تقود إلى أي إصلاحات أو حلول جذرية، وبالتالي يتعيّن على المعارضة القيام بالمزيد من العمل على الجانب التوعوي وفضح ما يحصل من تجاوزات، لأن ذلك سيقود إلى استعادة المسار الديمقراطي.
أما عضوة تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين، منية إبراهيم (زوجة الناشط السياسي عبد الحميد الجلاصي)، فأكدت أن التحركات الاحتجاجية قد تبدو في ظاهرها وكأنها تراجعت، ولكن عائلات المعتقلين والطيف السياسي عموماً وجل المدافعين عن الحقوق والحريات يعتبرون أن الحراك مستمر لا بد أن يستمر، فملف المعتقلين السياسيين يجب أن يظل دائماً حياً. وأضافت إبراهيم أنه تمّ أخيراً الإعلان عن التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وهي خطوة مهمة سبقتها عدة تحضيرات واجتماعات من أجل توحيد الرؤى وتجميع مختلف الأطياف والعائلات، والهدف الدفاع عن كافة المعتقلين من دون استثناء أو تمييز، خصوصاً أن مجمل الاعتقالات حصلت في سياق سياسي واحد.
وأضافت إبراهيم أن هناك تحركات مشتركة للتنسيقية في الفترة المقبلة، وسيكون شهر فبراير الحالي شهر العديد من التحركات، نظراً لوجود عدة محاكمات سياسية ستشمل أحمد صواب ونور الدين البحيري ولطفي المرايحي ومحمد بن سالم وعدة سجناء آخرين، وسيتم أيضاً التحضير لتظاهرة في 11 فبراير الحالي، بمناسبة 11 فبراير 2023، أي تاريخ انطلاق الاعتقالات السياسية في تونس وبداية مسار كامل، فما بعد هذا التاريخ ليس كما سبق. وبيّنت إبراهيم أن التحركات قادمة وستعود المعارضة للشارع مجدداً، مؤكدة أن جل ما قاموا به ليس موجهاً للسلطة لأنها لا تسمع أي صوت مخالف لها، بل إن أصواتهم موجهة للرأي العام وإلى المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، وبالتالي ستبقى هذه الأصوات دائماً حية.
أسباب الركود السياسي
في المقابل، رأى المحلل السياسي زهير إسماعيل، أن الركود الحالي الذي يعرفه المشهد السياسي في تونس صار بمثابة الحقيقة المجمع عليها، وفي الحقيقة له أسبابه المباشرة وغير المباشرة. ورأى أن حالة الركود كانت نتيجة لما عرفته البلاد من غلق قسري لباب الانتقال الديمقراطي في 25 يوليو 2021، وخلال العامين الأولين من الانقلاب في تونس عرف المشهد مواجهة بين الشارع الديمقراطي في تونس والسلطة الجديدة، وهو ما جعل الثنائية القائمة بين انقلاب وديمقراطية عنواناً رئيسياً للمشهد السياسي المحتدم. وأضاف إسماعيل أن انقسام المعارضة ودور بعض القوى منها، منعا الالتقاء حول مهمة استعادة الديمقراطية باعتبارها المهمة الوطنية الأولى. والسبب المباشر والأقوى هو انقسام المعارضة وعجزها عن بناء مشترك وطني، وقد رافقها هذا العجز في عشرية الحريات (العشرية التي تلت الثورة، أي خلال السنوات العشر الأولى من الثورة التونسية). وكان أيضاً سبباً في تعثر مسارها، ولكن من جهة أخرى فإن الحكم الفردي المطلق وسياسة تضييق الحريات كانت سبباً في ما آل إليه المشهد السياسي من تشوه وركود.
وأضاف إسماعيل أن الإغلاق التدريجي لمربعات الحرية جعل جملة تتردد، وهي توازن الضعف بين منظومة الانقلاب والمعارضة، وهي معادلة فعلية تستدعي التدقيق في مضمون الضعف في الجهتين. وأكد أن ركود المشهد السياسي في تونس واختلاط المعايير وغلبة العبث جعل السكون في مثل حالات التوتر هذه مثيراً للريبة، لأنه غالباً ما يكون مقدمة لعاصفة يصعب التحكم بمآلاتها. في السياق، يواصل المعتقلون السياسيون إضرابات الجوع، فأعلن المعتقل السياسي العياشي الهمامي أنه سيخوض مع معتقلين سياسيين آخرين إضراباً رمزياً دورياً عن الطعام مجدداً، وذلك في أول يوم ثلاثاء من كل شهر، بدءاً من الثلاثاء الماضي، احتجاجاً على استمرار اعتقالهم التعسفي وسياسات القمع الممنهجة ضد كل صوت معارض للسلطة. وقال إسماعيل إن هذا الإضراب يهدف إلى إبقاء قضية المعتقلين السياسيين حية ومواجهة محاولات إسكاتها، وسيتم تحميل السلطات كامل المسؤولية عن هذه الجريمة المستمرة.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





