محمد خليل برعومي
أفريقيا برس – تونس. لا تعود ذكرى الثورة في تونس مناسبة لاستحضار فعل جماعي حر، بقدر ما أصبحت لحظة صراع على المعنى، وعلى مَن يملك حق تعريف ما جرى ولماذا جرى ولمن يُنسب. فالثورة التي وُلدت خارج الدولة وضد بنيتها السلطوية تستعاد اليوم داخل خطاب رسمي يسعى إلى تجريدها من بعدها التحرّري، وإعادة إدماجها في سردية حكم تقوم على الاختزال والانتقاء. ولا يتعلق الأمر بنسيان عفوي أو ارتجال لغوي، بل بعملية سطو رمزي منهجية تفرغ الثورة من مضمونها السياسي، وتحولها إلى شعار قابل للتوظيف.
تقوم هذه العملية على فصل الثورة عن شروطها التاريخية والفكرية، لأن ثورة 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 – 14 يناير/ كانون الثاني 2011 لم تكن انفجاراً بلا سياق، ولا حدثاً عابراً يمكن اختزاله في الغضب وحده، بل كانت نتيجة تراكم طويل من الاحتجاج الاجتماعي والنقاش الحقوقي والعمل السياسي والنقابي، ونتاجاً لفكرة مركزية مفادها بأن الدولة لا تكتسب شرعيّتها إلا من مواطنيها، وأن الكرامة ليست منحة، بل حقاً، غير أن الخطاب السائد اليوم يتعامل مع الثورة، بوصفها لحظة “تصحيح أخلاقي” لا تحوّلاً سياسياً، ويعيد تعريفها حالة تمرّد على الفساد، لا كفعلٍ تأسيسي للمواطنة، فيسهل عليه إدانة ما تلاها باسم الوفاء لها، ويستطيع محاكمة نتائجها باسم تصحيح مسارها.
في هذا السياق، تختزل الثورة في بعدها الاحتجاجي الأول، ويجرّد مسارها اللاحق من شرعيّته، وتقدّم الدولة باعتبارها الوريث الطبيعي للثورة، لا موضوع مساءلتها. وهكذا تتحوّل الثورة من فعلٍ ضد السلطة إلى رأسمال رمزي في يدها، ومن حدث فتح المجال العام إلى مرجع يستخدم لتبرير إغلاقه. وليس هذا التحوّل عرضيّاً، بل يعكس منطق سلطة تشتغل على الرمزية بوصفها أداة ضبط أكثر مما تشتغل على السياسة بوصفها إدارة اختلاف وتنظيم مصالح.
والمفارقة أن هذا النظام الحالي في تونس، ممثلاً في الرئيس قيس سعيّد، لم يأت من خارج مسار ما بعد الثورة، بل تشكل داخله واستفاد من أدواته وتقدّم عبر لغته وتحدث باسمها، لكنه لم يكن يوماً نظاماً ثورياً بالمعنى القيمي للكلمة. فهو لم يتكوّن في الشارع، ولم يتشكّل عبر نضالاتٍ اجتماعية ممتدة، ولم يحمل مشروعاً لتحرير المجال العام، أو إعادة توزيع السلطة، بل تشكّل داخل فراغات المرحلة الانتقالية، وتغذّى من خيباتها، واستثمر في تآكل الثقة في الأحزاب والمؤسّسات، ثم أعاد توظيف الثورة بوصفها خطاباً لا بوصفها التزاماً. ولهذا يتحدث باسم الثورة لا باعتبارها فعلاً تحرّرياً قائماً على الحرية والكرامة والخبز، بل باعتبارها مرجعاً أخلاقياً فضفاضاً يستخدم لتجريم الخصوم، وتبرير القرارات، فتتحوّل الثورة في خطابه إلى لحظة غضبٍ يفترض أن تنتهي بتفويض مطلق، ولا تستعاد إلا لتأكيد سلطة مركزية ترى في نفسها الوصي الوحيد على الإرادة الشعبية.
تكشف الخيارات التي اتخذها النظام منذ تركيز السلطة بيده في 25 يوليو 2021، عن تناقض بنيوي مع القيم التي رفعتها الثورة، لأن تضييق الحريات، وتجفيف العمل الحزبي، واستهداف المجتمع المدني، وتهميش النقاش العام، وإدارة الاقتصاد بمنطق الأوامر لا العدالة الاجتماعية كلها مسارات تناقض جوهر شعار “حرّية كرامة خبز”. فلا حرّية بلا مجال عام مفتوح يضمن الاختلاف، ولا كرامة مع محاكمات سياسية وتضييق على المعارضين وتخويف المجتمع من التعبير، ولا خبز من دون سياسات اقتصادية واضحة تعالج التفاوت والفقر، وتعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة، بدل تحميل المجتمع كلفة الانسداد.
فكرياً يكشف السطو على رمزية الثورة عن تصوّر للسياسة يقوم على نفي التعدّد، لأن الثورة في معناها العميق لحظة اعتراف بتعدّد الفاعلين وتكافؤهم في المجال العام، بينما يقوم هذا السطو على تحويلها إلى صوت واحد وتأويل واحد وإرادة واحدة. وهذا ما يجعل الثورة في السردية السلطوية حدثاً منتهياً لا مساراً مفتوحاً، وماضياً يستدعى عند الحاجة لا أفقاً يبنى عليه، فتفقد الذكرى وظيفتها معياراً للمحاسبة، وتتحول إلى أداة لضبط المجتمع، وإعادة تعريف الوطنية بوصفها طاعة.
لا يضعف هذا المسار الثورة فقط، بل يفرغ السياسة من معناها، لأن احتكار تأويل الثورة يعني احتكار حدود النقاش العام، ومن ثم يصبح الاختلاف خطراً أخلاقياً لا خلافاً سياسياً، وتصبح المطالب الاجتماعية شبهة لا حقاً، ويتحول المجتمع إلى متلقٍ ينتظر تفسير الدولة لما حدث، ويقبل به بوصفه الحقيقة الوحيدة. وعندما تُدار الذاكرة بهذه الطريقة لا تعود السياسة مجالاً للتفاوض حول المستقبل، بل تصبح إدارة للماضي وفق حاجات السلطة، وتصبح ذكرى الثورة مناسبة لإعادة ترتيب المجتمع حول الخوف، بدل إعادة ترتيب الدولة حول الحقوق.
مع ذلك، لا تموت الثورة بالاختزال، ولا تلغى بالمصادرة الرمزية، لأنها تعود في أشكالٍ أخرى، في الاحتجاج الاجتماعي حين ينفجر من جديد، وفي رفض الظلم حين يتراكم، وفي الدفاع عن الحرية حين تضيق مساحتها، وفي مقاومة تحويل الدولة إلى كيان فوق المجتمع وليس عقداً معه. وكل محاولة لاستخدام الثورة ضد قيمها الأساسية لا تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحويل الذكرى من لحظة جامعة إلى مناسبة تكشف أزمة المعنى، وتكشف أيضاً حدود الخطاب حين يعجز عن توفير حلول.
استعادة الثورة لا تعني تمجيدها ولا تحنيطها، بل إعادة ربطها بسؤالها المركزي، كيف تُدار السلطة، ولمن تدار، وبأي شروط. فالثورة لم تكن لحظة إجماع أبدي، بل لحظة فتح للاختلاف، وأي سلطة تخشى هذا الاختلاف، وتسعى إلى احتكار معنى الثورة تعترف ضمناً بأنها فقدت القدرة على إنتاج شرعية جديدة خارج الرموز. لهذا يصبح الوفاء للثورة اليوم عملاً سياسياً لا احتفالاً، أي دفاعاً عن المجال العام، وعن الحق في التنظيم، وعن استقلال القضاء، وعن اقتصاد يعامل الناس مواطنين لا أرقاماً في خطاب.
لا يكمن الخطر في نسيان الثورة، بل في تحويلها أداة حكم، لأن الدولة التي تحتكر الذاكرة وتعيد كتابة الثورة بما يخدم سلطتها لا تحمي الاستقرار، بل تؤجل الصدام مع مجتمعٍ يدرك أن الثورة لم تكن يوماً ملكاً لأحد، بل فعلاً جماعيّاً لا يستقيم إلا بالحرّية، ولا يستعاد إلا حين تعود السياسة إلى معناها البسيط، حق المجتمع في أن يشارك ويحاسب ويختلف من دون خوف.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





