عماد الجديدي، كاتب ونقابي تونسي
أفريقيا برس – تونس. لم تمرّ مسيرة الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 21 أوت دون أن تثير جدلا واسعا. فقد كان الإخفاق في الحشد الشعبي أوضح من أن يُخفى، وهو ما يعكس حالة التراجع العميق التي تعيشها المنظمة الشغيلة، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقتها بالسلطة والشارع.
من الناحية السياسية، بدا الاتحاد عاجزا عن فرض نفسه كقوة اجتماعية وازنة. الشعارات المرفوعة فقدت بريقها، والجماهير التي اعتادت أن ترى في المنظمة سنداً للنضال الاجتماعي لم تعد تجد ما يقنعها.
في ظرف تتصاعد فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أخفق المكتب التنفيذي في لعب دور الوسيط أو المفاوض الفعّال، واكتفى بخطاب متردد جعل الاتحاد يفقد مكانته التاريخية كفاعل وطني مستقل.
أما داخليا، فإن الأزمة أعمق وأخطر. فقد تحولت “قلعة حشاد” من رمز للمقاومة والنضال إلى ساحة مثقلة بالانقسامات والتجاذبات، بعد أن تمّ القفز على الفصل 20 للمنظمة واغتصاب الاتحاد عبر التمديد غير الشرعي للقيادة.
المكتب التنفيذي الحالي بات محكوما بالبيروقراطية والانغلاق، بعيدا عن الممارسة الديمقراطية، ما راكم الاتهامات بالفساد، المحسوبية، والاصطفاف مع مصالح ضيقة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تحوّل الاتحاد في مرحلة ما بعد الثورة إلى طرف متطفل على الشأن السياسي، مبتزّ للحكومات المتعاقبة بمنطق المحاصصة في التعيينات، بعيداً كل البعد عن جوهر العمل النقابي. كما تبنّت القيادة ما سمّته “مبادرات” لا تمت بصلة إلى مطالب الشغالين والعمال، بل كانت أقرب إلى رهانات سياسية ومقايضات ظرفية.
في المقابل، غاب التفكير في قضايا الإنتاج والتنمية، وحلّ محله خطاب مكرور لا يتجاوز المطالبة بالزيادات في الأجور، دون رؤية اقتصادية أو اجتماعية شاملة. هذا العجز تزامن مع تجييش مفرط للنقابات القطاعية، مثل نقابات النقل، ما أدى إلى شلّ حركة العمال وتعطيل مصالح المواطنين، وهو ما عمّق الهوة بين الاتحاد وبين الرأي العام.
الفشل الميداني لمسيرة 21 أوت إذن لم يكن حدثا عابرا، بل هو انعكاس لمسار انحداري يهدد وجود المنظمة كقوة فاعلة. وإذا لم تبادر القيادات النقابية إلى مراجعة جذرية شاملة، تضع في أولوياتها استقلالية القرار، الشفافية، وإعادة ربط الصلة بالعمال والشغالين، فإن الاتحاد لن يكون قادراً على لعب أي دور وطني أو اجتماعي في المستقبل.
لقد آن الأوان لطرح السؤال المؤلم: هل يمكن أن يستعيد الاتحاد العام التونسي للشغل مجده ودوره كقلعة للنضال، أم أن انهيار “قلعة حشاد” بات قدراً محتوماً إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه؟
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس