هل تشهد تونس انفراجة في ملف الحريات بعد الإفراج عن الدهماني؟

هل تشهد تونس انفراجة في ملف الحريات بعد الإفراج عن الدهماني؟
هل تشهد تونس انفراجة في ملف الحريات بعد الإفراج عن الدهماني؟

آمنة جبران

أهم ما يجب معرفته

تتزايد الآمال في تونس بتحقيق انفراجة في ملف الحريات بعد الإفراج عن المحامية سنية الدهماني. يأتي هذا القرار بعد ضغوط داخلية وخارجية، ويعكس محاولة الحكومة للتخفيف من الانتقادات الموجهة لها. المحللون يرون أن هذا قد يمهد الطريق لمزيد من الإفراجات، مما يعزز روح العدالة في البلاد ويقلل من حدة الأصوات المعارضة.

أفريقيا برس – تونس. أبدت أوساط سياسية وحقوقية تونسية تفاؤلها بتحقيق انفراجة مرتقبة في ملف الحريات في البلاد، وذلك عقب إطلاق سراح المحامية والإعلامية سنية الدهماني بموجب قرار إفراج مشروط.

وصدر قرار الإفراج المشروط على الدهماني، بعد ثمانية عشر شهراً قضتها وراء القضبان وصدور إدانات بحقها من المحاكم الابتدائية بموجب “المرسوم 54” الرئاسي، الذي يعاقب على نشر “الأخبار الكاذبة”، فيما يواجه انتقادات شديدة من المدافعين عن حقوق الإنسان.

وتوقع محللون ومتابعون أن يمهد إطلاق سراح الدهماني لخطوات أخرى مماثلة، حيث تحاول السلطة غلق الباب أمام الانتقادات الداخلية والخارجية الواسعة التي طالتها بسبب تعاطيها مع ملف الحريات وسياسة التضييق التي انتهجتها في هذا المجال، وهو ما يعكس توجسها من تداعيات هذه الانتقادات على قاعدتها الشعبية، على غرار ما تواجهه من ضغوط اجتماعية واقتصادية.

وأشار فريد العليبي، الباحث والمحلل السياسي، في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “الإفراج عن المحامية سنية الدهماني ليس الوحيد الذي حصل، فقد سبقه ورافقه الإفراج عن آخرين من بينهم سياسيون ورجال أعمال، أي أننا لسنا إزاء إطلاق سراح فرد وإنما أمام إجراء قضائي يهم مجموعة.”

وتابع “هذا الإجراء له انعكاساته السياسية بما قد يساعد على تبلور توجه سياسي خلال المدة القريبة القادمة، ومن المرجح أن رئيس الجمهورية نفسه يسير وفق هذا الاتجاه، فالسيادة الوطنية وإغلاق الباب أمام التدخل الخارجي يقتضيان مثل تلك الخطوات، لذلك كان في نفس الوقت التصريح بعدم الخضوع إلى التهديد الخارجي وتوجيه الاحتجاجات شديدة اللهجة إلى بعض السفارات في استثمار لمكاسب الانتفاضة التونسية، والتذكير بقيمها ومهامها وشعاراتها.”

ورأى أن “الإفراج يوحي كذلك أن السلطة منزعجة من الأصوات الداخلية والخارجية المطالبة بإطلاق سراح معتقلين مضت أشهر وسنوات على سجنهم وتأخرت محاكمتهم، فقد بدأت تدرك أن ذلك الاعتقال ليس حلاً وإنما مشكلة. وهي تجد في ذلك الإجراء كما قلنا مجالاً لتحقيق مكاسب سياسية من جهتين، من حيث كونه يعزز أولاً روح العدالة في تونس التي ترى أنها مؤتمنة عليها، وثانياً كونه يقلل من حدة تلك الأصوات المناهضة لها في ظل وضع داخلي وخارجي غير مستقر ومهدد بالاضطراب.”

وفق العليبي “ما يمكن استنتاجه من ذلك هو أن السلطة القضائية مستعدة للإقدام على خطوات أخرى قد يستفيد منها المزيد من المعتقلين على قاعدة الفصل بين معتقلين تتهمهم بالتورط في التآمر على الدولة والانقلاب على رئيسها بالتنسيق مع قوى خارجية، وآخرين اعتقلوا في علاقة بمواقف تم التعبير عنها، ولكن بعض المراسيم تجرمها، لذلك قد يصل الأمر حد إلغاء مثل تلك المراسيم التي كان لها الأثر السلبي في مجال الحريات ومنها المرسوم 54.”

وبالنسبة إلى المعتقلين بتهم الفساد المالي، فيرجح أن “يتعامل معهم القضاء على قاعدة التسويات المالية، وإذا حدث ذلك مضافاً إليه حل التناقض الحالي مع اتحاد الشغل، فإن انفراجاً واسعاً سوف يحصل بما يجنب البلاد الدخول إلى منطقة الزوابع الخطرة.”

فتح قرار الإفراج عن الدهماني باب التساؤلات في البلاد، عما إذا كان القرار داخلياً بحتاً بعد أن تحول ملف سجناء الرأي إلى عبء على السلطة، أم أن الضغوط الخارجية تقف وراءه.

يقول سيف الدين العرفاوي، الناشط السياسي المعارض، في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “ملف سنية الدهماني أثار ضجة وإشكالاً قانونياً وأخلاقياً، وطبعا سعداء بخبر الإفراج عنها وهذا ما طالبنا به سابقاً. ولكن ما نلاحظه أن الإفراج جاء بقرار من وزيرة العدل، فهل يعتبر هذا تدخلاً في القضاء أم لا؟، وإن كان بضغوط خارجية فعلى السلطة أن تراجع شعار السيادة الوطنية.”

علق “في الحالتين الوضع لم يعد مريحاً لأي طرف، ويثبت التدخل في القضاء، والانفراج في ملف الحريات آت لا محالة.”

ربط محللون قرار الإفراج عن الدهماني بسبب تعرض السلطة لضغوط خارجية خاصة مع إصدار الاتحاد الأوروبي قراراً يطالب بإطلاق سراح جميع المعتقلين في تونس.

ووصف الرئيس قيس سعيد هذا القرار بالتدخل السافر في شؤون البلاد، كما كلف وزير خارجيته محمد علي النفطي، الجمعة، بـ”توسيع احتجاج شديد لمن لم يحترموا الأعراف الدبلوماسية”، بحسب بيان للرئاسة التونسية.

لفت منذر ثابت، المحلل السياسي، في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “معطيات الداخل والخارج تتضافر حول قضية الحريات وحقوق الإنسان في تونس، وهذا يضفي بالضرورة إلى تفاعل من السلطة باعتبار الحسابات السياسية من جهة، وباعتبار أنه هنالك رفض للتنازل على هوامش الحرية التي أتيحت ولو بصفة فوضوية بعد 2011 من جهة ثانية.”

مستدركاً “لكن هذا لا يمنع أنه هنالك تفاعل يقرأ ويفهم على أنه بداية انفراج في الملف الحقوقي، وهذا أمر مطلوب بكل المقاييس ووفق كل الاعتبارات.”

تجمع الأوساط الموالية والمعارضة للسلطة على حد سواء على رفضها التدخل في الشؤون الداخلية بالبلاد والمساس بالسيادة الوطنية، حيث لا يمكن لأي طرف خارجي توظيف ملف الحريات كورقة لأجل التدخل في شؤون التونسيين ومشاغلهم.

ويؤكد محمد بريك المحلل السياسي في حديثه مع “أفريقيا برس” أن “تدخل البرلمان الأوروبي في ملف الحريات يعد مساساً بالسيادة الوطنية، في حين أن الإفراج عن الدهماني كان متوقعاً وهو قرار سيادي داخلي قضائي من قبل الدولة التونسية، وذلك بعد أن استوفت كل الأحكام القضائية.”

يتسق رأي بريك مع رأي صهيب المزريقي الكاتب والمحلل السياسي، الذي يشير في حديثه مع “أفريقيا برس” إلى أن “إطلاق سراح سنية الدهماني ليس له أي علاقة بما يسمى زورا بضغوط الاتحاد الأوروبي، وهذا الأمر لا يليق القول به احتراما لسنية الدهماني حتى قبل اتهام السلطة بالخضوع لقوى أجنبية، فضلاً على أن النظام الحالي يرفع شعار السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشأن التونسي ويؤكد على استقلالية القضاء وعدم التدخل فيه.”

وأوضح بالقول “المسألة اليوم قد فصل فيها محامي سنية الدهماني، وكان إطلاق سراحها بناء على طلب تقدمت به العمادة وهذا وفق ما تقتضيه النصوص القانونية والإجراءات والتراتيب.”

شهد ملف الحريات في تونس زخماً واسعاً في الآونة الأخيرة، حيث تتالت التحركات الاحتجاجية المنددة بمناخ القمع والتضييق واستهداف المجتمع المدني ورموز المعارضة في البلاد.

ويعتقد صبري الزغيدي، الصحفي والمحلل سياسي، في حديثه مع”أفريقيا برس” أن” قرار الإفراج عن الدهماني كان نتيجة لضغوط داخلية عبر سلسلة الاحتجاجات التي نظمتها فعاليات المجتمع المدني في الفترة الأخيرة والتي طالبت باحترام الحقوق والحريات واحترام المعايير الدولية للمحاكمات العادلة وكانت هذه التحركات متنامية يوما بعد يوم، إلى جانب الضغط الخارجي، وقد ظهر جليا من خلال ما مارسه برلمان الاتحاد الأوروبي من ضغوطات وتصويته على قرار احترام الحقوق والحريات في تونس ودعوته بشكل مباشر إلى إطلاق سراح الدهماني.”

وأضاف”بقدر ما نرحب بحرية سنية الدهماني وحرية كل مساجين الرأي والكلمة، بقدر ما نعبر عن أسفنا لأن المسألة أصبحت مرتبطة بضغوطات خارجية وهذا الأمر مرفوض تماما، خاصة أن السلطة لم تضع هذا الملف في الاعتبار، ولم يكن مطروحا بالنسبة إليها.”

وفي تقديره” كان من الأجدر أن يكون رئيس الدولة وفيا لكلامه السابق عن الحريات واحترامه لها. فالقاعدة هو احترام هذا المكسب الذي قدمته الثورة التونسية، وعلى السلطة أن تعي وأن تتحلى بإرادة سياسية لأجل احترامه.”

وعلى الرغم أن ما أثاره قرار الإفراج عن الدهماني من تفاؤل داخل الأوساط الحقوقية، إلا أن الأحكام الثقيلة التي طالت المتهمين فيما يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة تبدد الآمال بانفراجة حقيقية في المشهد السياسي المأزوم.

وأصدرت محكمة استئناف في تونس،الجمعة، أحكاما بالسجن تصل إلى 45 عاما في قضية “التآمر ضد الدولة” التي يُحاكم فيها نحو 40 شخصا، معظمهم مسجونون منذ ربيع عام 2023، بينهم شخصيات معارضة.

وتلقى بعض المتهمين أحكاما أشد والبعض الآخر أحكامًا أخف من أحكامهم الأولية، في محاكمة اعتبرت المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة أنها ذات “دوافع سياسية” وتستند إلى “اتهامات لا أساس لها”.

وفي معرض تعليقه عن تداعيات الإفراج عن الدهماني وهل يمهد لإطلاق سراح موقوفين وسجناء رأي آخرين في الفترة القادمة، يلفت محسن السوداني، القيادي البارز في حركة النهضة، في حديثه مع “أفريقيا برس” بالقول”بداية نهنئ الأستاذة سنية الدهماني على إطلاق سراحها وعودتها إلى أهلها بعد معاناة السجن، أما القطع بأنّ إطلاق سراحها جاء نتيجة ضغوط خارجية قد يثير إشكالات سياسية لها علاقة بالقرار السياسي الوطني واستقلالية القضاء. ولذلك فإنه يجب التعامل مع الموضوع بمسؤولية وتحفّظ.”

واستدرك “غير أن تزامن الإفراج عن الأستاذة سنية الدهماني مع تصويت البرلمان الأوربي بأغلبية ساحقة لصالح قرار يطالب بإطلاق سراحها يغذّي رأي من يقول بأن السلطة خضعت للضغوط الخارجية. فالإفراج جاء بعد وقت قياسي من التصويت لا يتعدى الدقائق، كما لو أنه هناك علاقة آلية بين الحدثين. يضاف إلى ذلك جائزة حرية الصحافة التي منحتها لجنة حماية الصحفيين، ومقرّها نيويورك، للأستاذة سنية الدهماني منذ أسبوع تحديدا يوم 20 نوفمبر 2025.”

وبرأيه “كان يمكن للسلطة أن تتجنّب كل هذه الإحراجات الحادة التي تثار، سواء بوجاهة أو بغيرها، لو أنها سلكت نهج المصالحة الوطنية، وأطلقت سراح المعتقلين السياسيين. فبهذا القرار تضع حدا للجدل الذي ينال من هيبتها خاصة وأن الخطاب الرسمي يؤكد باستمرار على السيادة الوطنية. بل أن قرار الإفراج عن كل المعتقلين سوف يطوي صفحة المشاحنات ويشفط الاحتقان السياسي والاجتماعي الذي يخنق الفضاء العام. ”

وزاد بالقول”أمامنا تحديات كبيرة ولا يسع البلاد أن تستغرق وقتها في التجاذبات وتبقى رهينة العراك بين السلطة والمعارضة. ولا أرجّح أن إطلاق سراح الأستاذة الدهماني يمهّد لانفراج في المشهد السياسي. فالمحاكمات ما زالت جارية بوتيرة مرتفعة جدا والأحكام الصادرة ضد المعتقلين والمهجّرين عالية بشكل يفوق التصور ولم يعرفها السياسيون من قبل زمن الاستبداد مع بورقيبة وبن علي. مثلا الحكم بالإعدام الذي صدر بحق مواطن بسبب تدوينات على فيسبوك، رغم العفو الذي أصدره رئيس الجمهورية فيما بعد، يعطي مؤشراً على التوجه السياسي للسلطة في التعامل مع المعارضين.”

ويستنتج “لا يمكن القول بأن السلطة تتجه الآن نحو إحداث انفراج، رغم أن كل المؤشرات الواقعية من انسداد للأفق وأزمة سياسية وتدهور اجتماعي، تستوجب ذلك.”

وتندد المعارضة التونسية باستمرار مثل هذه المحاكمات، كما تندد بإقصاء السلطة لخصومها من خلال توظيف القضاء لصالحها بهدف الحفاظ على مكاسبها السياسية، فيما تتمسك برفضها للعودة إلى طاولة الحوار والإصغاء لكل الأطراف.

واعتبر وسام الصغير، الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري، في حديثه مع “أفريقيا برس” أنه” المشهد السياسي الحالي يعاني من عبث كبير”.

ويتابع معلقا عن أحكام قضية التآمر النهائية”لقدعشنا طورا جديدا من اغتيال العدالة رغم غياب أي مؤيدات جدية للمتهمين، ورغم ما رافق هذه القضية من اخلالات في كل أطوارها، وبرغم كل هذا يصدر القضاء أحكاما قاسية وأحكاما تنم على عقلية التشفي والتنكيل بالمعارضين واستهداف كل صوت مخالف ومستقل عن الجوقة أو خط السلطة التنفيذية.”

وخلص بالقول”هذه الأحكام لن تسكت أصوات المدافعين عن الحرية وعن الحق وعن العدل، وعلى العكس تؤكد أن وضع العدالة والوضع السياسي يعيش انغلاق وسوداوية غير مسبوقة في تاريخ تونس،وليس لنا إلا خيار الثبات والإصرار والتمسك بالعمل لأجل إنقاذ تونس، وإخراجها من هذا المنزلق الخطير”.

تاريخياً، شهدت تونس تحولات كبيرة في ملف الحريات منذ الثورة عام 2011، حيث تمتع المواطنون بمساحات أكبر من الحرية. ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً في هذه الحريات، مما أدى إلى انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان. الإفراج عن سنية الدهماني قد يكون مؤشراً على تغير في سياسة الحكومة تجاه الحريات العامة.

تواجه تونس تحديات كبيرة في مجال حقوق الإنسان، حيث تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة لتحسين وضع الحريات. هذا الوضع يعكس التوترات السياسية والاجتماعية في البلاد، ويشير إلى الحاجة الملحة لإصلاحات حقيقية في هذا المجال. الإفراج عن الدهماني قد يكون خطوة نحو معالجة هذه القضايا.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here