من الجغرافيا إلى الجيوسياسة: لماذا تُستهدف العقد لا الأطراف “إيران و فنزويلا مثالا”

"الجغرافيا والجيوسياسة: استهداف العقد لا الأطراف"

صهيب المزريقي كاتب صحفي ومحلل سياسي

أفريقيا برس – تونس. مايجري في العالم اليوم ليس من الممكن فهمه من خلال أحداث منفصلة أو أزمات عابرة بل ضمن سياق تحوّل بنيوي عميق في طبيعة النظام الدولي فنحن أمام مرحلة انتقالية تتراجع فيها ملامح النظام الأحادي الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة، ويبرز في مواجهته صراع محاور طويل النفس، لا يُدار بالضرورة عبر الحروب المباشرة، بل عبر الاقتصاد، والجغرافيا، والزمن، والقدرة على الصمود. في هذا الإطار، يصبح أي تصعيد أو اعتداء على دول مثل إيران أو فنزويلا حدثًا ذا دلالة تتجاوز حدوده الجغرافية، ليغدو رسالة استراتيجية في قلب صراع عالمي أوسع.

و الاعتداء المتزامن أو الضغط المتوازي على إيران وفنزويلا لا يمكن قراءته كصدفة فالدولتان رغم اختلاف السياقين الإقليميين، تشتركان في موقعهما داخل شبكة الصراع مع المنظومة الغربية وكلتاهما تملك موارد طاقة مؤثرة وكلتاهما تسعى للخروج من الهيمنة المالية والسياسية الغربية، وأيضا و على حد السواء ترتبط بدرجات متفاوتة بمحاولات بناء نظام دولي أكثر تعددية. لذلك فإن استهدافهما في توقيت متقارب يحمل رسالة مفادها أن أي محاولة لكسر قواعد النظام القائم ستُواجَه بالضغط، وأن الجغرافيا لن تشكّل حصانة بحد ذاتها.

ففي حالة إيران تحديدًا، تتجاوز الدلالة البعد الإقليمي إلى بعد أوراسي أعمق. فإيران ليست مجرد دولة شرق أوسطية ذات ثقل سياسي وأمني، بل هي عقدة جغرافية مركزية في مشروع إعادة ربط آسيا بأوروبا بعيدًا عن السيطرة البحرية الغربية وهنا يظهر ارتباطها غير المباشر بطريق الحرير الجديد ليس باعتباره مشروعًا اقتصاديًا صرفًا، بل كأداة استراتيجية صينية لإعادة توزيع القوة في النظام العالمي وضرب الاستقرار في إيران أو إبقاؤها تحت ضغط دائم، يعني عمليًا جعل أحد أهم الممرات البرية في حالة عدم يقين وهو ما ينعكس مباشرة على حسابات الصين الاستثمارية والأمنية.

لكن الحديث عن “بتر” طريق الحرير عبر استهداف إيران قد يكون تبسيطًا مفرطًا. فالاستراتيجية الصينية، منذ انطلاق مبادرة الحزام والطريق، لم تُبنَ على مسار واحد أو دولة واحدة بل على تشعّب مدروس يتيح الالتفاف على الأزمات.

ومع ذلك، تبقى إيران من أكثر المسارات منطقية على المدى الطويل من حيث الجغرافيا والاتصال والاستقرار النسبي مقارنة بمسارات أخرى. لذلك فإن استهدافها لا يقطع المشروع، لكنه يرفع كلفته ويبطئ تمدده، وهو في حد ذاته إنجاز استراتيجي لمن يسعى للحفاظ على التفوق القائم.

ومن هنا يمكن فهم المشهد كحرب محاور، لكن ليس بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفه القرن العشرون فهذه ليست حرب دبابات وجيوش تواجه بعضها مباشرة بل حرب أنفاس طويلة تُستخدم فيها العقوبات بدل الجيوش، والممرات التجارية بدل القواعد العسكرية “والاستثمار بدل الاحتلال.

و المحور الغربي لا يسعى بالضرورة إلى إسقاط خصومه دفعة واحدة بل إلى إنهاكهم، وإبقائهم في حالة دفاع دائم ومنعهم من تحويل قدراتهم إلى نفوذ منظّم ومؤسسي.

في المقابل، تدرك كل من الصين وروسيا أن المواجهة المباشرة مع الغرب ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، لذلك تتبنيان نمطًا مختلفًا من التدخل. فالصين تراهن على الزمن، وعلى التحوّل البطيء في موازين الاقتصاد العالمي. هي لا تحتاج إلى انتصار سياسي صاخب، بل إلى استمرار النمو، وتوسيع الأسواق وبناء شبكات اعتماد متبادل تجعل من الصعب عزلها أو خنقها. لذلك تتعامل مع الضغوط على حلفائها ببرود محسوب، وتقبل بخسائر مرحلية مقابل ترسيخ حضور طويل الأمد.

أما روسيا، فتتحرك من منطلق مختلف نسبيًا، يقوم على تحمّل الصدمة وإعادة تشكيل الداخل بما يسمح بالصمود. العقوبات، بدل أن تكون أداة إخضاع، تحوّلت إلى محفّز لإعادة بناء قطاعات كاملة، ولتعميق الشراكات مع الشرق والجنوب.

و روسيا لا تملك ترف الوقت نفسه الذي تملكه الصين لكنها تملك خبرة تاريخية في إدارة الصراع الوجودي، وتستخدم أدوات الطاقة والجغرافيا السياسية لإعادة فرض نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه.

وكلا القوتين تلتقيان عند نقطة أساسية، وهي أن التوازن العالمي لا يُصنع في العواصم الغربية وحدها. المعركة الحقيقية تدور في الجنوب العالمي، حيث الأغلبية السكانية، والموارد الطبيعية، والأسواق المستقبلية. هناك، تجد الخطابات الغربية حول القيم والديمقراطية صدى محدودًا عندما تقترن بالعقوبات والضغوط بينما تجد عروض البنية التحتية والتمويل غير المشروط، واحترام السيادة قبولًا أوسع.

هذا التحوّل الصامت في ولاءات الدول النامية هو أحد أخطر التحديات التي تواجه النظام الغربي لأنه يتم دون ضجيج لكنه يغيّر قواعد اللعبة تدريجيًا.

وفي هذا السياق، يصبح دور دول مثل إيران محوريًا، ليس فقط كدولة تواجه الغرب بل كحلقة اختبار لقدرة المحور الصاعد على حماية شركائه التخلي عن هذه الدول تحت الضغط يبعث برسالة ضعف، بينما الصمود إلى جانبها، ولو سياسيًا واقتصاديًا، يراكم الثقة ويؤسس لنظام علاقات مختلف. لذلك نرى تنسيقًا سياسيًا متكررًا، واستخدامًا متبادلًا لحق النقض، ورفضًا مشتركًا للعقوبات الأحادية، حتى وإن لم يصل ذلك إلى تحالف عسكري صريح.

ما نعيشه اليوم، إذن، ليس مقدمة لحرب عالمية ثالثة، بل مرحلة مخاض لنظام دولي جديد. الغرب يحاول إبطاء هذا التحوّل والحفاظ على أدوات هيمنته، بينما تسعى القوى الصاعدة إلى توسيع هامشها دون كسر الطاولة. النتيجة ليست حسمًا سريعًا، بل توازنًا هشًا يتغيّر ببطء، حيث يصبح الزمن عاملًا استراتيجيًا بحد ذاته. وفي هذا الزمن الطويل، وقد لا يكون السؤال من ينتصر، بل من يصمد أطول، ومن ينجح في تحويل الصراع من مواجهة صفرية إلى واقع تعددي لا يمكن لأي طرف فيه أن يفرض إرادته منفردًا.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here