أفريقيا برس – تونس. في مدينة الحمامات الساحلية، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بنسمات البساتين العتيقة، تحتفي الساحات والأزقة من جديد بإحدى أعرق التظاهرات التراثية في تونس وهي مهرجان “القوارص” (الفواكه الحمضية) الذي يقام هذا العام تحت شعار “الحمامات بين البحر والبساتين”.
يعد هذا المهرجان السنوي محطة بارزة ضمن أجندة الفعاليات الثقافية والبيئية والاقتصادية بمحافظة نابل شمال تونس، والذي دأبت جمعية التربية البيئية بمدينة الحمامات، بالتعاون مع بلدية الحمامات والهيئات الثقافية والجمعيات المحلية وعدد من الشركاء، على تنظيمه كل سنة احتفاء بهذه الثمار التي ارتبط اسمها بتاريخ الجهة وذاكرتها الزراعية.
وتعد جهة الوطن القبلي بتونس من أهم مناطق إنتاج القوارص بالبلاد، حيث تُشكل هذه الثمرة نسبة كبيرة من الإنتاج الوطني للثمار الحامضية.
ووفق بيانات المرصد الوطني للفلاحة، بلغ الإنتاج العام للقوارص في الموسم الفلاحي 2024-2025 حوالي 384 ألف طن، وهو ما يمثل نحو 25 في المئة من مجموع الإنتاج الوطني للثمار، وتسهم محافظة نابل وحدها بما يقارب 70% من الكمية الوطنية، جزء هام منها يشق طريقه سنويا نحو الأسواق الخارجية.
ويسعى مهرجان القوارص، الذي ينتظم هذه السنة في دورته الثانية عشرة، إلى تثمين الإرث الفلاحي والذاكرة الزراعية للمدينة، من خلال تسليط الضوء على زراعة القوارص التي شكلت عبر عقود موردا أساسيا لسكان المنطقة، إضافة إلى حرف ومهارات تقليدية توارثتها أجيال أسهمت في تشكيل هوية الحمامات المحلية.
ويمتزج في برنامج المهرجان هذا العام التراث بالأصالة والبهجة، إذ تشمل الفعاليات أجنحة للثمار الطازجة والمنتجات المحلية المحوّلة مثل المربّى وماء الزهر والعطور الطبيعية، إلى جانب عروض حرفية حية وورشات إبداعية في الفنون مثل الرسم والخزف، والمسابقات التي تضفي على الحدث أجواء من التنافس والفرح.
كنوز القوارص
على مقربة من أحد الأجنحة المصطفة أمام البرج الأثري بمدينة الحمامات الساحلية، كان المزارع “الحبيب العويني” يرتب صناديق ممتلئة بثمار متفاوتة الألوان والأحجام، تتدرج من الأصفر اللامع إلى البرتقالي الداكن. هناك، لا يبدو المشهد مجرد عرض لمنتوج فلاحي، بل استعراض لذاكرة الأرض.
يقول العويني إن القوارص في الحمامات ونابل عموما “أكثر من مجرد ثمرة، هي تاريخ عائلات عاشت على هذه البساتين جيلا بعد جيل”.
ويشرح أن الجهة تعد من أغنى مناطق تونس من حيث تنوع الأصناف وجودتها، غير أن كثيرين لا يعرفون من القوارص سوى أسماء محدودة.
“الناس تختزلها في الليمون والبرتقال والمندرين، لكن الحقيقة أن عندنا عشرات الأنواع، بعضها قديم ونادر، ولكل صنف طعمه ورائحته واستعماله”، يقول مبتسما وهو يشير إلى ثمار بأشكال غير مألوفة للزوار”.
ويؤكد أن أحد أهداف المهرجان هو التعريف بهذا التنوع المنسي، مضيفا: “في هذه الدورة نعرض ما لا يقل عن 30 نوعا من القوارص (البرتقال)، منها أصناف محلية تكاد تندثر، لكننا ما زلنا نحافظ على زراعتها في الحمامات ونورثها لأبنائنا”.
وبحسب قوله، فإن الاهتمام بهذه الثمار تجاوز حدود المدينة، إذ يأتيهم فلاحون من الجزائر وليبيا لاقتناء المشاتل المحلية والتعلم من طرق التطعيم والزراعة، ويقول إن ذلك يفرحهم لأن خبرتهم تنتقل إلى غيرهم.
ولا يقتصر دور المزارعين المشاركين في المهرجان، كما يوضح، على البيع فقط، بل على التوعية أيضا، إذ يحرصون على شرح الفوائد الصحية للقوارص للزوار من تقوية المناعة إلى استعمالها في العصائر والمربّى والزيوت العطرية.
ويرى العويني أن المهرجان أعاد الحياة إلى روح التنافس الإيجابي بين الفلاحين والحرفيين، خاصة مع تخصيص 22 جناحا لأكثر من 35 عارضا وعارضة يقدمون منتجاتهم من مربّى وعسل وعطور ومنتجات تقليدية، في فضاء يجمع بين عبق التاريخ ونكهة البساتين، ويحول القوارص إلى قصة هوية تروى كل عام من جديد.
متنفس للناس والذاكرة
ويؤكد رئيس جمعية التربية البيئية بالحمامات سالم الساحلي أن المهرجان لم يعد مجرد موعد احتفالي عابر، بل أصبح حدثا ينتظره الأهالي “بفارغ الصبر”، على حد تعبيره، باعتباره مساحة جماعية للفرح واستعادة الأمل، خاصة بعد الأضرار التي خلفتها الفيضانات الأخيرة على المزارع والشواطئ والبنية التحتية.
ويضيف: “التظاهرة تمثل اليوم متنفسا للناس، حيث تلتقي العائلات والمنتجون والحرفيون في أجواء تعيد الحياة إلى المدينة وتخفف من وطأة الخسائر”.
ويرى الساحلي أن المهرجان يحمل بعدا يتجاوز الترفيه، فهو “يجمع بين المتعة والإفادة”، ويكسر الصورة النمطية التي تختزل الحمامات في السياحة الشاطئية فقط. فالمدينة، كما يقول، “ليست مجرد فنادق سياحية وبحر، بل أهل وعادات وثقافة متوارثة عبر الأجيال”، وهو ما يسعى المنظمون إلى إبرازه من خلال الأنشطة التراثية والبيئية ومن خلال شعار المهرجان “الحمامات بين البحر والبساتين”.
ويشدد المتحدث على أن فلاحة القوارص تمثل ركيزة أساسية في هوية الحمامات التاريخية، غير أن هذا الموروث بات مهددا بالتراجع، موضحا أن “غابة القوارص تقلصت مساحتها من نحو 900 هكتار سنة 1986 إلى نحو 270 هكتارا فقط اليوم”، وهو مؤشر مقلق على اندثار تدريجي لذاكرة زراعية عمرها عقود.
وتابع: “الهدف من المهرجان هو التعريف بهذا التراث وحمايته وإحياؤه، خاصة لدى الشباب وصنّاع القرار، مع السعي إلى تثمينه سياحيا عبر تشجيع السياحة الريفية والبيئية والثقافية”.
ومن هذا المنطلق، يوضح الساحلي أن الافتتاح لم يقتصر على العروض الفنية، بل تخللته أيضا رسائل توعوية وندوات بيئية، “نطرح فيها أسئلة حول مستقبل التنمية في الوطن القبلي، في محاولة لربط الاحتفال بالوعي، والفرجة بالفعل المدني، حتى يتحول المهرجان إلى مساحة تفكير في مستقبل الأرض والإنسان، لا مجرد مناسبة عابرة”.
ومن المقرر أن يختتم المهرجان غدا على أجواء احتفالية بطابع تنافسي، من خلال تنظيم مسابقة موجهة للحرفيين والمهنيين تحت عنوان “أفضل كعكة بالقوارص”، حيث يتبارى المشاركون في ابتكار وصفات تجمع بين نكهات البرتقال والليمون وبقية الأصناف المحلية، في محاولة لتطويع هذه الثمار في حلويات تقليدية وعصرية تعكس ثراء المطبخ المحلي التونسي.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





