الكاف العالية قلعة الفن الرابع في تونس تتنفس مسرحا بدون انقطاع

53
الكاف العالية قلعة الفن الرابع في تونس تتنفس مسرحا بدون انقطاع
الكاف العالية قلعة الفن الرابع في تونس تتنفس مسرحا بدون انقطاع

روعة قاسم

أفريقيا برس – تونس. تعتبر مدينة الكاف التي تنعت بـ«العالية» واحدة من أهم المدن التونسية بمنطقة الشمال الغربي بالنظر إلى تاريخها الضارب في القدم باعتبارها إحدى عواصم مملكة نوميديا التي نشأت وترعرعت في كنف جمهورية قرطاج أواخر عهدها. ونهلت نوميديا من معين حضارة قرطاج قبل أن تتمرد عليها وتتوسع على حسابها بدعم من روما وتساهم في القضاء عليها وتتقاسم لاحقا إرثها مع الغزاة الرومان. كما أن الكاف هي مدينة التراث الفني والغنائي باعتبارها أنجبت عددا من كبار الفنانين التونسيين، ويتم استغلال تراثها الغنائي الذي يقطر إبداعا إلى يومنا هذا. وفيها نشأت واحدة من أعرق الفرق المسرحية في تونس والتي عرفت بأعمالها الخالدة وتحولت لاحقا إلى مركز للفنون الركحية والدرامية أشع على المدينة وكامل ربوع ولايتها وجهة الشمال الغربي عموما.

وتتميز مدينة الكاف بطبيعة خلابة بالنظر إلى وجودها على جبل مرتفع، ولذلك سميت «العالية» واشتهرت أيضا بالنسيم العليل حتى باتت «النسمة الكافية» تجلب الزوار من كل مكان. وتشهر الكاف بمعالمها الأثرية التي تعود إلى حقب متنوعة، القرطاجية والنوميدية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية والمرادية والحسينية وغيرها.

كل هذا التراث الذي يعبق أصالة وحضارة جعل الكاف قبلة المثقفين والفنانين وملهمتهم على الدوام لإقامة المهرجانات والعروض في شتى أصناف الفنون من موسيقى وسينما وأدب وشعر ورسم ومسرح وغيرها. ومن بين المهرجانات التي تعيش على وقعها الكاف سنويا مهرجان «24 ساعة من المسرح دون انقطاع» والذي اختتمت دورته الحادية والعشرين منذ أيام وتحديدا في يوم الاحتفال بعيد العمال العالمي.

وقد حضر اختتام المهرجان بمركز الفنون الدرامية والركحية أكثر من 250 طالبا وطالبة في اختصاص المسرح وما يقارب السبعين مشاركا من 12 دولة أجنبية إضافة إلى أجانب آخرين. وتم خلال المهرجان تقديم 33 عرضا مسرحيا بالإضافة إلى تسعة عروض كوريغرافية وموسيقية.

أقيمت العروض بقاعات فضاء مركز الفنون الدرامية والركحية وبقاعات دور الثقافة بمدن ولاية الكاف وهي السرس والدهماني وقلعة سنان وتاجروين ونبّر والقصور وساقية سيدي يوسف. كما أقيمت العروض بالمدارس ودار المسنين والمركز المندمج للأطفال والسجن المدني بالكاف وذلك أسوة بمهرجاني أيام قرطاج المسرحية والسينمائية.

وتضمن حفل الافتتاح تكريما لأسماء رحلت وافتقدها المسرح التونسي منهم هشام رستم وتوفيق البحري وعبد الغني بن طارة والصادق الماجري وعبد الستار الشارني ومنذر الجبابلي وابو بكر خلوج وغيرهم. كما تم تكريم مسرحيين أحياء على ما قدموه للفن الرابع طيلة السنوات الماضية منهم لسعد بن عبد الله وزهيرة بن عمار ورؤوف بن عمر وفتحي الهداوي وغيرهم.

كما شهد المهرجان إقامة ورش تدريبية تتعلق بالفنون الدرامية أشرف عليها أكاديميون من تونس والبرازيل وإسبانيا والسعودية، ومائدة مستديرة تحت عنوان «المسرح خارج الركح للممثل وغير الممثل: تجارب متجددة». وعهدت للمسرحي التونسي معز حمزة أولى الورش التي حملت عنوان «من الجسد إلى الكتابة» وأشرف الفنان الإسباني لويس خومينيث على ورشة وكذلك المسرحي البرازيلي آمووري إيرناني والمسرحي السعودي فهد ردة الحارثي ومعهم التونسي رياض حمدي.

مسرحية تائهون

من بين العروض التي قدمت في المهرجان مسرحية «تائهون» من نص الكاتب التونسي عبد الحليم المسعودي، وإخراج نزار السعيدي. ويحكي العمل قصة قناة مراهقة ارتكبت جريمة في حق أمها لتنطلق رحلة البحث عن الأسباب والخفايا التي تكشف بدورها الوجه الآخر للمجتمع التونسي وتعري إفلاس الدولة في مرحلة معينة عاشت فيها البلاد أزمة سياسية ومجتمعية.

«إشراق» هو اسم الشخصية المحورية، وتمثل نموذجا للمئات من المراهقين، وعينة من شباب يتعرض لضغوط عائلية ومجتمعية تكسر أحلامهم وتحيدهم عنها وبعضهم اضطر إلى الانقطاع قسرا عن التعليم.

نجد في المسرحية باقة منوعة من الموسيقى والفيديو والكوريغرافيا إضافة إلى المسرح وهي تكشف واقع البلد الذي عاش تحولات صعبة اجتماعية وسياسية وثقافية طيلة العشرية الماضية وأثرت على المزاج العام. وسلطت المسرحية الضوء على ما أفرزته المنظومة الحاكمة في تونس من تأثيرات كبيرة على المجتمع بكل نواحيها ومعانيها.

حج ثقافي

وتعتبر الإعلامية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي ليلى بورقعة أن الكاف عاشت مع هذا المهرجان موسم حج ثقافي وإبداعي جعلها عاصمة المسرح التونسي بامتياز. واعتبرت أنه عند الحديث عن «الكاف العالية» يفرض موروثها الثقافي وإرثها الفني حضورها كما تفرض آثارها ومعالمها التاريخية الانبهار والتقدير.

وترى محدثتنا أنه لطالما اقترن اسم الكاف العالية بالفن والإبداع وهي الأرض التي أنجبت من رحمها مشاهير في المسرح والأدب والصحافة والسينما. فقد كان ركح فرقة الكاف، حسب محدثتنا، علامة فارقة في اكتشاف أعلام المسرح التونسي على غرار الأمين النهدي، وعيسى حراث، وخديجة السويسي، وسعاد محاسن، وناجية الورغي، وكمال التواتي، والقائمة تطول.

وتضيف ليلى بورقعة مؤكدة على أن مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف هو الوريث الشرعي لفرقة الكاف المسرحية وذلك منذ سنة 1993 ليتواصل مشوار الإبداع ومسار الإصرار على إنتاج المسرح الهادف والعميق واقتراح جماليات مبتكرة. ولئن تتعدد التظاهرات، وتتنوع المحطات، وتختلف المهرجانات في تونس، فإنّ المهرجان الدولي «24 ساعة مسرح دون انقطاع» بالكاف يبقى، حسب محدثتنا، التظاهرة الأبرز التي لها رونقا خاصا وفريدا من نوعه.

وتضيف الإعلامية التونسية قائلة: «في سنة 2023 كان الموعد استثنائيا للمهرجان الدّولي ( 24 ساعة من المسرح دون انقطاع) بالكاف. فقد احتفى بدورته 21 في نيسان/أبريل المنقضي بدلا عن موعده المعتاد في اذار/مارس وذلك بسبب تزامن الموعد الأصلي مع شهر رمضان. ومن ميزات هذا المهرجان العريق هو خروجه عن الأركاح التقليدية وفضاءات العرض الكلاسيكية تكريسا لمبدأ ثقافة القرب وحق الثقافة للجميع. وقد تم ذلك من خلال توزيع فقرات التّظاهرة على فضاءات متعدّدة منها المركز والمواقع الأثرية بالكاف وشوارع المدينة وبعض الأحياء الشعبية والساحات العمومية والفضاءات الثقافية الخاصة، مع محاولة التوجّه إلى فئات محرومة من النشاط الثقافي كفاقدي السند والسجناء والمسنّين وتلاميذ المدارس الحدوديّة وذوي الاحتياجات الخصوصيّة.

ولأن آثار الكاف العالية شاهدة على موروث ثقافي ضارب بجذوره في الحضارات البعيدة، فقد تضمنت برمجة مهرجان (24 ساعة من المسرح دون انقطاع) يوما خاصا للاحتفاء بالتّراث المادّي واللاّمادي لجهة الكاف. وتم ذلك في إطار تثمين الموروث الثّقافي وتسويق السياحة الثقافية في ربوع الشمال الغربي».

تاريخ من الإبداع

ويرى عماد المديوني مدير مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف أن فعالية «24 ساعة مسرحا دون إنقطاع» لها تاريخ حافل بالإبداع والفن الراقي والهادف وتمكن من فرض نفسه كأحد أهمّ المناسبات الوطنيّة التي تحتفي بالمسرح باعتباره أداة للتعبير وفضاء للإمتاع والإبداع. ويؤكد على أن المهرجان كان هذا العام متفرّدا في الشّكل وثريّا ومتنوّعا في المضمون من خلال برمجة عروض فنّية متنوّعة ومن خلال الحضور اللافت للعروض الدوليّة التي تراوحت بين المسرح والموسيقى والرقص والمعارض والنّدوات والورشات والتجلّيات والفنون التشكيليّة. وقال ان المهرجان حاول هذا العام الانفتاح على فئات اجتماعيّة مختلفة عبر توزيع فقرات التّظاهرة على فضاءات متعدّدة تكريسا لمبدأ الحق في الثّقافة».

ويضيف قائلا: «لقد تمكنت هذه الدورة من تشبيك العلاقات الثّقافية والمسرحيّة مع المؤسّسات الثّقافيّة والمسرحيّة العموميّة والخاصّة. وذلك بهدف ابتكار ظواهر ثقافيّة مساهمة ومساعدة للتعريف بأكثر ما يمكن من التجارب المسرحيّة وإتاحة الفرصة سواء للجمهور لمواكبة عروض مختلفة أو للمختصين لاستكشاف آخر التقنيّات والمهارات الفنيّة المعتمدة في هذا المجال.

ويتوسّط المهرجان يوم خاص للإحتفاء بالتّراث المادّي واللاّمادي لجهة الكاف الزّاخرة بالموروث الثّقافي المتنوّع. وقد سعينا لتمكين ضيوف المهرجان الكرام من الإطّلاع على هذا الموروث الثقافي والحضاري الذي تزخر به ولاية الكاف.

ونظرا لأهميّة الندوات الفكريّة ذات الصّلة والمختصّة في اثراء ونقد الفعل المسرحي وتنشيطه وزيادة تأثيره، فإننا أولينا الجانب النّظري الحظوة التي يستحقّها لما يطرحه من تجادل للأفكار عبر النّقاش والتحليل والنقد المفضي إلى استشراف أفق مغاير للإضافة والتطوير، وفي هذا الإطار يأتي تنظيمنا ندوة علميّة أثثها ثلة من الباحثين والمختصيّن دار موضوعها حول المسرح والعتمة. وفي نفس السياق انتظمت مائدة مستديرة حول المسرح خارج الركح للممثل وغير الممثل».

ويؤكد المديوني وفي إطار مواصلة النهج التكويني الذي دأب عليه مركز الفنون الدراميّة والركحيّة بالكاف من خلال مختبراته التي تستقطب شباب الجهة، هوّاة كانوا أو طلبة ومحترفين، كان للجانب التطبيقي حضورا نوعيّا من خلال تنظيم خمس ورش تكوينيّة أمّنها مسرحيّون من تونس ومن خارجها. معتبرا أنه تماشيا مع خيار المهرجان الهادف إلى تكريم فنّانين كلّ في دوره اعترافا بالمنجز المسرحي والثقافي الذي قدّموه في سبيل إعلاء مكانة المسرح وتأكيد حضوره، واعترافا لهم بالجميل، يأتي تكريم المهرجان لهذه السّنة لبعض المسرحييّن.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here