أفريقيا برس – تونس. هل الإنسان مجرد عنصر داخل منظومة كبرى، ترس صغير في آلة ضخمة، أم أنه جوهرها الحقيقي؟ هذا السؤال يبدو أنه شغل بال عدد من صنّاع السينما العربية في الفترة الأخيرة. فقد شهد العام الماضي عرض الفيلم المصري “المستعمرة” إلى جانب الفيلم التونسي “اغتراب”، وكلاهما يعيد طرح الإشكاليات نفسها التي أثارها شارلي شابلن في فيلمه الكلاسيكي “الأزمنة الحديثة” (Modern Times) الصادر عام 1936، والذي قدّم بسخرية كوميدية نقدًا لهيمنة الآلة وكيفية ابتلاع الرأسمالية لحياة العمال. غير أن المقاربتين العربية اختارتا معالجة أكثر قتامة، تميل إلى المأساة بدل الكوميديا.
ويعد “اغتراب” أحدث أعمال المخرج والكاتب التونسي مهدي هميلي، من بطولة غانم الزرلي إلى جانب مرام بن عزيزة. وقد شهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان لوكارنو السينمائي، قبل أن يُعرض لاحقا ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وهو يُعرض حاليا في دور السينما تجاريا.
حادث أم جريمة؟
يدور “اغتراب” حول محمد (غانم الزرلي)، العامل في أحد مصانع الصلب، والذي يعيش حياة روتينية داخل منظومة صناعية صارمة لا تمنح الفرد سوى هامش ضيق للوجود، وتنقلب حياته رأسًا على عقب إثر حادث غامض داخل المصنع، يودي بحياة زميله عادل، بينما يُصاب محمد بإصابة بالغة تترك شظية معدنية مستقرة في رأسه لا يمكن للأطباء إزالتها.
بعد خروجه من غيبوبة طويلة، لا يعود محمد إلى موقعه كعامل إنتاج، بل ينتقل إلى وظيفة حارس أمن، في انتقال رمزي من موقع الفعل إلى موقع المراقبة، ومن قلب الآلة إلى هامشها.
غير أن محمد يرفض السردية الرسمية التي تُحمّل عادل مسؤولية الحادث بوصفه خطأً فرديًا، ويبدأ رحلة شاقة لكشف حقيقة ما جرى، ومع تقدم بحثه تتكشف أمامه شبكة من الفساد المؤسسي، والإهمال المتعمد، حيث تتحول الرأسمالية من منظومة استغلال إلى منظومة قتل بدم بارد، لا تكتفي باستهلاك أجساد العمل، بل تفنيهم بشكل واعٍ.
لا يتعامل “اغتراب” مع جسد محمد بوصفه وعاءً للألم الفردي فقط، بل كاستعارة عن المجتمع بأكمله؛ فالجسد المصاب، الذي يحمل شظية معدنية مستقرة في الرأس لا يمكن انتزاعها، يصبح تمثيلًا حيًا لعنف منظومة تترك آثارها داخل الإنسان ثم تواصل عملها كأن شيئًا لم يحدث.
الشظية ليست مجرد بقايا حادث، بل جسم غريب مغروس في الوعي، فكرة لا تهدأ، ومع مرور الوقت يبدأ جسد محمد في التحلل ببطء؛ قروح لا تلتئم، وألم مزمن، وتدهور مستمر، في صورة تحاكي مجتمعًا يعيش حالة تعفن وهو واقف على قدميه.
بهذا المعنى يتحول الجسد إلى مساحة سياسية؛ جسد يعمل رغم ألمه، ويُطلب منه الاستمرار بدلًا من الاعتراف بحقه في الراحة، والقروح التي لا تندمل ليست علامة على ضعف فردي، بل شواهد على نظام يرفض العلاج الحقيقي، ويكتفي بالمسكنات وتأجيل اتخاذ القرارات حتى الاطمئنان إلى عدم تمرد أيٍّ من المعنيين، كما يحدث مع المصنع الذي سيُغلق دون اهتمام بالعاملين الذين سيُلقون في الشارع إلى البطالة. جسد محمد، بطل الفيلم، وهو يتحلل دون أن يموت، يعكس مجتمعًا اعتاد التعايش مع الجراح بدلًا من مواجهتها، ليصبح الألم حالة طبيعية لا تستدعي الوقوف.
لماذا لا يتحول محمد إلى منقذ؟
يضع فيلم “اغتراب” نفسه منذ بداياته داخل إطار الدراما الاجتماعية، من خلال التركيز على بيئة العمل الصناعية، وعلاقة العامل بالمنظومة، والاختلال الصارخ في موازين القوة بين الفرد والمؤسسة، غير أن السرد لا يظل حبيسًا لهذا الإطار، بل ينزلق تدريجيًا نحو مسار آخر أكثر توترًا، يقوم على البحث عن الحقيقة والسعي إلى محاسبة المسؤولية عن موت عادل، وهو ما يضفي على الفيلم طابعًا من الإثارة والتشويق، ويتحول في أجزائه الأخيرة إلى دراما نفسية تقوم على فكرة القصاص الفردي.
يحاول الفيلم وضع محمد في إطار الباحث عن العدالة، باتمان أو غيره من الفرسان المكسورين الذين يقومون بالانتقام من الأشرار وإعادة الحق لأصحابه، غير أن محمد هنا لا يواجه عصابات، بل منظومة كاملة فاسدة، وبالتالي يعجز عن إيجاد مسار واضح للخلاص الشخصي أو القصاص.
هذا العجز عن التحول إلى بطل تقليدي لا يبدو خللًا سرديًا بقدر ما هو تعبير عن جوهر التجربة التي يعيشها محمد؛ فهو لا يمتلك أدوات البطولة، والمنظومة التي يواجهها لا تختزل في خصم واحد، بل تمتد عبر شبكة من المصالح والإهمال والتواطؤ الصامت. وبهذا يفكك “اغتراب” وهم العدالة الفردية، ويضع المتفرج أمام حقيقة أكثر قسوة: أن البحث عن الحق داخل نظام مختل يتحول إلى دائرة مغلقة من المرارة لا تقود إلى نهاية مرضية.
من هذا المنطلق تصبح العناصر التي توحي بالإثارة والتشويق ليست أكثر من فخ يُستدعى فقط ليتم تقويضه لاحقًا؛ فمحمد لا يتحول إلى البطل الذي يثأر للعمال، بل تُضاعف هذه المسيرة التي يختارها لنفسه عبئًا إضافيًا يضاعف من عزلته الشخصية، ويكشف هشاشة أي تصور رومانسي عن القصاص داخل البنية الرأسمالية الفاسدة والمحصنة.
يضع “اغتراب” متفرجيه، بكل وسيلة ممكنة، في ذات الشعور الذي يغلب على محمد، أي الاختناق والعجز، وذلك عبر العناصر الفنية مثل الإضاءة، والديكور الجامد والمخيف للمصنع، وسكن العمال القذر، وكل مكان يصطحب فيه محمد متفرجيه إليه، بالإضافة إلى بطء الأحداث المتعمد، واعتماد الممثل على الصمت والإيماءات أكثر من الحوار. هذا الاختناق قد يبدو للمتفرج مبالغًا فيه، فيُخرج الفيلم من إطار التسلية تمامًا.
ويأتي هذا الإصرار على إدامة الإحساس بالاختناق على حساب الإيقاع، حيث يتحول البطء المتعمد إلى ثِقَل يدفع الفيلم بعيدًا عن المتعة، ويجعل التجربة مرهقة نفسيًا، خصوصًا مع طول الفيلم الذي تجاوز الساعتين، وافتقاده إلى حدٍّ كبير أي تصاعد درامي أو انفراجة لا تأتي.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس





