فيلم “المدسطنسي” لحمزة العوني: رحلة شباب مهمّش يشق طريق الحياة بحثا عن المعنى

فيلم
فيلم "المدسطنسي" لحمزة العوني: رحلة شباب مهمّش يشق طريق الحياة بحثا عن المعنى

أفريقيا برستونس. بعد فيلمه الوثائقي الطويل الأول “جمل بروطة” الذي تتبّع فيه حمزة العوني الحياة اليومية لشابيّن انقطعا مبكّرا عن الدراسة ويعملان في مجال تجارة “التبن” بمنطقة المحمدية بولاية بن عروس، كانت التجربة مع الفيلم الوثائقي الجديد “المدسطنسي” مختلفة نسبيّا عن “جمل برّوطة”، إذ تتبّع المخرج في “المدسطنسي” شخصيّة مثقفة ومتعلّمة هي “محرز” على مدى 12 سنة مصوّرا تفاصيل الحياة اليومية الدقيقة لهذا الشاب الذي يعكس صورة مصغّرة لمجموعة كبرى من شباب تونس.

و”المدسطنسي” هو عنوان من اقتراح “محرز الطاهر” بطل الفيلم، وهو توْنسة لكلمة “disqualifié” باللغة الفرنسية وهي تعني المستبعد. ويُطلق هذا المصطلح على الحصان الخاسر في سباق الخيل. وتدور أحداثه بمنطقة المحمدية أحد الأحياء الشعبية الواقعة في ضواحي العاصمة التونسية، وفيه يتتبّع المخرج حياة محرز منذ سنة 2005 ولمدة 12 سنة، وهو شاب مُدمنٌ على القمار في سباق الخيل، لكنه أيضا درس بالجامعة وبمراكز التكوين، وهو موهوب في مجال الرقص والمسرح.

في هذا الفيلم الذي تم عرضه الأربعاء للصحفيين، ويخرج للقاعات رسميا يوم غد السبت، بدت شخصية محرز مسكونة بالتناقضات بين الطموح والإحباط والعزيمة واليأس، وهي تشق طريق الحياة بحثا عن المعنى، وقد تجسدت في فترات الدراسة المتقطّعة والتجارب الفاشلة بأوروبا، وفي البطالة والسجن والمشاركة في الأعمال المسرحية ومقاومة ديكتاتورية الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وغيرها من المغامرات.

تبدو فكرة الفيلم في البداية عن عالم القمار في مقهى بأحد الأحياء في منطقة المحمدية، وهي منطقة شعبية ذات كثافة سكانية عالية. هذا المقهى يأتيه روّاده من عديد الأحياء المجاورة ويقضون به نهارا كاملا يراهنون على سباق الأحصنة، في هذا المقهى يلفت انتباه المخرج شخصية “محرز” وإدمانه على القمار وتعاطي المخدّرات وشرب الخمر من ناحية، لكنه أيضا فنان مسرحي وراقص ويكتب أغاني الراب.

ورصدت كاميرا الفيلم واقع شباب مهمّش ثفافيا واجتماعيا وجدت في تعاطي المخدّرات واحتساء الكحول ملاذا لها، رغم ما تتمتّع به من موهبة في مجال المسرح والكوريغرافيا. فكانت الكاميرا ترصد تحرّكات شخصياتها وحواراتها العفوية والتلقائية عن السياسة والفن والدين والمجتمع والمرأة والحب والحقوق والحريات السياسية والاجتماعية وغيرها، وهي قضايا طُرحت قبل الثورة ومازالت مطروحة إلى اليوم، بل لم تتقدّم التشريعات فيها كثيرا، لا سيّما بخصوص عقوبة استهلاك المخدرات التي أوصلت محرز إلى قضاء عقوبة سجنية لمدة 9 أشهر سنة 2009، فكانت لحظة فارقة في “المدسطنسي” لأن محرز ظلّ حاضرا في الفيلم على لسان أصدقائه وتحوّل الفيلم من وثائقي يصوّر الحياة اليومية لمحرز إلى شريط وثائقي روائي أكثر عمقا.

بين عهد ما قبل الثورة والعهد الموالي لها، ظلّ الواقع على ما هو عليه ولم يتغيّر بل إنه ازداد سوءً من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، ذلك ما رصده الفيلم في مشاهده، فحتى حياة محرز لم تتغيّر رغم مغادرته للوطن نحو أوروبا، وهي أيضا صورة تعكس مصير الشباب الذي غادر في هجرة غير نظامية بحثا عن حياة أفضل، لكنه يصطدم بواقع شبيه نسبيا بالوطن، لتتحطّم آماله وأحلامه بمستقبل أفضل.

في حلقة النقاش التي تلت الفيلم، تحدّث المخرج حمزة العوني عن مرحلة المونتاج، واعتبرها من أصعب المراحل التي مرّ بها الفيلم. وقال إن العمل استغرق في المونتاج حوالي 3 سنوات، وهو أمر ليس بالسهل خاصة وأن المادة المصوّرة ناهزت 500 ساعة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلم يتضمّن مشاهد وألفاظ عنيفة، مما يجعله موجّها بالأساس إلى الفئة العمرية ما فوق 16 سنة.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here