بورصة تونس بين صدمة السوق وإعادة تقييم المخاطر

بورصة تونس بين صدمة السوق وإعادة تقييم المخاطر
بورصة تونس بين صدمة السوق وإعادة تقييم المخاطر

أفريقيا برس – تونس. لم يكن تعليق التداول في بورصة تونس للأوراق المالية خلال يومي 28 و29 تموز/يوليو الجاري مجرد إجراء تقني بعد تراجع حاد لمؤشر “توننداكس”، بل كشف عن حساسية السوق تجاه تغير توقعات المستثمرين، وعن التحديات التي تطرحها العلاقة بين أداء القطاع المالي وقدرة الاقتصاد الحقيقي على استعادة نسق النمو والاستثمار.

موجة هبوط حادة تكشف حساسية السوق

شهدت بورصة تونس للأوراق المالية في اليومين الأخيرين تطورات استثنائية بعد تراجع مؤشرها المرجعي “توننداكس” بأكثر من 3%، ما دفع إدارة البورصة إلى تفعيل آلية الإيقاف التلقائي للتداول وتعليق العمليات مؤقتاً لمدة ساعة، وفق الإجراءات التنظيمية المعتمدة للحد من التقلبات الحادة ومنح المتعاملين فرصة لإعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية.

وسجل المؤشر الرئيسي يوم الثلاثاء 28 تموز/يوليو 2026 انخفاضاً بنسبة 3.47% ليغلق عند مستوى 19,739.81 نقطة، فيما تراجع مؤشر “توننداكس 20” بنسبة 3.69% ليستقر عند 8,684.95 نقطة.

وطاولت موجة البيع خصوصاً الأسهم البنكية القيادية، حيث تراجع سهم “التجاري بنك” بنسبة 6%، وسهم “البنك الوطني الفلاحي” بنسبة 5.99%. كما عكست حركة السوق حالة الضغط التي عاشها المستثمرون، بانخفاض 39 سهماً مقابل ارتفاع 8 أسهم فقط من أصل 54 ورقة مالية تم تداولها، مع بلوغ قيمة المبادلات نحو 11.03 مليون دينار.

ولم يكن تفعيل آلية الإيقاف الآلي مؤشراً على أزمة تقنية داخل السوق، بقدر ما كان أداة تنظيمية تهدف إلى الحد من ردود الفعل السريعة في فترات التذبذب القوي، وهو إجراء معمول به لحماية استقرار التداولات.

تصحيح بعد فترة صعود وإعادة تقييم للمخاطر

ويأتي هذا التراجع بعد فترة أداء إيجابي لبورصة تونس، اتسمت بارتفاع المؤشرات وأحجام التداول، مدفوعة خصوصاً بتحسن نتائج عدد من الشركات المدرجة، وفي مقدمتها المؤسسات المالية. غير أن الأسواق المالية لا تتحرك فقط وفق النتائج الحالية، بل وفق توقعات المستثمرين بشأن المستقبل. لذلك، فإن أي تغير في تقدير المخاطر أو في قدرة الشركات على المحافظة على مستويات الربحية يمكن أن يؤدي إلى إعادة تقييم سريعة للأسعار.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة التراجع الأخير باعتباره مزيجاً بين عمليات جني أرباح بعد فترة صعود قوية، وبين إعادة تسعير للمخاطر في ظل متغيرات اقتصادية وتنظيمية جديدة أثرت في توقعات المتعاملين.

الصدمة التشريعية وتغير توقعات المستثمرين

تزامنت موجة الضغط على الأسهم البنكية مع نقاشات واسعة حول تداعيات عدد من الإجراءات التشريعية والتنظيمية الجديدة على القطاع المالي، وفي مقدمتها التعديلات المرتبطة بقانون الشيكات، إضافة إلى الإجراء المتعلق بإلزام البنوك بتخصيص نسبة من أرباحها لتمويل آليات إقراض موجهة لفائدة الشباب والمؤسسات الصغرى بشروط تفاضلية.

وأثارت هذه الإجراءات تساؤلات لدى المستثمرين والمتابعين للسوق حول انعكاساتها المحتملة على ربحية المؤسسات البنكية، وعلى قدرتها المستقبلية على المحافظة على مستويات التوزيعات النقدية، فضلاً عن تأثيرها على إدارة المخاطر الائتمانية في حال ارتفاع كلفة التمويلات أو الحاجة إلى تكوين مخصصات إضافية.

وتكمن حساسية الأسواق المالية في كونها تتحرك وفق توقعات المستقبل بقدر تحركها وفق النتائج الحالية، إذ يمكن لمجرد تغير تقديرات المستثمرين بشأن الأرباح أو المخاطر أن يؤدي إلى إعادة ترتيب المحافظ الاستثمارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسهم القطاع البنكي التي تحتل وزناً مهماً داخل بورصة تونس.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن ما حدث يعكس وجود فجوة بين ديناميكية السوق المالية ووضع الاقتصاد الحقيقي، مشيراً إلى أن جزءاً من أداء البورصة خلال الفترة الماضية ارتبط بأداء القطاع البنكي وبتمويلات الدولة عبر السوق الداخلية، وهو ما يعيد طرح مسألة “أثر المزاحمة” بين حاجيات الدولة التمويلية وقدرة القطاع الخاص على النفاذ إلى التمويل.

القطاع البنكي في قلب المعادلة المالية

يحتل القطاع البنكي موقعاً مركزياً داخل بورصة تونس، سواء من حيث وزنه في المؤشرات أو من حيث تأثير نتائجه على ثقة المستثمرين.

وخلال السنوات الأخيرة، استفادت البنوك من ارتفاع الطلب على تمويل الدولة عبر أدوات الدين، في وقت ظل فيه الاستثمار الخاص يواجه تحديات مرتبطة بمناخ الأعمال وتكاليف التمويل.

ويحذر عدد من المحللين من أن استمرار الضغوط على المؤسسات المالية قد يدفعها إلى اعتماد سياسات أكثر تحفظاً في منح القروض، خصوصاً إذا ارتفعت المخاطر المرتبطة بجودة الأصول أو ارتفعت الحاجة إلى تكوين مخصصات إضافية.

غير أن تقييم الوضع يظل مرتبطاً بقدرة البنوك على استيعاب هذه المتغيرات، وبطريقة تطبيق الإجراءات الجديدة وآثارها الفعلية على القوائم المالية للمؤسسات.

بين استقرار المؤشرات الخارجية وضغوط الداخل

تزامنت اضطرابات السوق المالية مع قرار وكالة “موديز” الإبقاء على التصنيف السيادي لتونس عند مستوى “Caa1” مع نظرة مستقبلية مستقرة.

واعتبرت الوكالة أن احتياجات البلاد من التمويل الخارجي أصبحت أقل مقارنة بالسنوات الماضية، مستفيدة من استقرار احتياطي العملة الأجنبية الذي بلغ مستوى يغطي نحو 3.3 أشهر من الواردات حتى نهاية حزيران/يونيو 2026.

كما أشارت إلى عوامل داعمة لميزان المدفوعات، من بينها تحسن الصادرات الزراعية، استمرار تحويلات التونسيين بالخارج، وارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 14% خلال الربع الأول من سنة 2026.

لكن موديز أكدت في المقابل استمرار تحديات مهمة، أبرزها ارتفاع الدين العمومي، محدودية الحيز المالي، ضعف النمو الاقتصادي، وصعوبة النفاذ إلى التمويلات الخارجية الميسرة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية: فاستقرار مؤشرات القدرة على الوفاء بالالتزامات الخارجية لا يعني بالضرورة وجود المستوى نفسه من الديناميكية داخل الاقتصاد المحلي، خاصة على مستوى الاستثمار والإنتاجية وثقة المستثمرين.

الثقة.. التحدي الحقيقي أمام السوق

لا تختزل تداعيات ما شهدته بورصة تونس في حركة الأسعار وحدها، بل تكشف أن التحدي الأساسي الذي يواجه السوق يتجاوز المؤشرات اليومية ليصل إلى مسألة الثقة في بيئة الاستثمار. فرغم قدرة السوق على استعادة قدر من التوازن بعد إجراءات تعليق التداول واستئناف الجلسات، فإن هذه التطورات أظهرت مدى حساسية المتعاملين تجاه تغير البيئة التشريعية وتوقعات ربحية الشركات، خاصة المؤسسات البنكية التي تمثل وزناً رئيسياً داخل البورصة.

كما يظل وضوح السياسات الاقتصادية واستقرار الإطار التشريعي من أبرز العوامل الكفيلة بتعزيز جاذبية السوق والحد من التقلبات المرتبطة بتغير توقعات المستثمرين، بما يؤكد أن الأسواق المالية لا تتفاعل مع المؤشرات الاقتصادية فقط، بل أيضاً مع مستوى اليقين الذي توفره السياسات العامة والبيئة التنظيمية.

وإذا كان الاقتصاد التونسي قد حافظ على قدر من الاستقرار في مؤشرات التمويل الخارجي، فإن ترسيخ الثقة داخلياً يبقى رهن تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز قابلية التوقع في القرارات الاقتصادية، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج القادر على دعم النمو وخلق الثروة وفرص العمل.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here