حين نرى الهجمة على هوية البلاد وما تشهده المدارس القرآنية من تغليق وليس فقط إغلاق، والسعي الى فتح المطاعم والمقاهي في شهر رمضان، وعزل رجال التربية وتوبيخهم لانهم استشهدوا ببعض الآيات القرآنية، ومحاولة شطب آيات الميراث التي أسهم في التسويق لها من رئيس الجمهورية الى الاعلام الى النخب إلى الأحزاب، وتولت كبر العملية بشرى بلحاج، حين نرى ما يحدث في تونس ونستعرض ما يحدث في الجارة الكبرى الجزائر، يخيل إلينا ان بيننا وبين جارنا محيطات وقارات، والواقع ان بيننا وبينهم بعض أكداس الرمل والكثير من صلة الرحم والكثير الكثير من التاريخ والدم المشترك والشهداء.
شاهدنا هستيريا الانسياق خلف شطب بعض آيات القرآن وتخندق بعض الثوريين إلى جانب لجنة بشرى، في حين كان يفترض ان يرتضوا ما ارتضاه شعبهم، ثم نقف على تصرف رئيس الحكومة السابق أويحيى الذي يحمّله الشعب نصف الفساد في الجزائر ويعتبره من الاستئصاليين الكبار، وهو السكير المدمن وليس العابر، نقف على رده حين تم غلق اغلب الخمارات في الجزائر، وسأله بعض الصحفيين عن قطع ارزاق الناس فأجابهم” بيع الخمر ليس من مصادر الرزق في الإسلام”..
ثم حين نقف عند هذه الهايكا التي تلاحق قنوات الدعوة والتربية وتحشد لغلق قناة القرآن الكريم، وما يلاقيه هذا الهوس الاستئصالي من دعم، في المقابل نذكر الموقف السلبي الذي اتخذته وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط، في ما يتعلق بالصلاة في المدارس ، وهي التي قالت ان المدرسة للتعليم، أما الصلاة فتقام بالبيت، هذا الموقف خلف موجة من ردود الافعال ودفع بالتلاميذ إلى المواظبة على صلاة الجماعة في المدارس وتوسعت الظاهرة وتبينت حالة الغضب من خلال كمية العناد التي ظهرت في المؤسسات التربوية، ولما انتهت الزوبعة انخفضت ظاهرة الصلاة في المدارس بشكل كبير، ما يعني ان الكثير من التلاميذ الذين لا يؤدون الصلاة باشروها نكاية في بن غبريط وكنوع من الاستنفار الفطري لصالح عماد الدين.
حتى رضا مالك تم إنهاء مهامه حين تبين انه لا يساهم في استئصال الإسلاميين وإنما تعدى لاستئصال الإسلام، الامر الذي دفع احد الجنرالات النافذين، إلى القول “كل شيء يمكن التحكم فيه إلا معاداة الهوية”. وحين طالبت جريدة لوماتان بإلغاء آذان الفجر بتعلة الإزعاج، وذلك سنة 1993 ، حينها وفي مساء نفس اليوم قام رئيس المجلس الاعلى للدولة علي كافي بإلقاء خطاب، حذر فيه كل من يتطاول على الاسلام، واشار الى ان الصراع مع الإسلاميين وليس مع الإسلام، كان ذلك في ذروة الصدام مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
ومازال الجزائريون يذكرون انتفاضة الخمارات، كان ذلك سنة 2006 بمناسبة الرسوم المسيئة، عندما وصلت الاحتجاجات الى الخمارات، وصدح السكارى بعبارة تتردد الى اليوم” يتمسخروا بالـ prophète ديالنا”، ومنذ ذلك التاريخ ظهرت عادة التوقف عن شرب الخمر عند سماع الآذان.
وحدها الشعوب من تحفظ هويتها وتفرض احترام دينها، وإذا تبين أن الشعب لا يتسامح في العبث بعمقه الروحي، عادة ما تستجيب النخب وتنصرف للإبداع والإنتاج واحداث الاضافة بدل الانكفاء على استفزاز الامة في اقدس مقوماتها.
يبقى السؤال: لماذا يفرض الشعب الجزائري حالة من الانضباط في ما يتعلق بدينه، ويفشل الشعب التونسي في ترويض الأوبئة المعادية التي تتسلى بجرح الثوابت، والإجابة تبدأ من بعيد.. من هناك.. منذ أطلق بيان نوفمبر على المقاومين اسم المجاهدين، منذ أطلقوا على العربي بن مهيدي والقافلة الأولى اسم الشهداء، فيما اختار “الزعيم” الحبيب بورقيبة ان يتنصل من عبارة الجهاد وأطلق على الذين يصادمون فرنسا بالبارود، عبارة “الفلاڨة”، منذ ذلك الحين تبينت حقيقة المعركة ووجهتها، وتبين من نهض لقتال فرنسا ومن نهض لترويض من يقاتلون فرنسا.
