جوهر بن مبارك.. والشعوذة القانونية الفاخرة

بالفعل لقد تحولت الساحة الوطنية الى “رحبة” واسعة، و”سوق ودلال” ليس فقط بين الاطراف السياسية والاعلامية بل التحق بهم القانونيين، والمزايدات صارت عالية والاصطفاف لهذا او ذاك زاد في تشرذم الساحة وانحطاطها، اخر الشطحات (القانونية) تاتينا من جوهر بن مبارك الذي لطالما ادعى انه “استاذ قانون دستوري” مرة و “خبير قانون دستوري” اخرى، وهي اختصاصات غير موجودة اصلا فلا يوجد استاذ ولا خبير في القانون الدستوري..

بن مبارك للمرة الثانية يدعي ان القانون يعتبر نافذا اذا لم يختمه الرئيس في الاجال، وزيادة فهو يحرّض رئيس الحكومة على نشره في الرائد الرسمي، مركزا على ان هذه المؤسسة تابعة لرئاسة الحكومة وتعمل بأوامرها، وبالفعل فقد دخلنا عالم الرعونة والبلطجة القانونية من الباب الواسع، فان تراجعت سلسبيل القليبي عن خطئها (في تصريحها لـ”موزاييك” الاثنين 22 جويلية) بنفاذ القانون عند رفض الرئيس الختم، فان بن مبارك يبدو ممتطيا صهوة الفراغ ليطير الى ما فوق الخيال.

فاذا كان الرئيس بمنطوق الفصل 81 من الدستور الذي لا يعتمد تعابير الزامية، يعتبر خارقا للدستور بالرغم ان النص الدستوري لا يرتب عقابا مباشرا على ذلك، فلا ندري كيف لبن مبارك ان يقول بما قاله وما النص القانوني الذي اعتمده؟؟!!.. اللهم هذا الرجل اصبح يستدعي “الوحي القانوني” الذي لا يفقهه سوى هو، فالقانون سواء في تطبيقه او قراءته او تأويله يخضع لقواعد حفظناها عن ظهر قلب، وما يقوله بن مبارك بالفعل هراء قانوني لا سند له ولا قيمة له، بل هو خرق فاحش للدستور وأشنع مما أتاه السبسي، بمواجهة “الخرق” بـ”الخرق”.. في معركة صارت مفتوحة على كل الاسلحة التي اغلبها غير مشروعة..

لا يمكن الحقيقة اعفاء الرئيس من خرقه للدستور، ولو أنه يمكن ان يقدم اعذار وتعلات عديدة لذلك، ويمكن ان يجد تأويلات قانونية في ظل معركة التصفيات بالقانون بين الاطراف السياسية، ولكن اختصاص ختم القانون واختصاص الاذن بنشر القانون بالرائد، هما اختصاصان حصريان لرئيس الحمهورية وفق منطوق الدستور في فصله 81، والقاعدة الاصولية (وهي تفوق القاعدة الجوهرية) القانونية تقضي، بأن “لا اختصاص بدون نص” اي لا يمكن لجهة او شخص ان يتحوّز اختصاص وصفة بدون نص (اي بدون قانون او ما يتفرّع عنه).

والا دخلنا حالة الفوضى العارمة التي لا نظام ولا استقرار بعدها، وهذه القاعدة تهم اصلا النظام القانوني برمته والنظام العام الذي يرتبط باهميتها ووزنها، مثلها مثل قاعدة فصل السلط التي تقسم الصلاحيات بين السلط الثلاث، بن مبارك ادعى ان الرئيس بعدم امضائه لا يمكن التصدي لخرقه هذا، وهذا غير صحيح لان الدستور اذ لم يرتب مباشرة جزاء على الخرق، فهو منح الطرف المقابل (السلطة التشريعية) امكانية اعفاء الرئيس بسبب الخرق الجسيم للدستور باغلبية ثلثي الاعضاء، وذلك وفق منطوق الفصل 88 للدستور الذي يوجب ان المحكمة الدستورية هي من يقر الخرق الجسيم باغلبية ثلثي اعضائها..

بن مبارك الذي يريد ان يرضي اصحاب طلب الفتوى، في قناة الشاهد (التاسعة) الذين اتاحوا له الركح للقام بهذا الصطمبالي (القانوني)، يعلم ان هذا الفصل لا يمكن تطبيقه لان المحكمة الدستورية غير موجودة، فهو مثل المنجّم تارة يلجأ لاستدعاء الفصول المتعلقة بصحة الرئيس، ولما يفشل يلجأ للرعونة والشعوذة القانونية عبر استدعاء النظرية الوهمية في “نفاذ القانون”، الغير موجودة سوى في قاموس التنجيم القانوني، وهو العالم ان لا المطبعة الرسمية تقبل بنشر القانون دون ختم الرئيس، ولا بافون وهيئته يمكن ان يقبلوا بتنفيذ قانون غير مختوم، ولا المحاكم عند الطعون ستقبل بهكذا خرق بواح للدستور ولكل الاصول القانونية..

واذ يتوجّب الاشارة الى أن القروي وتراس (عيش تونسي) تحيلوا بجسارة وفحش على القانون، ووظفوا كل الالاعيب الدعائية والاشهارية والمساعدات العينية والمادية، فمن جهة احزاب الحكم اليوم هي التي سمحت لهم بذلك، سواء مباشرة بغض النظر عنهم وحتى بتشجيعهم فالنهضة نددت في وقت ما عبر مكتبها التنفيذي بقرار “الهيكا” غلق قناة نسمة، لما كانت المصلحة قائمة والتهديد لم يكن وجوديا مثلما صار اليوم حسب استبيانات الراي، او غير مباشرة من خلال نتائج الحكومة التي صنعت الفقر والبؤس والتشريد في كل مكان، واستثمر فيه المتلاعبون بشطارة كبيرة، ومن جهة اخرى هذه الاحزاب ذاتها تمارس في هذا الامر بشكل مقنّع عديد السنين..

واذ يتوجب الاشارة الى ذلك فاليوم مواجهة “التحيّل على القانون” يتم من الحكومة بـ”التحيل بالقانون”، الامر الذي استدعى دخول الرئاسة على الخط للمناكفة والتعطيل، ودخلت على خطهم خدمة الشعوذة القانونية، ولا يمكن الاستغراب في الصدد فقد غرقت الساحة في تعفن عميق، وصار كل شيء مبنيا على باطل واليوم تذبح الاخلاق والقيم السياسية من الجميع، والكل يدعي العفة والشرف وامتلاك الحق وايضا الحقيقة، في ساحة صارت مرتعا للمنجمين.. والافاكين.. والانتهازيين.. على حد قول ابن خلدون في توصيفه لحالة انهيار الدول..!!

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here