سابقة خطيرة في تاريخ النهضة

مرت حركة النهضة بمحن ومطبات أبلغ واخطر واشرس بما تمر به اليوم، محن القتل بالقانون وخارج القانون، محن السجون، محن التهجير ومحن الاعتقالات ثم والاصعب محن إدارة أزمة التسعينات وسبل الخروج منها أو الحد من تداعياتها، كانت تلك ازمة انجبت طفرة من الشهداء وخلفت جيوشا من المعطوبين وأحالت الآلاف الى رميم بعد ان طحنتهم مكينة الدولة الشمولية، ونتيجة لتلك الأزمة تباينت الآراء حول سبل العلاج، وتشنجت المواقف ودب الخلاف، رغم ذلك ظلت الحركة متماسكة لأن قواعدها كانت مشبعة بثقافة ادارة المحنة، وكانت تعول على رصيدها من الصمود الأعزل، فهل تنجح النهضة في تجاوز محنة الموت ، وتسقط في محنة الحياة؟!

الى حد هذا التوقيت لم تسقط النهضة ولكنها ارتخت ومالت وجنحت، نتيجة خلافاتها حول التدخل السافر للمكتب التنفيذي في القائمات واعادة الانتشار الموجعة التي أقدم عليها المكتب، كان التذمر يلوح من جنس الاختلاف المحمود، حالة من الغضب او عدم الرضا تشق الجسم، قيادات ترفض اللوائح ، تطورت بعض أصوات الرفض الى التشنج والتفلت، ثم كان المأمول ان تسكت الضجة الخارجية ويعود التدافع إلى الأروقة بعيدا عن مشاغبة حاضنة مرهقة أضناها التشويش الإعلامي وأربكتها هجمة الأحزاب ومراكز النفوذ الداخلي والخارجي، محاضن وقواعد هدها التشكيك الطويل والمركز والماكر، فأصبحت حساسة تتأذى من إشارات بعض رموز الحركة السلبية وما يتخلل تدويناتها من تحريش أقرب الى التنفير، يدعو بشكل غير مباشر واحيانا باشكال مباشرة الى الزهد في نهضة باتت غير ديمقراطية تسيطر عليها ثقافة الاجنحة، وتغلبها المصالح الضيقة والشخصية، وفق اشاراتهم الظاهرة والباطنة.

تلك رسائل تصل تباعا الى قواعد النهضة خاصة وإلى المجتمع التونسي عامة، ترسل من على بعض المنابر الاعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، يدرك أصحابها أنهم بصدد القيام بحملة انتخابية ضد النهضة في الوقت الذي أطلقت صفارات الحملات الانتخابية للاحزاب وإن كان بأشكال غير رسمية، يفعل البعض ذلك في سباق محموم نحو رذيلة التفكيك، إنهم يصرون على استدعاء مخزونهم النضالي المشرف للقيام بمهمة غير شريفة، ولربما تناقلت عما قريب وسائل الاعلام اخبار الرحوي النهضاوي ومرزوق النهضاوي وقسيلة النهضاوي والعبدولي النهضاوي واللومي النهضاوي.. وكل الذين خرجوا على وسائل الإعلام يشنعون وأحزابهم ويتحدثون طويلا عن الانحرافات الخطيرة وخيانة أمانة الشعب، وأن أصواتهم بحت من دعاوي الاصلاح لكن لا من مجيب،حتى اذا اعلنوا يأسهم من احزابهم وجبهاتهم، شوهوها وافشوا اسرارها ثم تحولوا الى ارقام متراقصة في شقوق شبه ميتة، لينتهوا بالطواف على هذا الحزب أو ذلك يعرضون بضاعتهم المزجاة.

مؤشرات خطيرة ومفزعة، تشير إلى أن بعض الرموز النهضاوية النقابونضالية التي عُرفت بوقوفها في وجه الخوصصة والعمل بكد للحفاظ على عمومية المصنع النهضاوي، وغالبت من أجل توزيع السلطات وترسيخ سيادة القانون والمؤسسات داخل المصنع العريق، يبدو طال عليها الأمد فانحرفت بقوة وبسرعة، وتلوح تخرج من أروقة التحسين والتثمين والترشيد الى اروقة تصفية المصنع ووعد العمال بمصانع اخرى جميلة ومهذبة وناجحة ومكتسحة والى ذلك من المرويات التي وعد بها محسن مرزوق المليون مرا التابعة للنداء ومضى في حلمه بعيدا حتى استفاق وهو يلقّط ما تساقط من متاع عبير موسي، فلعنته المليون مرا ولعنه النداء ولعنته ساحة ما بعد 2014 إذْ دشن فيها وباء الانشقاق.

بعض الأبطال الذين قهَر صبرهم قهْر بن علي، وصنّفوا من عناقيد النضال، يقترفون اليوم ما اقترفه كسيلة مع التكتل، وما اقترفه محسن مسحن مع الاتحاد الوطني الحر،بل يقترفون ما اقترفه الرئيس الذي انشق عن حزبه”نجيب الشابي” وانتهى الى متسول على قارعة القوى السياسية، انهم ينشقون ويروجون للانشقاق من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، منهم من انشق بنية سليمة وفشل في بناء البديل”عبد الرؤوف العيادي” ومنهم من انشق “عن المؤتمر” بنية ماكرة فالتحق بالنداء ليسهم في انشقاقه “عبد العزيز القطي”، وانه ليس من الغريب أن يتحول المرتزق الى خصم لحزبه، بل الغريب ان يتحول المناضل الى نشر اللمز والغمز والنميمة في حزب يتأهب لانتخابات مصيرية له وللبلاد.

لا شك يدرك المشفق النزيه أن تجربة الانتقال الديمقراطي تحتاج نهضة قوية متماسكة، ولا شك يدرك أبناء النهضة ان الذين يسعون بصدق الى علوية المؤسسات وتطويع التنظيم الى القوانين الداخلية، هم من أكثر المناضلين خوفا على وحدة الحركة،وأقلّهم وشوشة في الفضاءات العامة، ولا شك يدرك القاصي والداني أن النهضة تحتاج إلى إصلاحات داخلية، كما يدرك ذلك القاصي وهذا الداني ان الذين يروجون للانشقاق كوسيلة للإصلاح، إنما هم يفرون من تكاليف الإصلاح المضنية الطويلة الى شهوة الانتقام، ذلك الطريق الأسرع نحو تسكين الغضب وتلبية حاجيات التشفي…والذي يسعون الى اسقاط الجسم وافشاله لأن رياحه لم تجر بما تشتهي سفنهم، هم تماما كالذين يعملون منذ 2011 على إسقاط الثورة لأنها جاءت بما لا تشتهيه أوبئتهم الأيديولوجية.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here