لماذا يصفقون في الجنازة؟ لماذا يكتبون على روحك السلام؟ لماذا يدعون الى تنفيذ رغبة الباجي في تغيير أحكام المواريث؟ لماذا يأتون بفساتين استعراض وبكلاب الكانيش وبملابس شبه عارية لحضور الجنازة؟ لماذا يلتقطون الصور التذكارية على هامش الجنازة؟ لماذا يقومون بحملة انتخابية أثناء الجنازة؟ لماذا يقومون بعملية تصفية إعلامية لبعض الشخصيات وترقية اعلامية لشخصيات أخرى إبان الجنازة؟
كلها أسئلة مفهومة لكنها غير واقعية، منقطعة تماما مجافية لحقيقة المشهد، هذه ليست جنازة لتونس العميقة كجنازة غاندي للهند العميقة وجنازة تشافيز لفنزويلا العميقة وجنازة الخميني لإيران العمقية..هذه جنازة لا تعتمد على طقوس تونس العميقة، جنازة نخبة موجودة في البلاد نتعايش معها وتتعايش معنا، نخبة كنا نعاديها وتعادينا، تحكمنا وتُحكم قبضتها على الحكم والثروة، لم تترك لها مشاغل ادارة السلطة المزمنة وادارة المال الكثير فرصة للتعرف على ثقافة بلادها وشعائر شعبها، يُحسب للباجي انه نجح في تقريب الهوة من خلال النزول المترفع الى حركة الشارع، وإرساء لغة سهلة نجح الوسطاء والوكلاء في تبليغها الى شرائح واسعة من المجتمع، لكنه ظل في موقعه وفيا لنخبة السلطة والمال.
ما وقع خلال الجنازة ليس غير ثقافة المتغلب السياسي والمتغلب المالي والمتغلب الاعلامي والمتغلب التاريخي، نحن لسنا بصدد جنازة محكومة بكليات عقدية وتفاصيل فقهية، بل نحن في حضرة جنازة محكومة بالاتيكيت وبعض العادات الارستقراطية تهيمن على كل ذلك ثقافة المتغلب، والاكيد ان جنازة السبسي لن تخالف تقاليد الجنائز التي قدم أصحابها الى السلطة من قمرة القيادة التاريخية، بخلاف أولئك الذين صعدوا الى السلطة من زحام المجتمع، كان يمكن ان نفزع للكثير من السلوكات لو كانت الجنازة للرئيس السابق المنصف المرزوقي، لانها مصادمة لتونس العميقة التي قدم منها، أما تقاليد الجنائز التابعة لتونس الخاصة فهي متجانسة تماما مع ما رأيناه خلال قيلولة السبت 27 جويلية 2019.
تلك جنازة عادية جدا تستجيب لكراس شروط النخبة التقليدية المتحكمة والمتنفذة منذ خمسينات القرن الماضي، تلك النخبة التي فقدت مقود السلطة لثلاث سنوات “2012-2014ّ” ثم استرجعته على طريقة الفنسو مع ملوك الطوائف، لذلك علينا ان نتعود بتونس جديدة متنوعة، فيها الجنائز النابعة من العمق الديني وفيها الجنائز النابعة من الفلكلور الديني، فيها الشهادة الدينية المسكونة بجزاء الآخرة وفيها الشهادة الادبية التي يهمها وسام الشهيد في الدنيا وتنازلت كليا عن نصيبه في الجنة، فيها الساعي الى صلاة الفجر تعثّره العواصف، وفيها الراكب الى ليلة قدر فلكلورية الأبعاد استعراضية الإخراج، فيها العادة وفيها العبادة.
نحن اليوم أغلبية مطلقة تسودنا ثقافة الأقلية، وعليه يجب ان نتعايش مع الجنائز الفلكلورية، في الأثناء علينا ان نجتهد اكثر ونحشد الشروط حتى ننقل الثقافة العميقة الى السلطة ومنها الى سائر فضاءات النفوذ، فنصبح في حضرة شعب يمارس هويته وفق ضرورات تاريخية، تعيش معه وبينه وفي ثناياه نخبة تمارس طقوسها وفق متطلبات الحرية. إذا على روحك السلام أيها الرئيس الراحل، حتى يأتي ما يخالف ذلك.
