أيمن عبيد من ألمانيا
يا سيادة الرئيس،
لا أعلم كيف كان لقاءك مع الأقدار لأول مرة. ولا أعلم ان كنت انت من راودها عن نفسها، أو كانت هي من طرق ابوابك، لتصطحبك في طريق طويل، بعد أن امضت معك على “فرمان” حلفٍ مقدّس بينكما، والأرجح ان هذا كان يوم قدومك إلى الدنيا في حضرة سيدي “بوسعيد الباجي”، او ربّما كان هو بذاته وسيط الخير بينكما، وعدل الاشهاد على ذلك العقد، وآخذ الأحلاف والمواثيق على كليكما، أو لعلّه هو اسمه الذي كنّيت به، تيمّنا وتفاؤلا، من جعل حسن الطالع يطاردك طيلة حياتك، ويحاصرك أينما حللت أو نزلت، ليفرض عليك إملاءات مَجْدٍ، لم يسبقك إليه أحد قطّ، من حكام إفريقية.
ولكن الثابت والأكيد، أن عقد قرانك على حوريّة السياسة الملعونة، في أرض العبادلة السبعة، لم يكن اسلاميّا البتّة، فما كان فيه مخرج الطلاق مكفولا، ولا فكّ الارتباط بها حلالا مبغوضا، إنما كان زواجا على الطريقة الكاثوليكية، لا فصال فيه ولا فراق، إلا فراق الموت.
لقد كنتَ في أحيان كثيرة محمولا على ملازمتها ما حييت، ولستُ على يقين ان كنت في هذه بالذات بَخِيتًا، اما فيما عداها، فأنت يا سيادة الرئيس لا ريب محظوظ، وانت لاشك لمحسود.
فلا شكّ أن هذه الأمة، يوم كانت تخطو خارج خيمة السّبي الكولونيالي، وحينما كانت تحاول نفض ردائها، لعلّها تنتزع منه شوائب وآثار، من هتك سترها من الرّجال البيض، قد كانت حُبْلى بأبطال كثر. فقد أنجبت لنا أثناء مخاض الاستقلال وبُعيده، عمالقة وزعماء، لا يقلّون عنك عزما ولا جرأة ولا صلابة أو دهاء، ولا أحلاما او خيالا، بل لعلك -مع احترامي الشديد- لا تضاهي أحدا منهم في أيّ منها.
إلا أن كل أولئك الجبابرة الكبار، بداية من بورقيبة وعبد الناصر، وصولا إلى بن بلّة وصدام حسين وغيرهم، كانوا بقاماتهم الفارعة، لا يترجّلون الا صغارا، وبهاماتهم المنتصبة، لا يغادرون صدارة المشهد إلا أقزاما، فلا يخرجون الا من أبواب خلفيّة صغيرةٍ، بعد أن ورّثوا أوطانهم الويلات، مخلّفين لشعوبهم، الفوضى والحروب والهزائم، او العداوات والتّيه والشّتات.
ربما لأن داء النّهم هو الذي أصابهم، فقد كانوا يستغرقون في مائدة العَظمة والأمجاد، فيلتهمون وجباتها المغرية دفعة واحدة، عن بِكْرةِ أطباقها، فما كانوا يقومون منها، إلا وقد أنهكتهم التُّخمةُ، فما يلبث أحدهم، أن يتقيأ كل ما تناول من أمجاد، أو هي بالأحرى التي كانت تتقيّأه وتلفِظه.
أما أنت يا سيادة الرئيس، فقد كنت تأكل الأمجاد على مهلٍ، قطعة قطعة، ولا بدّ أنك تركت القطعة الأشهى والأكبر، للوجبة الأخيرة، وجبة الوداع.
واني لا أشكّ في أن الأقدار، هي التي عكفت على تصميم هذا البرنامج الغذائي المُتقن والصحي لك، وهي من أجبرك على اتّباعه والالتزام بحذافيره، فقد كانت مواعيدك مع وجبات المجد محكمة المواقيت متباعدة، وموزّعةً على مداد قرن بأكمله، فَسَهُل عليك الهضم، ووُقيت شرّ أن تتقيّأه أو يتقيّأك.
لقد كنت محظوظا يا فخامة الرئيس…ولا شك انهم يحسدونك.
لا شك أنك قرأت كتاب الأمير لماكيافالي يا سموّ الرئيس، ولا شكّ انك أخذت منه الكثير، ولكنك في هذه بالذات، قد بعثرت احدى قواعده وهدمتها، ربما لأنك إلى حد الآن استثناء محفوظ، لا يقاس عليه. فقد كتب “ماكيفالي” في صدد تعداد حصون الحاكم، أن احصن الحصون التي يمكن لحاكم ان يحتمي بها، هي قلوب شعبه…
أما أنت فقد عكست الآية او كدت، فقد وصلت إلى الحكم منتخبا لاريب، وكان لك طوال فترته مريدون ومحبّون تملّكت أفئدتهم من دون شكّ، إلا أن تلك الدائرة قد استمرت في انحصارها، حتى اقتصرت على شق من شقوق حزبك المتبقّية، فلم يطل غيرك من حكام العرب في العلن، ما طالك من طعن ولعن، لقد وصمت بأشد الأوصاف، من الزندقة والافك، والتخوين والتسفيه وحتى التكفير، لقد سُلقت مرارا وتكرارا بأقلام أشحّة على الخير، وسكب ماء وجهك حبرا على أعمدة الصحف، ولاكتك ألسن المشككين في الفضائيات، حتى ممن كان في أمس قريب، من أقرب مقرّبيك، بل انك قد تحولت إلى فقرة هزليّة بالكاد تغيب عن أي عمل كوميدي أو ركوح مسرحيات “الوان مان شو”، إلا أن خروجك من الحكم، كان مدخلك إلى قلوب المحكومين جميعهم، دفعة واحدة.
لقد كان الحظّ السعيد دليلك، في فيافي الحكم الموحشة، وحتى لو استنجدت بأعتى مراكز الأبحاث و اشهر خبراء المآلات السياسية، لما كانوا ليهندسوا لك خاتمة أكثر تشريفا من هذه، وحدها الاقدار التي ارشدتك الى باب الخروج الكبير، لتضع قاعدة جديدة:
“أنه لا يليق للزعيم ان يدفن، الا في قلوب الجماهير”
لقد تحرّرت روحك من أسوار قصر قرطاج، لتغزو قلوب كل القرطاجيين.
انك لا شك محظوظ يا صاحب السعادة والسمو، وانك لا ريب من المحسودين.
فإننا شعوب من عجينة ميطافيزيقية عجيبة، فيظهر أننا لا نحبّ الا من يتسنّى لنا شتمهم، اذ اننا كثيرا ما نعبّر عن الإعجاب والحبّ او حتى الغزل عن طريق الشتيمة، كأن نقول: “ما أحلاك أيها الملعون” أو “يلعن أبو زينك.
فقد كنا سابقا لا نتجرأ على سبّ الحكام في العلن، ولكنهم ما ان يموتوا حتى نشبعهم لعنا. يبدو اننا حتى نحبّ اي كائن بشري، نحتاج أولا الى افراغ ما يعتمر نفوسنا من شحنات الكراهية الآلية اتجاهه، أفلسنا نحن من يقول: “لا محبّة الا بعد كراهية”.
يبدو انك عندما كنت مجبرا على تجرّع الإساءة وتقبّلها، من أبناء شعبك ونخبه، كنت ايضا محظوظا يا سيادة الرئيس، فقد كانوا حينئذ، يرتبون لك بيت الخلود في قلوبهم.
يا فخامة الرئيس، في مرة من المرّات، وفي زلّة صدق نادرة، سألتُ من أصبحتُ أعتبره صديقا ورفيق درب لي، عن السبب الذي دفعه ليثق بي، وكل منّا حديث العهد بالآخر، فأجابني بسرعة مذهلة، وكأنه كان متلهّفا للإجابة أكثر منّي، أو وكأن الجواب كان محشوّا في طرف حَلْقه، يستنظر سؤالا يحرّره، فقال:
“أنا مجبر على أن أثق بشخص ما، والا لتحوّلت دنيايا إلى جحيم”
ورغم ما تعودته منه من رصانة، الا انني فوجئت في تلك اللحظة، اذ خيّل لي لوهلةٍ، وكأن حكمة الاغريق قد استولت على لسانه، فجعلته لبرهة ينطق برتبة، واحد من جهابذة الفلسفة وعلم المنطق، ففهت سرّ اندفاع القول لديه، لقد كانت اجابته عصارة حكمة وخلاصة تجربة ممحّصةٍ، جعلتها ترتقي إلى مقام العلم الذي لا يجوز كتمانه، وافشاءه بين الثقات واجب.
نعم يا سيادة الرئيس، فنحن بعض من هذا الجيل الجديد المستجدّ على عالم السياسة، جيل لا تروقه جلّ سلوكات جيلك، ويتذمر من أغلب أفعالكم، ولكنه لا يفوّت فرصة في نهل الدروس منها، فنحن جيل اجتمعت فينا بعض الفضائل، وكمّ هائل من النقائص، ولكننا نتعلّم بسرعة ونحسن الملاحظة.
ومن ضمن ما أدركنا، ضرورة ان نحيط أنفسنا ببعض الثقات، حتى لا تتحول دنيانا إلى جحيم، أو بالأحرى حتى نحوّل، ولو قطعة صغيرة جدا، من جحيم السياسة الذي دخلناه طوعا، إلى مساحة هدوء وسلام، مساحة يسعنا ان نفكّر فيها بصوت عال، فخارجها لا يمكن لنا في أكثر الوضعيات اريحيّة، أن نُفرج على أكثر من نصف ما نفكّر فيه، وهذا في الحد الأقصى، انها تلك المساحة الخضراء، التي يجتهد كل سياسي في إرساء أركانها حوله، مساحة نقيّة المناخ والهواء، هي اشبه بالجزيرة الصغيرة النائية، يعود إليها كلما انهكه خبط الأمواج، ليملأ رئتيه اكسيجانا، قبل أن يعاود حبس انفاسه، ليغوص مرّة اخرى في بحر الأوحال والأكاذيب، انها نافذة صغيرة، والمنفذ الوحيد إلى شيء من الحرية والصدق والمعلومة الموثوقة، يسمح فيها لذهنه وحواسه، أن تستريح من حالة التحفّز الدائم والجاهزيّة القصوى، ويرخي فيها عمدا لمشاعره وانفعالاته شيء من عنانها ويفكّ لجامها نوعا ما.
انها بكل اختصار فضاء ضروري، تلتقي فيه السياسة بالسياسي الإنسان، ليسمح هذا الأخير لانسانيته ان تتفلّت في أقدار من الحرّية داخلها، إلا انه ككوب الماء النقي، تفي شائبة واحدة بتدنيسه، فان تسرّبت إليه الدسائس والضغائن، فسرعان ما تتحول تلك المنحة، إلى محنة سجن ملعون.
يكفي ان تتسرب اكذوبة واحدة، لتجرّ وراءها سربا من الأكاذيب، فحينما يرتطم المرء بالكذبة الأولى، ستبدأ صعوباته مع قول الحقيقة كاملة، وحينما يكتشف الكذبة الثانية، سيبدأ بدوره، في الانخراط في الدائرة الشيطانية للملاوعة والمناورة، عندها تبدأ الحقائق في التضاءل ثم التلاشي، حينها تبدأ الهوّة بين السياسي والواقع في الاتساع، فإن حصل ذلك، فقد شدّ رحاله رسميّا نحو الهاوية.
اظن ان هذا يا سيادة الرئيس، يصبح قدرا محتوما، لا مهرب منه، اذا ما تباعدت المستويات والمقامات(فكرا، ثقافة، جاها، سلطة، مالا، علاقاتا…) بين السياسي وبقية عناصر دائرته الضيّقة، فأغلب الظنّ أن الصدق على عكس الماء والكهرباء او حتى القوة، لا يجري من المرتفعات منحدرا نحو النقاط الأكثر انخفاضا، ولا يسعه الصعود في الاتجاه المعاكس كما يفعل “الإلكترون” أثناء حركته داخل الدّارة، إنما هو ينساب فقط في صورة واحدة، اذا ما وجد له قنوات تتطابق مع الخط الأفقي او تكاد، بين نقاط متقاربة في المستوى والمقام أو متكاملة فيما بينها.
وانت يا سيادة الرئيس، قد اعتيلت رأس الدولة، فإرتفعت فوق الجميع، ولقد بلغت من العمر عتيّا، فزادت الفجوات الجيلية التي ثلّثتها، في المباعدة بينك وبين واقع محكوميك، اني أكاد أجزم انك في الخمس السنوات الفارطة، كنت أكثر سكان الخضراء، تعرضا لوطأة العزلة، فلا يعزل شيء ابن آدم، أكثر من التقدّم في السنّ، والتقدّم في رتب السلطة.
إني لا أتبنى السردية البلهاء لمنتسبي الماكينات المزايدة، وأصحاب الحسابات السياسويّة، ولا أنا من هوات سيناريوهات المؤامرة، ولست من أولئك الذين وصفوك منذ أيام بالرهينة والمخطوف، ولكني على قناعة بأنك كنت طيلة الوقت، محاصرا بمزيج من أطواق التملّق والأكاذيب والسذاجة، فكلّها افرازات التصفية على أساس الولاء، فالناس ان تسابقوا في مضمار الولاء، تصنّعوا وتكلّفوا ومات كل حسّ إبداعي فيهم، إلا ابداع النفاق فسيبقى وستزدهر صناعته وأسواقه من حولك، ولذلك انا على يقين أن خناق العزلة كان يشتدّ حولك وان خيطك إلى الحقيقة كان قد انفلت من بين أصابعك.
نعم أغلب الظنّ انك كنت في طريقك ككل من سبقك من عظماء العرب إلى نفس الهاوية والخاتمة الصغيرة، ولكن الأقدار قد تلقّفتك مرة أخرى لترتفع بك منقذةً كما فعلت معك دائما.
فلا شك انك محظوظ يا سيادة الرئيس…ولا شك أن الجميع يحسدونك.
لقد كنت محاصرا بالشكوك وكوابيس الخيانة، ولا اظنك كنت تثق في من يحيطون بك، فقد تحول أربعة على الاقل من امناء اسرارك ومدراء ديوانك، إلى قادة أحزاب منافسة، وهذا مهندس صورتك الإعلامية ينضمّ اليهم أيضا، لقد تحولوا جميعا إلى أرواح شريرة تطاردك، وتحشرك في زاوية الخطيئة الكبرى، تلك الخطيئة التي أصابت كل عمالقة العرب من أصحاب المشاريع السياسية الضخمة، وجعلتهم ينتهون أقزاما إلى مربّع السياسوية الضيقة والصغيرة.
انها خطيئة “سياسة المحارم” يا سيادة الرئيس، انه الاستئثار إلى عصبية الدم والقبيلة.
لقد بدأ صدام حسين بمشروع قومي يسع الأمة العربية من خليجها إلى محيطها، ثم بدأ يحاصر نفسه، بداية حوصر في عراقه، ثم انكمش داخل الطائفة السنّية، ليصبح مرتهنا لأهل تكريت، ومن بعد ذلك لعشيرته من آل المجيد، ثم انكفأ داخل عائلته الضيّقة، حتى انتهى به الأمر ليفرّق بين ابنيه، لقرر إتمام بقية حياته في حمى قصيّ، حتى دخل عليه الاغراب وحاوطوه طريدا، في سرداب أو مزرعة، كل تلك تفاصيل جزئية، اما الخلاصة العامة، فقط كُنْتَ ايضا على نفس هذا الطريق تسارع الخطوات.
إلا انك يا سيادة الرئيس كنت محظوظا…ولا شك انهم يحسدونك الآن.
الم يزجوا بك يا سيادة الرئيس في أكثر من مرة في ألاعيب صغيرة، لا يتسع المقام لتعدادها، لكن آخرها كانت تلك المتعلقة بعدم إمضاء القانون الانتخابي الجديد في آجاله، الم يسقطوك يا سيادة الرئيس منذ أيام في خطيئة خرق الدستور، وانت حاميه؟ الا توافقني بأنهم بغبائهم وانتهازيّتهم كانوا يدنّسون مرقدك؟
إلا أن أقدار السماء أبت الا ان تنجدك، فترتفع بك في معراج يغسّلك، بالماء والثلج والبرد، ربما في كفن ولكنه ناصع نقيّ من كل شائبة.
لقد كنت من أصحاب الرأي والرؤى، ولكني عندما أشاهد من احطت بهم نفسك، أو من حاوطوك وأحاطوا بك، فإني لا أستطيع تأكيد ملكات خارقة لك في هذا المضمار، ربما اكلت السنين الجزء الأعظم منها، فماكيافيلي يقول:
“ان اردت ان تعرف ذكاء حاكم ما، فأنظر إلى من يحيط به من رجال”
ولذلك فإني لا أستطيع أن ارد نصرك الكبير، في نصيبه الأكبر، إلا إلى حليفك الأزلي.لا شك أنك محظوظ…ولا شك انهم يحسدونك يا سيادة الرئيس.
إني يا فخامة الرئيس لا أعدك بجنان الخلد وفردوسها، فذلك غيب لا علم لي به، ولكني أدعو الله، ان يجمعنا بك على حوض المصطفى صل الله عليه و سلم.
كما أني لا أعدك بجنات التاريخ، فذلك قاض لا تعرف الرحمة إلى قلبه طريقا، وهو الذي يعرفه فيلسوفه هيجل بالعقل، اني في الحقيقة لا أعلم ان كان له قلب من الأساس. وما هي إلا برهة ان طالت او قصرت حتى تُستلّ الأقلام، وتبسط الصحائف، لتمحّص في سيرتك ومسيرتك، وذلك جوهر منجزك، فلن تكون مجرد نقطة أو بعض الفواصل في كتابه، إنما سيفتح لك فصل يليق بمقامك، كواحد التحق بنادي عظماء هذه الأرض، فقد خرجت وكأنك بطل في أولمبياد السياسة، مثقلا بميداليات الارقام القياسية. بل احسب انك قد أدركت كل ما يمكن أن يدركه رجل السياسة في مثل هذا البلد وهذا العصر، وأنك قد حققت بتخطيط حينا، وعن غير قصد اوسابق اضمار في أحيان كثيرة، كل احلامك وطموحاتك الشخصية.
انك محظوظ يا سيادة الرئيس.. وانهم لا ريب يحسدونك.
لا أعلم ان كان غيرك قد جمع في جرابه الرئاسات الثلاث للدولة، أو شارك من اي موقع مرموق، في عملية التحرير ومن ثم البناء والديمقرطة. ولا بد انهم قلائل من أسسوا تيارا سياسيا وتزعّموه، ومن ثم نجحوا في الإفلات من سجنه التنظيمي، ليرتقوا زعماء وطن بأكمله، لقد نعاك الجميع بكلمات تنبع من سويداء قلوبهم، فقد اتت التعازي من حصون ماركس ولينين، وتصاعد الدعاء لك بالرحمة من مضارب سيد قطب وحسن البنّا، فحتى حركة حماس قد نعتك يا سيادة الرئيس، وحتى الخنساء قد رثتك، وقد أصبحت كأول رئيس منتخب، لا ينافسه في الحضوة لدى جماهير الوطن، الا المنتخب القومي، في احسن اوقات شعبيته.
لا بد انك محظوظ يا سيادة الرئيس…ولا بد انك محسود ايضا.
ان من كتبوا في سيرتك، كثيرا ما يشيرون، إلى انك حين انضمامك للدستور الجديد، كنت كغيرك من شباب العاصمة، من المنطوين خلف محمود الماطري رئيسه الأول، ثم بعدها كنت في خط المعارضة التي كمنت للزعيم بورقيبة في مخدعه، فقد كنت من رجالات الماجدة المقربين ولكنك في نفس الوقت لم تخسر رضا المجاهد الأكبر، ولم تخرج عن طوعه كما فعل زملاءك في الخط الليبرالي، حين تأسيسهم لحزب الديمقراطيين الاشتراكيين، الذي قاده ذلك البلديّ الألمعي، وأول حاملي لواء الديمقرطة بعد الاستقلال، أحمد المستيري.
كثير هم المشككون في نواياكم الديموقراطية، التي يعتبرها البعض مجرد مسوّغ أخلاقي، تَلْتَحفه معارضة بلديّة، مأربها الرئيسي، هواسترداد الحكم من السواحلية.
ولا يتسع مقام الحال، للإدلاء برأي في مزعمهم ذاك، الا انك في كل الأحوال قد أصبت الاثنتين، فقد استعدت السلطة بعد 8 عقود لأهل حاضرة الحسينيين ، وأنت سليل مواليهم كما يدل على ذلك لقبك، كما انك لم تترجّل عن فرسك، الا وقد اوفيت بآخر ما يقع على عاتقك من مهام اتجاه مسار الانتقال الديموقراطي، بأن أمضيت على أمر دعوة الناخبين. لقد كنت اجمالا، الأوفر حظا بين كل من جالسك على طاولات الحكم على مدى ثلاثة أجيال. لقد توارو بين حنايا التاريخ السميكة، اما انت فقد خلدت ذكراك بين دفّتيه.
لا شك أنك محظوظ يا سيادة الرئيس…ولا شك انه لك حاسدون.لقد كنت محظوظا أيها الزعيم، حينما هبّت رياح التغيير على بلاد العرب فجأة، فنفخت في رفاتك السياسية روحا جديدة أعادت لها الحياة.
أجل لقد عدت لا ريب من ثلاجة الموتى السياسية، فلو ان هاجسا يجمع بين كل سياسي العالم على مرّ الأزمنة، قد وجد، فهو هاجسهم مع الأسرار.
فالسياسي يعيش حياته، محاولا استخلاص أسرار التاريخ وقصصه، ليفكك أسرار الواقع وحاضره، لعله ينجح في اقتحام أسرار المستقبل وخفاياه، وهو يَجِدُّ في فهم الإشارات والايماءات، وتقاسيم الوجوه ولغة الأبدان، ويسعى إلى النفاذ إلى ما بين السطور من معان مشفّرة، وفي خضم هذا كله ييذل وسعه في حماية أسراره والدفع بها إلى ركن حصين. فهو يعي جيدا، ان أسراره اما ان تكون حبيسةَ صدره، أو أن تتحول إلى سجن يكبّله، اذا ما هي افلتت من بين أضلعه.
ولذلك فإن رجال السياسة، أو العقلاء منهم على الأقل، لا ينشرون مذكراتهم، التي تمثل لكل منهم، لحظة صدق وصراحة يختتمون بها مسار مضنيا من مقارعة الأسرار، إلا حينما يتأكدون من مغادرتهم النهائية لعالمهم القديم، فيضعون ما في جعبتهم من معلومات مخزّنة مكنونة او بعضها، بين أيدي الباحثين والمؤرخين، والأجيال القادمة.
أما أنت فقد دوّنت مذكراتك ونشرتها للعموم، ثم شاءت الأقدار ان تعيدك من بعيد، لتدخل عالم الأسرار وهواجسها من جديد، كتابا مفتوحا هذه المرّة، ولكن الحظ كان كرّة أخرى في صفّك، فقد وجدت طبقة سياسية لا تقرأ، وحتى من كان منهم يقرأ او يكتب في سالف الأوان، فقد استنزفه مجارات أحداث السياسة اليوميّة. اني لا احسب احدا من خصومك او حتى أصدقائك، قد استفاد من هذه الثغرة يا سيادة الرئيس، ربما قلة قليلة من المعدودين فقط.
فقد وجدت نفسك هذه المرة تتوسّط جيلا، غير أولئك الحيتان الذين نشأت في اثرهم أو عاصرتهم اول عهدك بالسياسة، من أمثال محي الدين القليبي والثعالبي وباش حامبة، أو بورقيبة وبن يوسف والحسيب بن عمار…
من فوارس الكلمة والقلم، الذين كانت مبارزاتهم الصحفية، الفكرية والسياسية، مدخلهم الرئيسي للخوض في الشأن العام. اما الآن فها انك توجد مع سياسيين نصف أميّين، رغم ما يجرّه اغلبهم من “كراتين” الشهائد الجامعية الجوفاء، إلا أنهم لا يقرأون ولا يكتبون.
انهم سياسيّو الفهلوة والشّطارة والمائة “تكانبينة” حواجز، ولكن الفراسة تنقصهم.
وهذا ايضا من حسن طالعك، فقد وجدت نفسك على حلبة هوات، من مثقّفي “الستاتويات”.
لا شك أنك محظوظ يا سيادة الرئيس…ولا شك أنهم يحسدونك.ولكن منجزك الأكبر يبقى حسب تقديري، ما رافق وفاتك التي وافقت عيد الجمهورية في ركلة حظ اخرى، من مولود جديد.
انها البذرة الأولى ل”الإجماع الأخلاقي”، فالنخب في تونس ومن ورائها المجتمع، منذ أن اخرجتهم الثورة من بيت الطاعة والوحدة القسريّة، اختلفوا تقريبا في كل شيء.
لقد كنا نختلف حول كل موضوع أو حدث، وطني كان او إقليمي أو حتى دولي…بل اننا كنا نختلق للاختلاف مواضعا، ان هو لم يجد لنفسه موضعا.
لقد وصلت بنا الشقّة والتّيه، الى الاختلاف حتى حول العلم، وأحسب انك تذكر جيّدا حادثة جامعة منوبة، لا بد انها تركت فيك اثرا عميقا مثل فعلها في نفس كل وطني غيور.
وقد كنتَ من روّاد سياسة التوافق، التي من الطبيعي أن تتعثّر، فنحن مجتمع جُبِل على التوحّد في خيام الإكراه والإجبار، ولم يتعوّد الوحدة على أرضية التعاقد، وتحت سقف التراضي…
ان اخر عهدنا مع التعاقد، كان منذ 14 قرن، قبل انهيار التجربة الشوريّة (من الشورى) في فجر انبعاث الرسالة.
ولا بدّ أن التوافق كما يردّد كثيرون الان، في حاجة إلى مأْسسة، وتعاقدات برامجيّة مفصّلة، على شاكلة الائتلافات الحكومية في الدول الغربية، ولكن نقيصته الكبرى في تقديري أعمق من هذه الآليات الإجرائية، انه يواجه ثقافة سياسية عليلة ومتكلّسة، ولن يكتب له نجاح من دون تأصيل فكري، يؤرضن له في البنية التحتية للمخيال التونسي الجمعي. فما من مشروع سياسي جديد، تكتب له الحياة، إلا إذا كان متدثّرا، بلفاف رؤية ثقافية وفكرية، تسوّغ لجدواه، وتعطي لوجوده معنى.
اننا باختصار شديد نحتاج إلى غرس تصوّر عام في وعينا الجماعي، هو بمثابة الوعاء الجامع، الذي نتّفق جميعا حول خطوطه الكبرى، ليكون الفضاء الذي نختلف داخله، دون أن نخرج عن ايطاره المرسوم، وذلك هو الإجماع الأخلاقي الذي بَعثت بوفاتك، الروح فيه.
لقد اتفق الجميع، وصبت التفاعلات، من تدوينات وتصريحات وبيانات رسمية، في منحى واحد، يقول: “رحم الله الرئيس الذي مات، وعاشت الجمهورية”.
وانا على يقين اننا سنرى التونسيين جميعا صفا واحدا متراصا، يوم صلاة جنازتك، وتلك صورة اعتبارية ربما قد تكون غلافا، للمرحلة الجديدة برمتها. واني لا احسب هذا كان من ضمن خططك، يا فخامة الرئيس، ولكنك للمرة الألف كنت محظوظا.
لا أخفيك يا سيادة الرئيس، وانه منذ ساعة وفاتك، وسقائف بني ساعدة ومجالسها منعقدة، والرقاب مشرئبّة، الى مقامك الذي تركت.
واني لست على ثقة، ان كان مِن بعدك، مَن سيستدلّ بخطى ارشدها الحظّ، فقادها الى باب الخروج الكبير، ليتلمّسوا طريقا رَسَمَتْهُ لك الأقدار، فسلكته مسحوب الإرادة، أم أنهم سيعوّلون على ضربة حظ تسحبهم، وتفعل معهم فعلها معك.فلا شك انك محظوظ يا سيادة الرئيس…ولا شك انهم يحسدونك.
ولا شك أن أذكار الصباح والمساء في معابد السياسة ستزداد سطرا، وأنهم سيناجون ما يؤمنون به، طامعين في أن يصيبهم من الخير والحظّ ما أصابك.
ولكن اطمئن وقرّ عينا يا فخامة الزعيم، فقد تركت حرائرا تونس، وفيهنّ جينات علّيسة والكاهنة وجازية بني هلال، ان البطون بعد اليوم لن تنجب سذّجا، ونحن لم نعد قط أغرارا.
فلن ننقاد خلف قميص شكري جديد إنْ رُفع، ولن ننخدع ان خرجوا علينا، بلحى وهويّة معلّقة على أسنّة الرماح، فقد تعلّمنا يا فخامة الرئيس، ان السياسة أقرب الأشياء الى المصالح المادية، ولكنها دائما ما تلتحف بعباءة القيم والأخلاق، كمطيّة ومبرّر، لا كمقصد وموجّهٍ للفعل.
كما تعلّمنا، ان كل وضعيّة مهما استشكلت، فإنها الى دستورنا مردودة، وان دولتنا بمختلف أجهزتها ومؤسساتها مستمسكنا، نراقبها ونكون عليها شهداء مقسطين.
ان الاجتماع السياسي العربي بترسيخ نجاح نموذجنا التونسي، لن يبقى بعد اليوم، محشورا بين كماشة الفوضى او الطغيان، بل إنها حرية منظمة ومسؤولة، انه ذاك الوسط الكامن بين قرني التطرف الذي ننشد، وذلك ما يريدون ايهامنا بأنه سراب بقيعة.
اني اعلم ان هذا صعب عسير، وأن الاستعدادات في معسكرات قوات الحِسبةِ وحرس “الباسيج” والجيوش الحمراء، وغرف التحريض الإعلامية، سائرة على قدم وساق، وأن لجان اليرقات الإلكترونية، وكلاب حراستها المدرّبة، ستنطلق قريبا، في حملة “اغتيال الاعتدال”.
ولكنك يا سيادة الرئيس قد علّمتنا، ان السياسة فن صناعة البدائل، فلن نكون أداة طيّعة في أيادي الداعين الى صفّين جديدة، تمزّق نسيجنا المجتمعي، وتجازف بمصير المسار ككل. فكل أولئك متواطئون، بخبث او حسن نيّة، فالأمر سيّان، فالنوايا الحسنة لا تصلح الأعمال الفاسدة.
لن يخدعونا يا فخامة الزعيم، فقد تعلّمنا ان المحارق ان نقصت من الحطب صاحت: “اما معي او عليّ”
انهم يريدون ان يجعلوا من زرع الخضراء، حطبا لمحارقهم، يا فخامة الزعيم، ولكن نم وقرّ عينا، فقد اعترك الربيع جيله، واستوى نضجه على نار هادئة.
وختاما، فاني اصارحك يا فخامة الزعيم، اني ما كتبت قبلا بهذه العفوية، كما فعلت اليوم، ولطالما كنت متابعا شغوفا، لكل حواراتك وخطبك منذ فجر الثورة، لقد كنت قبل هذا اليوم مشدودا إلى قدراتك التواصليّة الفذّة، وكنت ارقب مدى تأثيرها في المتلقيّن، لقد كُنتُ أكثر انبهارا، بنقاوة ذهنك وسرعة بديهتك، وفصاحة لسانك، وحسن بيانك، لقد كنت أراك او اصنفك في ذهني في مطاف دهات العرب، حتى اني في مقالة سابقة، كنت قد وصفتك بعمرو العصر او ابن ابي سفيانه، ولكني اليوم أكثر قناعة من اي وقت مضى بأنك يا فخامة الزعيم لا شك محظوظ…وانهم لا شك يحسدونك.
واني اكتب اليك بهذه الكلمات، وانا على تمام اليقين انها لن تصلك، ولكن رسائلك قد وصلتنا يا فخامة الزعيم، إلى جنات الخلد يا فخامة الزعيم.
