شهدت تونس العاصمة الخميس 27 جوان 2019 عملية إرهابية مزدوجة، خلفت بعض الجرحى فيما اسفرت عن شهيد ينتمي الى سلك الشرطة البلدية، ولم تنجح العملية في الوصول الى أهدافها أو حتى الندر اليسير منها رغم شهادة عون الامن رحمه الله، عملية مزدوجة خلال ساعات الذروة! عقلها المدبر لم يكن يأمل في بعض الجرحى كحصاد، وإنما كان يبحث عن وفرة في عدد الضحايا، يبحث عن القتل والتقتيل وليس مجرد الجرح، لكن الله سلم وفشلت العملية الكبيرة، وهي كبيرة وكبيرة جدا من حيث التوقيت والمكان ومن حيث استعمال الأحزمة وانتهاج أسلوب الانغماس واستعمال الذئاب المنفردة لتنفيذ الكارثة.. بقية التفاصيل اخبارية إجرائية هي من مشمولات الأجهزة الأمنية ووزارة الصحة.
ما يهمنا هو قراءة العملية، ومحاولة الابتعاد قدر الإمكان عن نظرية المؤامرة، واستعمال الماضي واستحضار الحاضر واستنهاض العقل كي نُحسن الربط، دعونا من روايات فلان او الجهة الفلانية اتصلت ببعض الشباب الذين لديهم ميولات إلى العنف الديني وارسلتهم لينتحروا من اجل ان يتحصل من ارسلهم على فوائد سياسية او اقتصادية او غيرها من الفوائد! ويتحصل المنتحر على الجنة بعد ان يؤكد له الممول انها مضمونة! دعونا من كل ذلك لأن العملية لا تتم بهذا الشكل الكاريكاتيري، وليس من غبي في هذا العالم يقبض ثم يذهب ليموت!!! إنما يعود الأمر برمته إلى قوى راسخة وراسية وراسبة في بلادنا، قوى تحسن فهم المناخ، فهم الأمزجة، فهم المادة البشرية القابلة للانفجار، فم اللحظة الوطنية المواتية، تعمل على تهيئة الساحة للجريمة، ثم تقوم بإطلاق إشارات أغراء تجاه القنابل البشرية الموقوتة، بعد ان تكون الجهات المستفيدة وبطريقة الايحاء والاغراء، قد أقنعت العبوات البشرية أن عملية ما في هذا التوقيت مع غزارة في الدم ووفرة في الجثث ستعانق النجاح وستعيد أسهم الرايات السوداء الى التداول، وستنعش حظوظ الكتائب والأمراء، وستقدم خدمة كبيرة للمركز المتهاوي في الرقة او الموصل..
، البعض ممن يملك خبرة كبيرة وقديمة في التوجيه، أطلق إشارات متعددة ومتتابعة تفيد بأن الساحة جاهزة للكارثة، بما يقنع الشباب المشحون ديناميتا، الجاهز للانطلاق بأن عملية كبيرة في تونس ستجعل الأمراء والكبراء في الموصل وفي سيناء وفي نيجيريا وفي اليمن وفي شمال أفغانستان، يتحدثون بإعجاب كبير عن الفرع التونسي!! تلك وغيرها من الإشارات التي يشتغل عليها معمل الخراب في تونس، المعمل الذي يركز عادة على الايحاء والاستدراج والوسوسة، باستعمال أساليب ماكرة ومحترفة، منسوخة من مخابرات عالمية طالما سيرت الشباب للمذابح دون ان تخبرهم بذلك، كانت ترافقهم برفق دون ان تعلن عن نفسها، بل تذهب القوافل المشحونة الى ساحات المعارك وفي اعتقادها انها تجاهد ضد الطاغية، الذي هو من صنع لهم المشهد وحسّن لهم الصورة ومهد لهم الطريق، هو لم يأمرهم بالذهاب، ولكنه أرسلهم بطريقته الخاصة.
فشلت العملية الإرهابية المطلوبة لقلب نتائج الانتخابات، كانت كبيرة في نواياها صغيرة في أهدافها، فشلت في تحقيق المطلوب، فهل انتهينا إلى هنا وستمضي تونس نحو استحقاقاتها؟ أم انها ليست العملية الارهابية الكبيرة المقصودة، وعلينا ان نترقب المزيد من الكوارث..
في كل الحالات نعتقد ان العبوات البشرية الناسفة تم تحجيمها بشكل كبير، ولم تعد تلك الخبيرة التي تصيب اهدافها بدقة، بل اصبحنا امام عناصر مرتبكة هاوية غير قادرة على التماسك قبل لحظة الصفر بثواني، تبحث عن الأهداف الأمنية، غير انها ترتبك أمام الأهداف الأمنية فيغلبها التسرع او التردد، في المقابل قد تخنس منصات التحريش بعض الاسابيع، ثم تعود للبحث عن عبوة بشرية أخرى تلاطفها تداعبها تنفخ فيها ثم ترمي بها في السوق السياسية الاجتماعية، وان كان بطريقة عشوائية.. وان كان قُبيل المحطات الانتخابية بقليل او ربما عشية الاستحقاق.
بعيدا عن القوى المتعفنة التي باعت وطنيتها،استشرت خيانتها وانتهى أمرها، على تونس اليوم ان تتحدث بلغة واحدة في وجه الارهاب، كما في وجه المؤامرات الخارجية، على الاجرام الذي يستهدفنا ان يقتنع دون ان نبذل الجهد الكبير في إقناعه، أن تونس موحدة في وجه المؤامرات العشوائية والأخرى المنظمة.
