مقبرة المتوسط.. إجراءات أوروبية تضاعف مآسي غرق المهاجرين

مقبرة المتوسط.. إجراءات أوروبية تضاعف مآسي غرق المهاجرين
مقبرة المتوسط.. إجراءات أوروبية تضاعف مآسي غرق المهاجرين

أفريقيا برس – تونس. تتواصل مآسي غرق آلاف المهاجرين سنوياً في البحر المتوسط، أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، في مشهد مأساوي تحول من ظاهرة إلى واقع متكرّر، بينما لا ينتبه أحد إلى ضرورة إنهاء أسباب الهجرة.

في يناير/كانون الثاني الماضي، ضربت العاصفة العنيفة “هاري” المنطقة بين شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، ويُعتقد أن ما يصل إلى ألف مهاجر فقدوا حياتهم غرقاً في البحر المتوسط بعد انطلاقهم من سواحل ليبيا وتونس. وبينما لم تُحسم الأرقام النهائية بعد، تشير تقديرات منظمة “ميديتيرانيا” لإنقاذ البشر، إلى أن هذه الكارثة تُعد واحدة من أكبر مآسي غرق المهاجرين في السنوات الأخيرة.

ويُعتقد أن نحو 30 قارباً خشبياً أبحرت ليلاً من سواحل شمال أفريقيا خلال العاصفة “هاري” ولم ينجُ منها سوى قاربَين، في ظل أمواج بلغ ارتفاعها نحو 16 متراً، وجرفت المياه جثث الضحايا إلى شواطئ مالطا، في مشهد يعكس قسوة الطبيعة، لكنه يسلط الضوء أيضاً على هشاشة أنظمة الإنقاذ والاستجابة المبكرة، وسط اتهامات حقوقية للأوروبيين بأنهم لم يعودوا يكترثون لقوانين البحار وإلزامية إنقاذ البشر.

وتعد الكارثة الأخيرة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المآسي التي جعلت من البحر المتوسط أحد أخطر طرق الهجرة في العالم، بحسب ما سجلت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، فمنذ عام 2014، غرق أكثر من 30 ألف شخص في البحر المتوسط، ووقعت أسوأ كارثة موثقة في 18 إبريل/نيسان 2015، حين غرق قارب يقل أكثر من ألف مهاجر قبالة السواحل الليبية.

تقول الباحثة في شؤون الهجرة بجامعة آلبورغ الدنماركية، أحلام شملالي، إن “الاتحاد الأوروبي اتبع خلال السنوات الماضية سياسة (تفويض الحدود) لدول شمال أفريقيا، من خلال تمويل برامج تدريب لحرس السواحل، بخاصة في ليبيا وتونس. يمكن القول إن أوروبا فعلياً وسعت حدودها الجغرافية نحو شمال أفريقيا للقيام بعمليات صد المهاجرين، ما يجعل المهاجرين أكثر عرضة للخطر، بخاصة في البحر المتوسط”.

وتوضح شملالي أن “آلاف الأشخاص يغامرون بعبور المتوسط رغم معرفتهم بالمخاطر، وفقدان كثيرين لأحبائهم في محاولات سابقة، لأن البديل غالباً ما يكون أسوأ بكثير. في مصطلحاتنا الأكاديمية، نسمي ذلك (الموت الاجتماعي)، أي شعور الشخص بأنه فقد جميع الفرص المتاحة في حياته، ولم يعد ثمة ما يخسره. المسؤولية إذن ليست أوروبية فحسب، بل تشمل أيضاً دول العبور التي تفتقر إلى سياسات هجرة ولجوء، وتواصل التركيز على معالجتها عبر السياق الأمني”.

وتوضح: “يواجه المهاجرون من مناطق مثل جنوب آسيا، وشمال أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، ودول شرق أفريقيا ضغوطاً شديدة بسبب الحروب، والتغيرات المناخية، والاقتصادات الهشة، والأوضاع السياسية والأمنية الضاغطة، والأمر لا يتعلق بتأثير القطيع، حيث يبحر قارب لمجرد أن القارب الذي سبقه فعل ذلك، فآلاف البشر يواجهون المخاطر عن وعي تام، ويعرفون أن البحر خيار أقل سوءاً مقارنة بالواقع القاسي الذي يعيشونه في بلادهم. على الجانب الأخر، أصبح عمل المنظمات غير الحكومية في البحر المتوسط مجرماً سياسياً على مستوى أوروبا، ما صعّب عمليات الإنقاذ، ورفع معدلات الوفيات. الإنقاذ في البحر واجب قانوني، لكن تطبيقه أصبح سياسياً، مع أولوية مراقبة الحدود على الالتزامات الإنسانية”.

وتتابع: “الكوارث البحرية المميتة ليست نتيجة أحداث طبيعية فحسب، بل مشكلة سياسية هيكلية تظهر آثارها على السواحل الأوروبية، فبالتوازي مع تشديد الرقابة الأوروبية على عمليات الهجرة، فُرضت قيود متزايدة على عمل منظمات الإنقاذ غير الحكومية، من بينها (سي ووتش) و(ميديتيرانيا)، وقد أدى تجريم بعض أنشطة هذه المنظمات أو تقييد تحركاتها إلى تقليص عدد السفن المدنية العاملة في عمليات البحث والإنقاذ. هذا التوجه أسهم عملياً في رفع معدلات الوفيات، إذ تراجعت القدرة على التدخل السريع في حالات الطوارئ، في حين لم تُعزز الدول الأوروبية حضورها البحري الإنساني بما يكفي لسد الفجوة”.

في أعقاب الكارثة، دعت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، عبر رئيستها الإيطالية ساندرا زامبا، إلى تعزيز عمليات الإنقاذ في البحر واحترام حقوق الإنسان، مؤكدة أن إنقاذ الأرواح “ليس خياراً بل التزام قانوني وواجب أخلاقي”، وذكّرت الدول الأعضاء بواجبها في تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ براً وبحراً وفقاً للقانون الدولي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مشدّدة على أن “الإعادة القسرية غير قانونية، ويجب وقفها فوراً”، كما طالبت بإنشاء فيلق أوروبي متخصص للبحث والإنقاذ، وأكدت أن المنظمات غير الحكومية وسفن الإنقاذ المدنية شركاء أساسيون في حماية الأرواح.

ويستند هذا الموقف إلى قواعد القانون الدولي للبحار التي تُلزم السفن والدول الساحلية بتقديم المساعدة لأي شخص في خطر من دون تمييز. لكن تسييس ملف الهجرة حوّل هذا الالتزام من أولوية إنسانية إلى مسألة مرتبطة بسياسات الردع ومراقبة الحدود.

غير أن الاستجابة المؤسسية الشاملة لم تصدر إلا بعد نحو شهر من وقوع الكارثة، أي في 12 فبراير، ما يعكس بطء التحرك الأوروبي أمام تكرار المآسي، وهو ما تكرر أيضاً في التاسع من الشهر الحالي، حين أبلغت منظمة الهجرة الدولية عن غرق قاربين يحملان 53 شخصاً.

يعاني المهاجرون أيضاً من فراغ إداري في بلدان العبور، فهم إما محتجزون في المخيّمات، أو مرفوضون عند محاولة الوصول شمالاً، ومن دون إمكانية للعودة إلى بلدانهم، إذ تقوم دول أفريقية مفوضة من الاتحاد الأوروبي بإعادة المهاجرين إلى السواحل، أو تركهم في مناطق صحراوية قاسية، من بينها تونس وليبيا، أو تقوم بتجميعهم ورميهم على حدودها الجنوبية، بينما تنتقد منظمات حقوقية دولية التعسف والتعذيب الذي يتعرض له المهاجرون في معسكرات تجميع اللاجئين، خصوصاً في ليبيا.

زارت أحلام شملالي عدة مدن ساحلية تونسية، ورصدت مستودعات جثث عاجزة عن استيعاب عدد الوفيات الكبير للمهاجرين، وبينما تظل السلطات متفرجة، يقوم السكان المحليون منذ سنوات بإنشاء مقابر لهؤلاء الذين فقدوا حياتهم أثناء محاولاتهم عبور البحر شمالاً، وتقول: “المهاجرون، رغم اختلاف لغتهم وجنسيتهم وتاريخهم، يستحقون دفناً كريماً، وكثيرون ينتهون في مقابر جماعية، طبقة فوق طبقة، بلا أسماء”.

وتضيف: “في مدينة جرجيس جنوبي تونس، دفن الأهالي مهاجرين مجهولين بجهود تطوعية، في مشهد يوضح التناقض بين إنسانية المجتمع المحلي وعجز النظام الدولي. الناس يعتبرون أنه من حق المهاجرين أن يدفنوا بكرامة، حتى لو كانوا غرباء، فالقيم الإنسانية تتطلب ذلك، وحراس السواحل يصفون عملهم بأنه مهمة يومية شاقة. أغلب المهاجرين لم يخطط أصلاً لعبور المتوسط، لكن الفراغ الإداري، والمخاطر الاقتصادية والسياسية، والبدائل القاسية تجعل المخاطرة هي الخيار الوحيد، فالموت في البحر، رغم فداحته، يظل أقل سوءاً من الموت الاجتماعي الذي يعيشه آلاف الأشخاص على الأرض”.

وتشير التقارير الأوربية إلى أن عمليات اعتراض مراكب الهجرة ارتفعت من نحو 4000 حالة في عام 2019، إلى نحو 80 ألف حالة في عام 2024، لكنها رغم ذلك لم تُنه أزمة الهجرة، بل غيّرت طبيعتها، إذ أجبرت المهاجرين على طرق أطول وأخطر.

وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن الحدّ من وفيات المهاجرين غرقاً في البحر المتوسط يتطلب مقاربة متكاملة لا تقتصر على الردع، بل تشمل تفكيك شبكات التهريب، وتعزيز قدرات البحث والإنقاذ، وتوسيع المسارات القانونية والآمنة للهجرة، إلى جانب معالجة جذور الهجرة في بلدان المنشأ، إذ إنّ سياسات الإغلاق وحدها لن توقف تدفقات الهجرة، بل تدفع بالمهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة.

ويحمل مشهد البحر المتوسط ليلاً، حين تنطلق قوارب المهاجرين في الظلام الدامس بعداً كابوسياً يتجسد في قصة الطفلة السيراليونية التي عُثر عليها في ديسمبر/كانون الأول 2024، طافية فوق سطح الماء، متشبثة بإطارَي سيارة، فيما غرق الركاب الأربعة والأربعون الآخرون الذين كانوا على متن قاربها الذي أبحر من سواحل صفاقس التونسية. حادثة تختصر هشاشة الأرواح في مواجهة البحر، كما تكشف جريمة غياب الاستجابة الدولية.

وتشدد الباحثة أحلام شملالي على أن الأولوية يجب أن تكون لإنقاذ الأرواح قبل أي اعتبارات أخرى، قائلة: “حماية الحياة يجب أن تسبق تنظيم الحركة. الكرامة هي المعيار الحقيقي لقياس إنسانية السياسات، هذه المأسي تؤكد أنها ليست مجرد أزمة حدود، بل اختبار أخلاقي للنظام الدولي بأسره”.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here