قصص 5 صحفيين في تونس تكشف منهجية السلطات في تقويض الصحافة

قصص 5 صحفيين في تونس تكشف منهجية السلطات في تقويض الصحافة
قصص 5 صحفيين في تونس تكشف منهجية السلطات في تقويض الصحافة

أفريقيا برس – تونس. بيّنت لجنة حماية الصحفيين “سي بي جيه” (CPJ) كيف تحول المرسوم 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة “الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال” في تونس، إلى أداة قانونية تُستخدم لإسكات المنتقدين، وتجريم العمل الصحفي، وسجن ما لا يقل عن 5 صحفيين.

وخلصت اللجنة إلى أن حرية الصحافة في تونس تتآكل بنيويا، وشهدت تضييقا حادا منذ أن عزّز الرئيس قيس سعيّد سلطته في عام 2021.

وأشارت إلى أن الإفراج عن المحامية والإعلامية سنية الدهماني أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أثار لحظة ارتياح قصيرة وسط تصاعد القمع، لكن رغم خروجها من السجن، لا تزال معركتها القضائية مستمرة، في حين تواصل المحاكم التونسية المضي قدما في قضايا أخرى بموجب المرسوم 54، تُبقي صحفيين خلف القضبان وتفتح ملفات جديدة بحق آخرين، وفق اللجنة الدولية.

الدهماني.. حرة لكن تحت التهديد

وجاء الإفراج عن الدهماني التي كرّمتها لجنة حماية الصحفيين بجائزة حرية الصحافة الدولية لعام 2025، بعد أشهر من الضغوط الدولية وانتقادات منظمات حقوق الإنسان، إثر صدور أحكام متكررة بحقها بموجب المرسوم 54 بسبب تصريحات تلفزيونية وإذاعية انتقدت التمييز ضد المهاجرين والمسار السياسي للبلاد.

لكن حريتها مشروطة -تستدرك لجنة حماية الصحفيين- إذ لا تزال الصحفية تواجه عدة قضايا مفتوحة، تصل أحكامها إلى 10 و20 سنة سجنا، كما لم تُلغَ إداناتها السابقة، مما يبقيها تحت رقابة قضائية مستمرة، في حين لا تزال شقيقتها رملة محكومة غيابيا بسبب دفاعها عنها عبر الإنترنت.

ولقي إطلاق سراح الدهماني بعد ساعات فقط من إدانة البرلمان الأوروبي لحبسها ترحيبا، غير أن المدافعين عن حرية الصحافة شددوا على ضرورة إسقاط جميع التهم.

الزغيدي وبسيّس: أكثر من 500 يوم في السجن

وفي حين أُفرج عن الدهماني، لا يزال الصحفيان مراد الزغيدي وبرهان بسيّس يقبعان خلف القضبان منذ أكثر من 500 يوم على توقيفهما.

ورغم إتمامهما حكما بالسجن 8 أشهر، لم يُفرج عنهما، بل فُتحت تحقيقات جديدة بحقهما، مما أدى عمليا إلى تمديد احتجازهما إلى أجل غير مسمّى، بحسب اللجنة.

شذى الحاج مبارك.. سجن 5 سنوات وتدهور صحي

ونبّهت اللجنة إلى أن منتجة المحتوى الرقمي شذى الحاج مبارك، لا تزال مسجونة وتقضي حكمًا بالسجن 5 سنوات، في حين تفيد منظمات حقوقية بأن حالتها الصحية تدهورت في السجن، جراء إهمالها طبيا في محبسها.

بوغلاب: حكم جديد بعد انقضاء العقوبة

أما الإعلامي المخضرم محمد بوغلاب، الذي أُفرج عنه في فبراير/شباط 2025، فقد صدر بحقه حكم جديد بالسجن عامين في يوليو/تموز الماضي بموجب المرسوم 54، استنادا إلى منشور على فيسبوك قال محاموه إنه لم يكتبه.

وقضى بوغلاب حكما بالسجن 8 أشهر جراء إدانته بالتشهير بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وتصريحات إعلامية.

نمط ثابت.. إدانة وعقوبة ثم فتح قضايا جديدة

وقالت اللجنة إن المرسوم 54 استُخدم منذ اعتماده في 2022 في استهداف ناشطين ومحامين ومعلقين ومواطنين عاديين، إلى جانب الصحفيين، مشيرة إلى أن صياغته الفضفاضة المتعلقة بـ”الأخبار الزائفة” و”الإشاعات” و”المساس بالأمن العام” منحت المدّعين صلاحيات واسعة لتجريم التعليق السياسي والسخرية والصحافة الاستقصائية.

وأوضحت أن قضايا الصحفيين الخمسة تكشف عن نمط ثابت، إذ تتحرك السلطات التونسية بسرعة ضد منتقديها بعد أي تعليق علني أو بث إذاعي، فتبدأ إجراءات قضائية بموجب المرسوم 54 أو قوانين أمنية مماثلة، وتفرض الاعتقال أو عقوبات قاسية، ثم تفتح قضايا جديدة لإطالة الضغط حتى بعد انقضاء مدة العقوبة.

ووفق النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، رُفعت 39 قضية على الأقل ضد صحفيين بسبب عملهم منذ مايو/أيار 2023، في حين صدرت 10 أحكام بالسجن ضد صحفيين، نُفذ منها 6، وأُوقف واحد، ولا تزال 3 قيد الاستئناف، بين أبريل/نيسان 2024 والشهر ذاته في 2025.

كما سُجّلت 32 ملاحقة خارج الأطر القانونية المنظمة للمهنة، بينها قضايا بموجب المرسوم 54. وحتى 1 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أحصت لجنة حماية الصحفيين ما لا يقل عن 3 صحفيين ما زالوا يقبعون في السجن بسبب عملهم أو آرائهم.

وذكرت اللجنة أن الصحفيين مُنعوا من تغطية الجلسات القضائية، وأضافت أن المحاكمات غالبا ما كانت تُعقد خلف أبواب مغلقة مع تقييد حقوق الدفاع.

وعلق زياد دبّار، نقيب الصحفيين التونسيين، على واقع حرية الصحافة، قائلا إن “هذا ليس تقييدا مؤقتا، بل محاولة شاملة لخنق الحريات، وضرب جوهر الصحافة وسبل عيش العاملين فيها، وحق الجمهور في المعرفة”.

وغيّر هذا الواقع النظام الإعلامي بأكمله، إذ تحدّث صحفيون عن تصاعد الرقابة الذاتية، في حين أقر رؤساء تحرير بتأجيل أو إلغاء تحقيقات سياسية حساسة.

وخلصت لجنة حماية الصحفيين إلى أن الإفراج عن سنية الدهماني يثبت أن الضغط يؤتي ثماره، واستدركت “لكن المشهد العام يتدهور ولا يتحسن، وتخاطر تونس بترسيخ نظام تصبح فيه الصحافة المستقلة شبه مستحيلة، ويكون ثمن المعارضة سنوات من الانتقام القضائي”.

المصدر: لجنة حماية الصحفيين (CJP)

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن تونس عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here