كوثر بن هنية ترفض جائزة برلين.. “لا أريد تمثالاً يُجمّل وجه الإبادة”

كوثر بن هنية ترفض جائزة برلين..
كوثر بن هنية ترفض جائزة برلين.. "لا أريد تمثالاً يُجمّل وجه الإبادة"

أفريقيا برس – تونس. السلام ليس عطرا نرشه على العنف كي تبدو السلطة مهذبة ومريحة”.. بهذه الجملة التي استقرت في الوجدان كطلقة أخلاقية، فجرت المخرجة التونسية كوثر بن هنية واحدة من أكثر لحظات مهرجان برلين السينمائي توترا هذا العام.

في أمسية جوائز “سينما من أجل السلام” (Cinema for Peace)، رفضت بن هنية تسلم جائزة “الفيلم الأكثر قيمة” التي منحت لعملها “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Rajab)، تاركة التمثال في القاعة بوصفه “تذكيرا” بالدم، وليس تكريما للفن.

وعند صعودها إلى المنصة، أوضحت بن هنية أنها تنظر إلى الجائزة باعتبارها “عبئًا أكثر من كونها احتفالًا”.

وقالت عن التكريم الذي ناله فيلم “صوت هند رجب”، والذي يوثّق جهود الهلال الأحمر لإنقاذ هند رجب، الطفلة الفلسطينية التي قُتلت على يد القوات الإسرائيلية خلال اجتياح غزة عام 2024: “أشعر بالمسؤولية أكثر من الامتنان”.

وأضافت: “ما حدث لهند ليس استثناءً، بل هو جزء من إبادة جماعية. وفي برلين الليلة، هناك أشخاص قدّموا غطاءً سياسيًا لتلك الإبادة عبر إعادة توصيف القتل الجماعي للمدنيين على أنه دفاع عن النفس أو ظروف معقّدة، ومن خلال تشويه سمعة من يحتجّون”. وتابعت: “كما تعلمون، السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف ليبدو أصحاب السلطة راقين ومرتاحين. والسينما ليست وسيلة لتبييض الصورة”.

وأكّدت المخرجة أن “السلام من دون مساءلة لا معنى له”، وأعلنت أنها لن تأخذ الجائزة معها إلى منزلها. وقالت: “إن العدالة تعني المساءلة. ومن دون مساءلة لا يوجد سلام. لقد قتل الجيش الإسرائيلي هند رجب، وقتل عائلتها، وقتل المسعفيْن الاثنيْن اللذين قدما لإنقاذها، وذلك بتواطؤ من أقوى حكومات ومؤسسات العالم”.

وأضافت: “أرفض أن يتحوّل قتلهم إلى خلفية لخطاب مهذّب عن السلام، ما دامت البُنى التي مكّنت ذلك لا تزال قائمة. لذلك، لن آخذ هذه الجائزة معي الليلة. سأتركها هنا كتذكير. وعندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا قائمًا على المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود وأتسلمها بفرح”.

أخرجت كوثر بن هنية مهرجان برلين السينمائي من طقسه المعتاد كموسم للاحتفاء بالجماليات، ليتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة حول جوهر السلام الذي تحول إلى مجرد شعار يرفع في القاعات المكيفة، وليس التزاما أخلاقيا وقانونيا يقوم على العدالة والمساءلة.


تونس ثُثمن موقف المخرجة كوثر بن هنية

بعد رفض بن هنية تسلم جائزة المهرجان، حيت وزارة الشؤون الثقافية التونسية في بيان، الموقف المبدئي لكوثر بن هنية وكامل فريق العمل المرافق لها معتبرة أن قرارها يعكس التزاما أخلاقيا واضحا تجاه القضية الفلسطينية ورفضا للتطبيع مع العدو الصهويني.

وأشادت وزارة الشؤون الثقافية، برفض بن هنية تسلم الجائزة بسبب وجود مكرمين من العدو الصهيوني ضمن الحدث ذاته، معتبرة أن هذا الموقف ينسجم مع ثوابت تونس قيادة وشعبا في نصرة القضية الفلسطينية العادلة.

زلزال الرسالة المفتوحة

لم تكن صرخة كوثر بن هنية في الساعات الماضية سوى ذروة الاحتقان الذي انفجر حين تداول الوسط السينمائي العالمي نص الرسالة المفتوحة الموقعة من أكثر من 80 مشاركا حاليا وسابقا في المهرجان.

تصدر قائمة الموقعين خافيير بارديم وتيلدا سوينتون، بالإضافة إلى مخرجين من وزن مايك لي وآدم مكاي. الرسالة التي نسقتها مجموعة “سينمائيون من أجل فلسطين” (Film Workers for Palestine)، اتهمت المهرجان صراحة بـ”الصمت المؤسسي” تجاه غزة، واصفة موقفه بالانتقائي الذي يفتقر للوضوح الأخلاقي الذي أبداه المهرجان سابقا في ملفات مثل أوكرانيا.

وكشفت الرسالة عن “أزمة شرعية” حقيقية؛ إذ تساءل الموقعون عن معنى أن يقدم مهرجان برلين نفسه كمنصة سياسية تاريخية، بينما يمارس ما وصفوه بـ”تقنين” مساحة التعبير وتكميم الأصوات المؤيدة للفلسطينيين.

انتقل التوتر فورا إلى المؤتمرات الصحفية، حيث واجهت إدارة المهرجان بقيادة تريشيا تاتل أسئلة حول الفوارق بين “حرية التعبير” كحق إنساني، وبين “الحياد” الذي قد يتحول إلى تواطؤ.

وسجلت تغطيات الوكالات الدولية أن حالة الحذر التي تسيطر على الصحافة الألمانية، مثل صحيفة “تاغسشبيغل”، تعكس توترا مؤسسيا يتجاوز جدران صالات العرض ليلامس سياسة الدولة الألمانية ومواقفها الرسمية من الحرب، مما جعل المهرجان ساحة اشتباك بين سياسة الفن وسياسة السلطة.

انفصام الشاشة والواقع

رصدت عروض يومي 17 و18 فبراير/شباط المفارقة المذهلة بين ما يحدث داخل صالات العرض وما يدور في أروقتها من احتجاجات. فعلى الشاشة الرئيسية، صفق الجمهور طويلا لفيلم الافتتاح “لا رجال طيبون” (No Good Men) للمخرجة الأفغانية شهربانو سادات، الذي اعتبرته الإدارة “بيانا سياسيا ضد النظام الاجتماعي في أفغانستان”.

لكن هذا الاحتفاء قوبل بأسئلة محرجة، مثل: كيف يُحتفى بالسينما التي تدين القمع في أفغانستان، بينما يُمارس “الحياد” تجاه غزة؟

وفي قسم البانوراما، عُرض فيلم “غيوم ساكنة” (Static Clouds) الذي يصور حياة اللاجئين، ليتداخل أنين أبطاله على الشاشة مع صرخات السينمائيين في الخارج، محولين المهرجان من فضاء فني إلى “حقل ألغام” أخلاقي.

تجلى الانفصام في أسوأ صوره حين أطلق رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، تصريحاته الداعية إلى “إبعاد السينما عن السياسة”، معتبرا أن الفن يغير العالم إنسانيا لا سياسيا.

وهذه الجملة التي وصفتها الكاتبة الهندية أرونداتي روي بـ”المنفصلة عن الواقع” قبل إعلان انسحابها من المهرجان، غذت اتهامات الرقابة، خاصة بعد انقطاع البث المباشر للمؤتمر الصحفي لحظة طرح الأسئلة السياسية.

وفي المقابل، شهدت عروض قسم “المنتدى” عودة للأعمال التي تبحث في معنى “الجدران والحدود”، حيث تحول نقاش فيلم “عمارة الجدران” (The Architecture of Walls) إلى مساءلة علنية حول جدران الصمت التي تبنيها المؤسسات الثقافية الكبرى لحماية مصالحها السياسية، مما جعل كل لقطة على الشاشة تُقرأ اليوم في سياق المواجهة مع الواقع الفلسطيني.

هل ينقذ “الدب الذهبي” ضمير الفن؟

أمام هذا الضغط غير المسبوق، خرجت تريشيا توتل ببيان دفاعي حاول تثبيت مبدأ أن “للفنان حق الكلام وحق الصمت”، رافضة مطالبة الضيوف بإجابات مختصرة عن قضايا معقدة. لكن هذا الدفاع اصطدم بواقع أن المهرجان هو من وضع نفسه سابقا كـ”منبر للمواقف”، مما جعل حديثه اليوم عن “الامتناع” يُقرأ كهروب من المسؤولية.

وتتوقع الأوساط الصحفية في برلين أن تزداد الضغوط في الساعات القادمة مع اقتراب موعد الجوائز، حيث بات أي خطاب فوز مرتقب مشروع بيان سياسي قد يحرج الإدارة أو يتحدى “طلقة بن هنية” الأخلاقية.

تحول “برليناله 2026” من حدث سينمائي إلى اختبار علني لمعنى “حرية التعبير” في الغرب. فبين منطق “العمل الفني” الذي تحاول الإدارة تثبيته كفضاء محايد، وبين “الطلب الأخلاقي” الذي يرفعه بارديم وسوينتون وبن هنية، يظل التساؤل معلقا: هل يمكن للسينما أن تستمر في تصوير وضع المرأة في العالم، بينما تعجز عن مواجهة حقيقة الرمال التي تخضبها الدماء في غزة؟

وحين تنطفئ أنوار الصالات وتُطوى السجادة الحمراء، يظل السؤال معلقا في هواء برلين البارد: هل يمكن للمهرجانات الكبرى أن تستعيد شرعيتها كمنصات للحرية، أم أن “أقنعة الحياد” التي سقطت هذا العام كشفت عن تصدعات في وعي المؤسسة الثقافية الغربية لا يمكن ترميمها بمجرد خطابات ديبلوماسية؟

أثبت “صوت هند” أن الحقيقة لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة أو تأثيرات بصرية لكي تصل، بل تحتاج فقط إلى سينمائيين يرفضون أن يكونوا “عطراً” يُرش على وجه العنف.

في برلين 2026، لم يكن الفوز للأفلام الأكثر بريقا، بل كان لتلك الأصوات التي رفضت التواطؤ بالصمت، تاركةً خلفها صدى سيظل يطارد الضمائر طويلا بعد أن يصمت التصفيق وتخلو القاعات.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here