مرة أخرى يتراجع الوعي ويقع البعض في ثنائية ركيكة خلال تعاملهم مع المشهد السياسي في تونس، الأبيض والأسود، الشياطين والملائكة الانتصار والهزيمة الجميل والقبيح، والى ذلك من الثنائيات الحاسمة التي تقوض النسبي لصالح المطلق المفقود في ساحات النسبية.
محل الاستفزاز تلك العبارات الجافة التي تفقّع منذ الأمس هنا وهناك تشكك في تعاطف أبناء الثورة مع الرئيس الراحل، حتى ان احداهن علقت “جماعة المرزوقي يساعدونا بسكاتهم موش عمرهم مع المرزوقي واليوم جايين يتباكوا على السبسي” !!! لغة سمجة، لا عزاء فيها الا ان نمعن في تثمين ما وصلنا اليه من نجاحات رغم وجود مثل هذا القصور الذي يطوف علينا ويعيش بيننا.
وجب التذكير بان لا احد تحدث بجدية عن مزايا السبسي الثوري، وأن لكل شخص مزاياه التي قد تتوافق وقد تختلف مع البقية، وحتى نحطم عقلية الأبيض والأسود، يمكننا الاستشهاد بثلاث شخصيات متباينة في مزاياها، تصنف وفق منتوجها ووجهتها ومعاركها، فالباجي أقرب إلى الدهاء والغنوشي أقرب الى الحكمة والمرزوقي أقرب الى الحق.
لم يكن الباجي من الشغوفين بثورة سبعطاش ديسمبر ولم يعمل لها بل لم يدرج التغيير على اجندة أولوياته، لكنه وحين وجد نفسه في خضم الثورة ودولتها وانتقالها، تعامل معها بدهاء كبير، فالرجل الذي أسهم في طقوس التأسيس الأول سنوات الستينان، أسهم بدوره في مرحلة التصحر النوفمبري عبر المناصب التي تقلدها، لذلك لم تعد تستهويه التجارب التي عاشها ولا يرغب في تكرارها، كان يبحث عن تجربة اخرى وجدها في ثورة الحرية والكرامة، كان الباجي يدرك بدهائه انه ليس افضل من الزمن التسعيني وزمن الشعوب وزمن عولمة المعلومة، ليس أفضل خلال هذه الأزمنة من نهاية ديمقراطية تغنيه عن نهاية ديكتاتورية، خطط لذلك ونجح فيه.
بخلاف الباجي كان الغنوشي يعتمد الحكمة، ويدرس موازين القوى ثم يتحرك وفقها، وكانت تعنيه الثورة بدرجة كبيرة، لأنه واحد من أكثر المستفيدين منها، وهو الذي حولته سبعطاش ديسمبر من الخصم الأول للسلطة إلى الصانع الأول للسلطة في تونس، ومثلما أدرك الباجي بدهائه أن التجربة التونسية ماضية الى النجاح وانه لابد له من بصمة تذكره بها تونس الديمقراطية، أدرك الغنوشي ان المعركة أكبر من الفوز بكل شيء في دفعة واحدة ، وابعد ما يكون عن كن فيكون، وانها معركة أولويات وتنازلات وان الساحة التونسية ليست ساحة جاهزة للإنزال الثوري المكثف بقوة الزخم وتحت مدافع العزيمة، وإنما هي صالحة الى التدفق الثوري، بلغة المطر هي ساحة تحبذ الطل او الغيث على الوابل، ثم ان الرجل كانت لديه قناعات كبيرة ان التداول السلمي على السلطة هو حجر زاوية الثورة، وما دونه عارية ومردودة، لذلك وبعد هجمة 2013 الشرسة تخلى عن السلطة حتى لا يدفع خصومه الى العمل على تغيير قواعد الوصول الى السلطة، وحتى يحبب اليهم طريق الصناديق بدل الالتجاء الى الممرات السوداء، كانت أكبر عملية ثورية لينة ومثمرة قام بها الغنوشي، حين اكد لعناصر المنظومة القديمة ومراكز قواها الرهيبة انه بإمكانهم حكم تونس بالديمقراطية، بإمكانهم الوصول الى السلطة عبر الشعب وبإمكان بقية القوى أن تتوافق معكم في الحكم! إذا ما حاجة المنظومة المتوترة الشرهة للصدام الى عمليات دموية قذرة وغير مضمونة، مادامت فرضية الوصول الى الحكم بديمقراطية الثورة ممكنة.
يبقى المرزوقي احد اكثر الشخصيات السياسية في تاريخ تونس إصرارا على انتهاج الحق او ما يراه الحق، واقلهم قدرة على المناورة إذا تعلق الأمر بالحقوق، فهو الشخصية التي لا تملك علاقات جدية مع فلسفة موازين القوى وربما يتحسس منها وربما يحتقرها، ويرى بان الذاهب الى الحق رأسا هو الأصلح وإن طال الطريق، هو أيضا يرى ان التوسع في المناورة يفقد الأهداف النبيلة بريقها ويدفع المجتمع الى الانصراف من حولها، قوة عناد رهيبة ومغالبة لا حدود لها، فالروبوت الحقوقي المسكون بالتحدي لا يهجع الى جني الأرباح من حدائق السيسي وبن زايد وبن سلمان وحفتر وسائر اباطرة الثورة المضادة، ليس بينه وبينهم غير السجال والنزال، ويـــا قاتل يا مقتول.
تلك نماذج تونسية مشرفة، تنسف النمطية وتقطع مع فكرة ان الطريق الى النجاح يمر عبر المسرب الواحد المعلوم المعروف فيما غيره من المسارب تقود إلى حتمية الفشل. هذه تونس التي أسست الى توزيع السلطات تؤسس أيضا الى توزيع الطرق المؤدية الى النجاح وتوزيع الجمال وتوزيع التعايش وتوزيع منابع الوطنية، هذه تونس ترسي ثقافة الزوايا المتعددة، تونس حين تغادر الشاشة العربية الباهتة المملة التي تعرض منذ عقود بالأبيض والأسود، تونس حين تشرع في العرض بطريقة ثلاثية الابعاد مع صورة ملونة دقيقة وعالية الجودة، تونس أصبحت تعرض على شاشة ” سيغنتشر أو إل إي دي آر” عبر الانترنت وباستعمال الويفي، بينما غيرها مازال يلفحه الصقيع فوڤ الدّار، يدوّر في الانتان.. ڤلو زيد شعرة علّيسار.. ڤالك زيد شعرة علّيسار.. ڤلو رجّع!رجّع الكل لليمين هربتها خلاص..ڤالك اهبط تو تطلع نجاة.
