أفريقيا برس. بعد أكثر من ثلاثة عقود على واحدة من أكثر المآسي دموية في أفريقيا، عاد ملف العلاقات الفرنسية الرواندية إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة من بوابة الذاكرة والمصالحة. فقد دشن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الرواندي بول كاغامي نصباً تذكارياً في باريس لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، في خطوة اعتُبرت رسالة سياسية وإنسانية تتجاوز مجرد إحياء الذكرى، لتطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل العلاقة بين البلدين: هل يفتح هذا النصب الباب فعلاً أمام طي صفحة الخلافات التاريخية، أم أنه مجرد محطة جديدة في مسار لا يزال مثقلاً بالملفات العالقة؟
نصب يحمل ذاكرة الألم
على ضفاف نهر السين في العاصمة الفرنسية باريس، أقيم النصب التذكاري الذي يحمل اسم “الأرشيف”، ليكون مساحة رمزية تحفظ ذاكرة واحدة من أكثر الجرائم الجماعية مأساوية في القرن العشرين. ووفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، يتكون النصب من كتلتين من النحاس الأسود، فيما نُقشت على واجهته عبارة تقول: “هنا، مثل أرشيف، ترقد أصوات الضحايا والناجين وكلماتهم وذكرياتهم وتجاربهم ومشاعرهم وآمالهم”.
ولا تبدو رمزية الموقع أقل أهمية من تصميم النصب ذاته؛ إذ يقع بالقرب من مؤسسات سيادية فرنسية حساسة، بينها وزارة الخارجية والرئاسة الفرنسية، في رسالة فهمها كثيرون على أنها اعتراف ضمني بثقل المسؤولية التاريخية، أو على الأقل بحجم الإخفاق السياسي الذي رافق تلك المرحلة.
وقد جمع حفل التدشين مسؤولين سياسيين وناجين من الإبادة وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، في مشهد وصفه مراقبون بأنه يعكس انتقال قضية الإبادة ضد التوتسي من ملف خلافي سياسي إلى قضية ذاكرة عامة داخل المجتمع الفرنسي.
إبادة تركت جرحاً مفتوحاً
تعود أحداث الإبادة الجماعية في رواندا إلى ربيع عام 1994، عندما شهدت البلاد موجة قتل جماعي استمرت نحو مئة يوم، عقب إسقاط الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا.
وأدت الحادثة إلى انفجار أعمال عنف واسعة نفذها متطرفون من عرقية الهوتو ضد أقلية التوتسي ومعارضين معتدلين من الهوتو. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل نحو 800 ألف شخص، معظمهم من التوتسي، في واحدة من أسرع عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث.
ولم تكن المأساة مجرد صراع داخلي، بل تحولت سريعاً إلى قضية دولية أثارت تساؤلات حادة بشأن مسؤولية القوى الخارجية، وفي مقدمتها فرنسا، التي كانت تربطها علاقات وثيقة بالحكومة الرواندية بقيادة الهوتو قبل الإبادة وأثناءها.
وتتهم أطراف رواندية ومنظمات حقوقية باريس بأنها دعمت النظام السابق سياسياً وعسكرياً، وغضّت الطرف عن مؤشرات التحضير للمجازر، بل وساعدت بعض المسؤولين المرتبطين بالإبادة على الفرار. في المقابل، تنفي فرنسا أي تواطؤ مباشر، وتؤكد أن تدخلها العسكري آنذاك عبر عملية “توركواز” كان يهدف إلى حماية المدنيين.
من القطيعة إلى المصالحة الحذرة
ظل ملف الإبادة الجماعية لعقود يمثل العقدة الأساسية في العلاقات بين باريس وكيغالي. وتصاعد التوتر إلى حد القطيعة الدبلوماسية بين عامي 2006 و2009، بعدما اتهم قاضٍ فرنسي مقربين من الرئيس بول كاغامي بالتورط في إسقاط طائرة الرئيس هابياريمانا، وهو ما رفضته رواندا بشدة.
لكن التحول الأبرز بدأ تدريجياً مع وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السلطة، ومحاولته فتح صفحة جديدة مع القارة الأفريقية عموماً ورواندا خصوصاً. ففي عام 2019، كلّف ماكرون لجنة من المؤرخين الفرنسيين برئاسة المؤرخ فانسان دوكلير بدراسة دور فرنسا خلال أحداث 1994.
وجاء تقرير اللجنة في 2021 ليشكّل نقطة تحول لافتة، بعدما خلص إلى أن فرنسا تتحمل “مسؤوليات جسيمة وثقيلة” بسبب سياساتها وأخطائها في رواندا، مع استبعاد وجود نية مباشرة للمشاركة في الإبادة أو التواطؤ معها.
وفي العام نفسه، زار ماكرون العاصمة الرواندية كيغالي، حيث ألقى خطاباً اعترف فيه بهذه المسؤوليات، معرباً عن أمله في أن “يصفح الناجون” عن فرنسا، رغم أنه لم يقدم اعتذاراً رسمياً طالبت به بعض الجهات الرواندية والحقوقية.
هذه الخطوة اعتُبرت حينها نقطة انعطاف مهمة، وأسهمت في إعادة بناء الثقة السياسية بين البلدين، وهو ما انعكس على تنامي التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني خلال السنوات الأخيرة.
الذاكرة تدخل الفضاء العام الفرنسي
يرى مؤرخون وناشطون أن أهمية النصب الجديد لا تكمن فقط في بعده الرمزي، بل أيضاً في كونه ينقل قضية الإبادة الجماعية ضد التوتسي إلى قلب الذاكرة العامة الفرنسية.
فبحسب المؤرخ فانسان دوكلير، فإن إقامة النصب في باريس تعني أن الإبادة “دخلت بالكامل في التاريخ العام الفرنسي”، في إشارة إلى تحول القضية من نقاش أكاديمي أو سياسي محدود إلى جزء من الوعي المجتمعي.
كما يشير مراقبون إلى أن فرنسا بدأت خلال السنوات الأخيرة اتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز هذا المسار، من بينها إدراج تدريس الإبادة الجماعية في رواندا ضمن المناهج التعليمية للمرحلة الثانوية، إلى جانب استمرار فتح ملفات قضائية مرتبطة بأشخاص مشتبه بضلوعهم في الجرائم.
ومن شأن هذه الإجراءات، وفق داعمين لها، أن تكرّس ثقافة الاعتراف بالتاريخ ومحاسبة المسؤولين، بما يسهم في تقوية أسس المصالحة طويلة الأمد.
الناجون.. اعتراف متأخر لكنه مهم
بالنسبة للناجين ومنظمات الذاكرة، يحمل النصب معنى يتجاوز السياسة. فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مارسيل كاباندا، رئيس منظمة “إيبوكا فرنسا” المعنية بالذاكرة والعدالة ودعم الناجين، قوله إن هذه الخطوة طال انتظارها لأكثر من ثلاثين عاماً.
ووصف كاباندا النصب بأنه “أكسجين” للناجين، موضحاً أن المجتمع المدني ظل لسنوات طويلة يحمل عبء الدفاع عن الذاكرة وحده، قبل أن يشعر أخيراً بأن صوته بات مسموعاً داخل المؤسسات الفرنسية.
ويضيف أن أهمية النصب تكمن أيضاً في كونه حاضراً بشكل دائم في الفضاء العام، لا مجرد تقرير تاريخي محفوظ في الأرشيف أو المكتبات، بما يضمن بقاء قضية الإبادة حية في الوعي العام للأجيال المقبلة.
هل تكفي الرمزية لطي الخلافات؟
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت تدشين النصب، فإن الحديث عن طي كامل للخلافات الفرنسية الرواندية يبدو سابقاً لأوانه بالنسبة لكثير من المراقبين.
فحتى اليوم، لا تزال ملفات قضائية مرتبطة بالإبادة مفتوحة أمام القضاء الفرنسي، كما أن الجدل حول مدى مسؤولية باريس التاريخية لم يُحسم بالكامل، خاصة مع استمرار مطالبات بعض الناجين باعتذار رسمي وتعويضات معنوية.
إلى جانب ذلك، فإن العلاقات الدولية لا تُبنى فقط على الذاكرة الرمزية، بل أيضاً على المصالح السياسية والاستراتيجية المتغيرة. فرغم التقارب الحالي، تبقى العلاقة بين البلدين محكومة بحسابات النفوذ في أفريقيا، والتحولات الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، يبدو أن تدشين نصب “الأرشيف” يمثل خطوة ذات دلالة كبيرة في مسار طويل ومعقد. فهو لا يمحو إرث الماضي، لكنه قد يفتح مساحة أوسع للاعتراف والمصارحة، ويمنح باريس وكيغالي فرصة لتعزيز شراكة أقل توتراً وأكثر واقعية.
وفي المحصلة، قد لا يكون النصب نهاية الخلافات بين فرنسا ورواندا، لكنه على الأرجح يؤشر إلى مرحلة جديدة عنوانها: مواجهة الماضي بدل الهروب منه، وتحويل الذاكرة من مصدر خصومة إلى مدخل محتمل للمصالحة.





