النووي الإثيوبي: رهان الطاقة وصراع النفوذ في شرق أفريقيا

النووي الإثيوبي: رهان الطاقة وصراع النفوذ في شرق أفريقيا
النووي الإثيوبي: رهان الطاقة وصراع النفوذ في شرق أفريقيا

هاشم علي حامد

أفريقيا برس. تضع إثيوبيا طموحاتها النووية على طاولة الحسابات الاستراتيجية، في خطوة تثير تساؤلات جوهرية حول مآلات المسار النووي وتوقيته. فبينما تتبنى أديس أبابا السعي الى الاستفادة القصوى من الطاقة، تصعد بطموحها نحو الطاقة النووية، وجني فوائدها المتعددة، ويرى مراقبون أن هذا الخيار يمثل توجهاً استراتيجياً متعدد الأهداف والمرامي.

وفي هذا السياق، أكد مفوض الطاقة النووية الإثيوبية، ساندوكان ديبيبي، أن قرار إثيوبيا بالسعي نحو التكنولوجيا النووية ينبع من إدراكها أهمية أمن الطاقة الوطني، والتحوّل الاقتصادي، والمرونة الوطنية طويلة الأمد.

جاء ذلك خلال لقاء رفيع المستوى لإطلاق برنامج الطاقة النووية الإثيوبي رسمياً، وتفعيل لجنة الطاقة النووية الإثيوبية. وضم الحدث الذي شهدته أديس أبابا في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية (إينا)، مسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم وزير الخارجية جيديون تيموثيوس، ومفوض الطاقة النووية الإثيوبي ساندوكان ديبيبي، ونائب المدير العام ورئيس إدارة الطاقة النووية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ميخائيل شوداكوف، إلى جانب كبار المسؤولين الحكوميين والجهات المعنية.

ووفق الوكالة الإثيوبية، وجهت أنظار الجميع إلى مشروع بناء محطة طاقة نووية ضخمة، يعد كجزء من مبادرات التنمية الضخمة التي أعلن عنها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مؤخراً.

البديل الاستراتيجي

لم يكن طريق إثيوبيا في تأمين طاقتها مفروشاً بالورود؛ فمشروع “سد النهضة” الذي استغرق ما يزيد على عقد من الزمان، ظل عالقاً في شباك التجاذبات السياسية والقانونية مع القاهرة والخرطوم. ورغم نجاح إثيوبيا في فرض واقع مائي جديد، فإن الطموح الإثيوبي قفز نحو “الخيار النووي” كبديل يتجاوز تحديات الطبيعة وخلافات الجيران. وأكد رئيس الوزراء آبي أحمد “التزام بلاده بتطوير برنامج نووي آمن وشفاف ونموذجي للأغراض السلمية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. وتعهد آبي أحمد بموازنة ضخمة بقيمة 30 مليار دولار أعلن عنها أخيراً ضمن أهداف تعزيز أمن الطاقة في إثيوبيا ودعم التحول الصناعي.

وتشير آراء خبراء إلى أن هذه الخطوة ليست مجرد مشروع تقني للطاقة، بل هي إعادة تموضع في موازين القوى الإقليمية، وضمان لخارطة طريق طموحة في مجالات الطاقة المتعددة الأغراض، رصدت تجاهها أديس أبابا استثمارات لبناء المحطة النووية الكبرى، التي تعد حجر الزاوية ضمن حزمة المشاريع التي أطلقها رئيس الوزراء آبي أحمد في وقت سابق لفك الارتباط بين النمو الاقتصادي وبين التقلبات الجغرافية.

شهد العام الماضي تحويل النيات إلى خطوات إجرائية؛ حيث تم توقيع اتفاقية استراتيجية مع عملاق الطاقة الروسي “روساتوم” في سبتمبر 2025 لتشييد أولى المحطات النووية. ولإضفاء الصبغة الرسمية، كونت “اللجنة الإثيوبية للطاقة النووية” (ENPC) المحرك السيادي لهذا البرنامج، الذي يمتد ليشمل ثورة في القطاع الصناعي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير البحث العلمي التقني عبر توظيف النظائر المشعة في الزراعة والطب.

خلافات لا تزال

في موازاة الطموح التقني، لم تهدأ الجهات الدبلوماسية؛ تجاه مشكل سد النهضة الذي لا تزال الخلافات حوله مستعرة بين إثيوبيا ودولتي المصب المطالبتين باتفاق قانوني يؤمن حقوقهما المائية، فقد شهد شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي سجالاً حاداً، حيث وصفت الخارجية الإثيوبية المواقف المصرية الأخيرة التي هددت فيها القاهرة إثيوبيا بـ “الميل نحو التصعيد”. وترى أديس أبابا أن إصرار القاهرة على ما تسميه “الادعاءات الاحتكارية” في مياه النيل بات العائق الأكبر أمام الرخاء الإقليمي، مؤكدة تمسكها بحقها الراسخ في استغلال نهر “أباي” (النيل الأزرق).

وبلغ التوتر حد الذروة عقب التدشين الرسمي لسد النهضة في أيلول/سبتمبر 2025، حيث اتهمت إثيوبيا جارتها الشمالية بالسعي لعزلها دولياً ومحاولة زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي لخلق كيانات “ضعيفة ومنقادة” تخدم الأجندة المصرية، ما يعكس عمق الهوة وانعدام الثقة.

رهانٌ مختَلفٌ حوله

يرى الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الصمد حسن، أن “المسار الذي تنوّع فيه أديس أبابا مصادرها في الطاقة سواء عبر (الطاقة الكهربائية أو الغاز أو الطاقة الحرارية التي تستخرج من باطن الأرض، أو عبر الرياح، أو الطاقة الشمسية) أو الاتجاه للطاقة النووية بأنه يمثل استجابة لمشروع تنموي متكامل للطاقة”. ويشير إلى أن “التقنية النووية كذلك لها عدد كبير من الاستخدامات، ومنها في المجال الطبي حيث تتسم بكفاءة عالية جداً وتستخدم في الزراعة، وجميع الأغراض السلمية والتعليمية. ومن ثم، فإن المجال النووي يختصر كل هذا التنوع من الفوائد الذي تحتاج إليه إثيوبيا. ويؤكد الباحث حسن على نقطة استراتيجية؛ وهي امتلاك إثيوبيا مخزونات من خام اليورانيوم، ما يؤهلها لتحقيق الاكتفاء الذاتي في تشغيل مفاعلاتها بعيداً عن ضغوط الاستيراد أو التمويل الدولي الذي قد يُستخدم كأداة للتعطيل.

الباحث الاقتصادي الإثيوبي عبد الرحمن أحمد يؤكد ضرورة تجريد هذه المشاريع من “نظرية المؤامرة”، موضحاً أن إثيوبيا تطمح للوصول إلى قدرة إنتاجية تتجاوز 42 ألف غيغاواط من الكهرباء. الهدف هو تقديم “نموذج إثيوبي” ملهم للدول الأفريقية، يثبت قدرة القارة على تطويع التكنولوجيا المعقدة رغم العقبات الجيوسياسية.

من جهته، يقول محمد إبراهيم حسبو المتخصص في العلاقات الدولية “إقليمياً، يمنح البرنامج النووي إثيوبيا رمزية (القوة الصاعدة)، لكنه يضيف عنصراً حساساً إلى بيئة شرق أفريقيا الهشة. فالحصول على مفاعل نووي يتطلب استقراراً سياسياً، وقدرات مؤسسية قوية، وتمويلاً ضخماً تحتاج فيه إثيوبيا إلى دعم روسي أو صيني، وهو ما يعمق حضور القوى الدولية في الإقليم”.

ويؤكد حسبو “كما أن خلافات سد النهضة التي لا تزال متفاعلة تنعكس على تقبل هذا المشروع، إذ لا تنظر دولتا المصب إلى البرنامج النووي باعتباره مبادرة تنموية فحسب، بل امتداداً لمنطق فرض الأمر الواقع الذي اتبعته إثيوبيا في ملف المياه. وبفعل هذا الإرث، يظل المشروع محاطاً بالشكوك حول نيات إثيوبيا، بخاصة في ظل البعد التنافسي المتصاعد بينها وبين القاهرة، وبروز الطاقة كأحد ميادين التنافس الاستراتيجي بين الدولتين”.

دعم دولي

على المستوى الدولي، حظي البرنامج الإثيوبي للطاقة النووية بتزكية من المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل ماريانو غروسي، وفي كلمة ألقاها خلال ندوة إلكترونية وفق وكالة الأنباء الإثيوبية، أكد غروسي ” أهمية إنشاء هيئة الطاقة النووية الإثيوبية لتطوير وتنظيم الطاقة النووية بما يتماشى مع معايير السلامة والأمن الدولية”.

وأشار أيضاً إلى أن “الطاقة النووية تتمتع بإمكانات قوية كمصدر كهرباء موثوق وسريع ومنخفض الكربون، ما يسهم في تسريع التحوّل الاجتماعي والاقتصادي في إثيوبيا بصورة كبيرة”. وأضاف أن “من شأن هذه المبادرة أيضاً تحفيز النمو الصناعي وتأمين فرص عمل عالية المهارة”.

وأكد غروسي “التزام الوكالة التام دعم إثيوبيا من خلال الخدمات الاستشارية وخدمات بناء القدرات في كل مرحلة من مراحل برنامجها لتطوير القدرات النووية”، لافتاً إلى أن “الوكالة تعمل حالياً مع إثيوبيا في إطار برنامجها للتعاون التقني لتعزيز الموارد البشرية والقدرات المؤسسية والاستعداد لمراحل تطوير البنية التحتية المستقبلية”.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here