أفريقيا برس. يكثّف الرئيس الكيني وليام روتو تحركاته الخارجية خلال يونيو/حزيران الجاري عبر جولة دبلوماسية تمتد بين أفريقيا وأوروبا، تشمل أربع محطات رئيسية هي جنوب أفريقيا وبلجيكا وفنلندا وفرنسا، في تحرك يعكس سعي نيروبي إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية والسياسية وتوسيع حضورها الدولي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي.
وتأتي هذه الجولة في توقيت حساس بالنسبة لكينيا التي تواجه تحديات اقتصادية داخلية وضغوطا اجتماعية متزايدة، بالتزامن مع سعي الحكومة إلى اجتذاب الاستثمارات الأجنبية وتثبيت صورة البلاد باعتبارها مركزا اقتصاديا وماليا ولوجستيا في شرق أفريقيا. كما تعكس التحركات الخارجية للرئيس روتو محاولة لترسيخ دور نيروبي بوصفها شريكا إقليميا فاعلا وصوتا أفريقيا في المحافل الدولية، خاصة في الملفات المتعلقة بالتمويل والتنمية والمناخ وإصلاح المؤسسات الدولية.
وتشير وسائل إعلام كينية، من بينها موقع “ذا إيستلي فويس”، إلى أن جولة روتو تعكس نشاطا دبلوماسيا متصاعدا يهدف إلى تعميق العلاقات مع شركاء تقليديين وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، في وقت تسعى فيه كينيا إلى تنويع خياراتها الدولية وعدم حصر علاقاتها في إطار جغرافي أو سياسي ضيق.
جنوب أفريقيا.. شراكة أفريقية بطموحات اقتصادية
استهل روتو جولته بزيارة دولة إلى جنوب أفريقيا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو/حزيران، بدعوة من الرئيس سيريل رامافوزا، في محطة حملت أبعادا اقتصادية وسياسية واضحة، بالنظر إلى مكانة البلدين داخل القارة الأفريقية.
واستقبل رامافوزا نظيره الكيني في العاصمة الإدارية بريتوريا، حيث عقد الجانبان مباحثات ثنائية ركزت على تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، قبل توقيع ست اتفاقيات تعاون شملت مجالات اقتصادية واستثمارية مختلفة.
وبحسب بيان الرئاسة الجنوب أفريقية، فإن العلاقات بين البلدين “أُعيد تأسيسها عام 1994” عقب انتهاء نظام الفصل العنصري، فيما تنظر بريتوريا إلى كينيا باعتبارها شريكا إستراتيجيا مهما في شرق أفريقيا، خاصة في ظل الدور الذي تلعبه نيروبي في التجارة الإقليمية والاستقرار السياسي والأمني.
وشهدت الزيارة كذلك انعقاد منتدى أعمال بمدينة ميدراند قرب جوهانسبرغ، بمشاركة رجال أعمال ومستثمرين من البلدين، بهدف تعزيز التبادل التجاري وفتح قنوات جديدة للاستثمار المشترك، خاصة في مجالات التكنولوجيا والخدمات المالية والزراعة والطاقة.
وتحمل هذه المحطة أهمية خاصة بالنسبة لكينيا، إذ تُعد جنوب أفريقيا من أكبر الاقتصادات في القارة، كما تمثل سوقا واعدة للشركات الكينية. وفي المقابل، تسعى نيروبي إلى جذب استثمارات جنوب أفريقية إضافية في قطاعات البنية التحتية والصناعة والخدمات الرقمية، ضمن رؤية الحكومة لتحويل كينيا إلى مركز اقتصادي إقليمي.
كما أن التقارب مع بريتوريا يمنح كينيا فرصة لتعزيز التنسيق داخل القارة في ملفات الإصلاح المؤسسي داخل الاتحاد الأفريقي، وقضايا الأمن الإقليمي، فضلا عن تنسيق المواقف الاقتصادية تجاه الشركاء الدوليين.
بلجيكا.. بوابة أوروبية لتعزيز الشراكات
ومن جنوب أفريقيا، يتجه روتو إلى بلجيكا لعقد لقاءات رسمية مع الملك فيليب في القصر الملكي بالعاصمة بروكسل، في إطار جهود تعميق التعاون الثنائي بين البلدين.
ورغم أن تفاصيل البرنامج الكامل للزيارة لم تُعلن بصورة نهائية، فإن أهمية المحطة البلجيكية تتجاوز العلاقات الثنائية المباشرة، نظرا إلى كون بروكسل مركزا رئيسيا لصنع القرار الأوروبي ومقرا للمؤسسات الأساسية للاتحاد الأوروبي.
وتنظر نيروبي إلى بلجيكا باعتبارها مدخلا لتعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية المستدامة، لا سيما بعد دخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين كينيا والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، والتي تُعد خطوة مهمة لتعزيز الصادرات الكينية نحو الأسواق الأوروبية.
وتسعى كينيا إلى الاستفادة من هذه الشراكة عبر توسيع صادراتها الزراعية، خاصة الشاي والبن والزهور والمنتجات الزراعية الطازجة، إلى جانب جذب استثمارات أوروبية في قطاعات التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة والتحول الرقمي.
كما تمنح الزيارة فرصة لبحث ملفات التمويل التنموي، والهجرة، والتعليم والتدريب المهني، وهي ملفات أصبحت تحظى باهتمام متزايد في العلاقات الأوروبية الأفريقية.
فنلندا.. التكنولوجيا والوساطة الدولية
تمثل محطة فنلندا واحدة من أبرز محطات الجولة، إذ يزور روتو هلسنكي يومي 10 و11 يونيو/حزيران بدعوة رسمية من الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، في أول زيارة يقوم بها الرئيس الكيني إلى الدولة الإسكندنافية.
وتكتسب الزيارة رمزية خاصة، كونها أول زيارة دولة لرئيس كيني إلى فنلندا منذ زيارة الرئيس الأسبق دانيال أراب موي عام 1987، كما تأتي بعد زيارة دولة أجراها ستوب إلى كينيا عام 2024، ما يعكس تطورا ملحوظا في العلاقات الثنائية.
وبحسب الرئاسة الفنلندية، ستركز المحادثات على تعميق العلاقات الاقتصادية وتوسيع فرص التجارة والاستثمار، إلى جانب مناقشة إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف والوساطة الدولية والقضايا الإقليمية في أفريقيا وأوروبا، فضلا عن التطورات في الشرق الأوسط.
ويشمل برنامج الزيارة مراسم استقبال رسمية في القصر الرئاسي بهلسنكي، تليها محادثات ثنائية ومؤتمر صحفي مشترك، فضلا عن جلسة نقاشية بعنوان “وعد السلام”، تتناول إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز الوساطة الدولية.
وتحمل هذه المحطة أهمية استراتيجية لكينيا في ظل اهتمامها المتزايد بجذب الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا والابتكار. ففنلندا تُعد من الدول الرائدة عالميا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي، وهي قطاعات تسعى نيروبي إلى تطويرها لدعم تحولها الاقتصادي.
كما يشمل برنامج الزيارة منتدى أعمال في مركز نوكيا التنفيذي بمدينة إسبو، ما يعكس اهتمام كينيا باستقطاب شركات التكنولوجيا الكبرى وتعزيز مكانتها كمركز رقمي ناشئ في أفريقيا.
فرنسا وقمة السبع.. حضور أفريقي في نقاشات عالمية
وتُختتم جولة روتو في فرنسا بالمشاركة في قمة مجموعة السبع التي تُعقد بين 15 و17 يونيو/حزيران، حيث دُعيت كينيا إلى جانب عدد من الدول الأخرى، من بينها الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية.
وتوفر المشاركة في القمة منصة مهمة لنيروبي لطرح أولويات الاقتصادات النامية أمام القوى الاقتصادية الكبرى، خاصة في ملفات التمويل والتنمية المستدامة والقدرة على مواجهة التغير المناخي.
ونقلت وسائل إعلام كينية عن وكيل وزارة التخطيط الاقتصادي بونيفاس ماكوخا أن كينيا تستعد لتقديم مقترحات تركز على احتياجات الدول النامية، بما يشمل إصلاح النظام المالي العالمي، وتوسيع فرص التمويل الميسر، ودعم مشروعات المناخ والنمو الشامل.
وتحاول كينيا خلال السنوات الأخيرة تقديم نفسها بوصفها ممثلا لمصالح أفريقيا وبلدان الجنوب، مستفيدة من موقعها السياسي والاقتصادي، إضافة إلى دورها المتنامي في الوساطة الإقليمية، خاصة في أزمات السودان والكونغو الديمقراطية والصومال.
دبلوماسية اقتصادية في مواجهة الضغوط الداخلية
تعكس الجولة الخارجية للرئيس روتو توجها كينيا متزايدا نحو ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الاقتصادية”، حيث أصبحت السياسة الخارجية أداة مباشرة لجذب الاستثمارات والبحث عن شراكات تساعد على دعم الاقتصاد المحلي.
وتواجه الحكومة الكينية تحديات اقتصادية تتمثل في ارتفاع كلفة المعيشة، والديون، وضغوط البطالة، وهو ما يدفع نيروبي إلى توسيع شبكة شركائها الاقتصاديين وتعزيز ثقة المستثمرين الدوليين في السوق الكينية.
وفي هذا السياق، تسعى كينيا إلى تقديم نفسها بوابة استثمارية لشرق أفريقيا، مستفيدة من بنيتها التكنولوجية المتقدمة نسبيا، وموقعها الجغرافي الإستراتيجي، وشبكات النقل والخدمات المالية الرقمية التي جعلت من نيروبي واحدة من أكثر المدن الأفريقية جذبا للأعمال.
وبين أفريقيا وأوروبا، تبدو جولة روتو محاولة لترسيخ موقع كينيا كفاعل إقليمي يمتلك شبكة علاقات متنوعة، ويبحث عن دور أكبر في القضايا الاقتصادية والسياسية الدولية، في وقت تتزايد فيه المنافسة على النفوذ والاستثمار داخل القارة الأفريقية.





