روسيا وأنغولا.. محاكمة تكشف صراع النفوذ في أفريقيا

روسيا وأنغولا.. محاكمة تكشف صراع النفوذ في أفريقيا
روسيا وأنغولا.. محاكمة تكشف صراع النفوذ في أفريقيا

أفريقيا برس. تتجاوز أهمية هذه القضية حدود أنغولا، لأنها تأتي في مرحلة تشهد إعادة تشكيل أدوات النفوذ الروسي في أفريقيا. فمنذ تراجع الدور العلني لمجموعة فاغنر عقب مقتل قائدها يفغيني بريغوجين، برز “الفيلق الأفريقي” كإطار جديد لإدارة كثير من الأنشطة الأمنية والعسكرية الروسية في القارة، بالتوازي مع توسيع الحضور الدبلوماسي والثقافي والإعلامي.

وفي الوقت نفسه، تتهم دول غربية وأوكرانيا موسكو باستخدام مؤسسات ثقافية وتعليمية، من بينها “البيوت الروسية”، لتعزيز نفوذها السياسي وبناء شبكات من العلاقات مع النخب المحلية. وتنفي روسيا هذه الاتهامات، وتؤكد أن تلك المؤسسات تمارس أدواراً ثقافية وتعليمية مماثلة للمراكز الثقافية التي تديرها دول أخرى حول العالم.

لماذا تمثل أنغولا ساحة مهمة؟

تحظى أنغولا بأهمية استراتيجية في حسابات القوى الدولية، فهي واحدة من أكبر منتجي النفط في أفريقيا، وتمتلك احتياطيات كبيرة من المعادن، كما تتمتع بثقل سياسي داخل تجمعات إقليمية أفريقية. وعلى الرغم من العلاقات التاريخية الوثيقة التي ربطتها بالاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، فإن لواندا تبنت خلال العقود الأخيرة سياسة خارجية أكثر توازناً، تقوم على تنويع الشركاء بين روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ولهذا، فإن أي اتهامات تتعلق بمحاولات التأثير في مسارها السياسي تحظى باهتمام يتجاوز حدودها الوطنية، لأنها تعكس حجم التنافس المتزايد بين القوى الكبرى على كسب النفوذ داخل القارة الأفريقية.

وفي المحصلة، تكشف القضية أن ساحات التنافس الدولي لم تعد تُدار فقط عبر الجيوش أو الاتفاقيات الاقتصادية، بل أيضاً عبر المعلومات والإعلام والعلاقات السياسية والأنشطة الثقافية. وبينما تؤكد السلطات الأنغولية أنها أحبطت محاولة منظمة للتأثير في الحياة السياسية، يتمسك المتهمان بأن القضية ذات دوافع سياسية وأن نشاطهما كان مشروعاً. وإلى أن تتضح نتائج أي استئناف محتمل أو تظهر معطيات جديدة، ستظل هذه المحاكمة مثالاً على التعقيد الذي بات يميز الصراع على النفوذ في أفريقيا، حيث يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين العمل الثقافي المشروع، والنشاط السياسي، وعمليات التأثير التي تتهم بها القوى الدولية بعضها البعض.

لم تعد المنافسة بين القوى الدولية في أفريقيا تقتصر على صفقات السلاح أو الاستثمار في الموارد الطبيعية، بل امتدت خلال السنوات الأخيرة إلى معارك النفوذ السياسي والإعلامي، في ظل اتهامات متزايدة باستخدام شبكات ثقافية وإعلامية ومنظمات غير رسمية للتأثير في الرأي العام والعملية السياسية داخل عدد من الدول الأفريقية. وفي هذا السياق، تبرز القضية التي نظرتها محكمة في العاصمة الأنغولية لواندا، والتي انتهت بإصدار أحكام بالسجن بحق مواطنين روسيين، باعتبارها واحدة من أبرز القضايا التي تسلط الضوء على طبيعة الصراع الخفي الدائر بين روسيا والغرب على النفوذ داخل القارة.

وأصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن على المستشار السياسي الروسي إيغور راتشين لمدة 11 عاماً، وعلى المترجم ليف لاكشتانوف لمدة ثمانية أعوام، بعد إدانتهما بعدد من التهم، أبرزها التجسس والإرهاب وتكوين جمعية إجرامية والاحتفاظ غير المشروع بعملة أجنبية. وجاءت الإدانة بعد إسقاط سبع تهم أخرى من أصل إحدى عشرة تهمة وجهتها النيابة، فيما واصل المتهمان نفي جميع الاتهامات الموجهة إليهما.

وتعود القضية إلى أغسطس/آب 2025، عندما أوقفت السلطات الأنغولية الرجلين على خلفية اتهامات بالتحريض على احتجاجات مناهضة للحكومة، وإدارة حملة تضليل إعلامي، ومحاولة التأثير في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027. وترى السلطات أن القضية لا تتعلق بأفراد فحسب، وإنما بمحاولة منظمة لبناء نفوذ سياسي روسي داخل البلاد عبر أدوات غير تقليدية تجمع بين الإعلام والعلاقات السياسية والأنشطة الثقافية.

“أفريكا بوليتولوجي”.. شبكة نفوذ أم مركز أبحاث؟

ويتمحور ملف الاتهام حول منظمة تحمل اسم “أفريكا بوليتولوجي” (Africa Politology)، والتي تصفها السلطات الأنغولية بأنها شبكة سياسية روسية خرجت من رحم مجموعة فاغنر، قبل أن تواصل نشاطها تحت هياكل جديدة بعد إعادة تنظيم الوجود الروسي في أفريقيا.

وتقول النيابة إن هذه الشبكة كانت تعمل على ترسيخ نفوذ موسكو من خلال نشر روايات مناهضة للغرب، وتوثيق العلاقات مع شخصيات سياسية وإعلامية محلية، والتأثير في المزاج العام قبل الانتخابات المقبلة. كما تتهمها بدفع أكثر من 24 ألف دولار لصحفيين وخبراء محليين مقابل إنتاج محتوى يروج لمواقف موالية لروسيا، إضافة إلى المساهمة في تنظيم احتجاجات شهدتها أنغولا عام 2025 وتحولت في بعض المناطق إلى أعمال عنف.

وتعكس هذه الاتهامات تحولاً في طبيعة الصراع الدولي داخل أفريقيا، إذ لم تعد أدوات النفوذ تقتصر على الدعم العسكري أو الاقتصادي، وإنما تشمل أيضاً توظيف الإعلام الرقمي، ومراكز الدراسات، والأنشطة الثقافية، والعلاقات مع النخب السياسية، وهي أدوات باتت حاضرة في استراتيجيات قوى دولية متعددة، وليس روسيا وحدها.

دفاع ينفي الاتهامات

في المقابل، يرفض المتهمان الرواية الرسمية بالكامل، مؤكدين أن نشاطهما اقتصر على مشروع لتأسيس مركز ثقافي روسي في لواندا يحمل اسم “البيت الروسي”، وهو نموذج موجود في عدد من الدول ويهدف – بحسب الرواية الروسية – إلى تعزيز التعاون الثقافي والتعليمي.

وأكد ليف لاكشتانوف أنه عاش في أنغولا قرابة أربعة عقود، وعمل في المجال الأكاديمي والترجمة، معتبراً أن سيرته المهنية تتناقض مع اتهامات الإرهاب أو العمل السري. أما إيغور راتشين، فأوضح أنه رجل أعمال كان يسعى إلى إنشاء المركز الثقافي، وأن جميع الأموال التي دفعها كانت مقابل خدمات مشروعة وليست لتمويل حملات سياسية أو إعلامية.

كما أقر الرجلان بعقد لقاءات مع شخصيات من الحزب الحاكم، الحركة الشعبية لتحرير أنغولا، ومن حزب يونيتا المعارض، لكنهما شددا على أن تلك اللقاءات كانت علنية وطبيعية ولا تنطوي على أي مخالفة للقانون. وأثار الدفاع أيضاً اعتراضات إجرائية، بعدما رفضت المحكمة طلب استدعاء عدد من السياسيين الذين التقوا بالمتهمين للإدلاء بشهاداتهم.

جدل حول نزاهة المحاكمة

لم تقتصر القضية على الجوانب الجنائية، بل تحولت إلى موضوع جدل سياسي داخل أنغولا. فقد نقلت تقارير إعلامية عن معارضين وناشطين وصفهم للمحاكمة بأنها ذات طابع سياسي، معتبرين أن السلطات سعت إلى ربط الاحتجاجات الشعبية بتدخلات خارجية دون تقديم أدلة كافية على وجود علاقة مباشرة.

كما أشار محامو الدفاع إلى أن جزءاً من لائحة الاتهام استند إلى استنتاجات وتحليلات أكثر من استناده إلى أدلة مادية. وأثاروا كذلك ملاحظات بشأن سير الإجراءات، من بينها امتناع ممثلة الادعاء في إحدى الجلسات الأولى عن تلاوة لائحة الاتهام كاملة، بحجة أن المتهمين سبق أن اطلعوا عليها، وهو ما اعتبره الدفاع إخلالاً بحقوق موكليه.

ورغم هذه الانتقادات، انتهت المحكمة إلى إدانة المتهمين في أربع تهم رئيسية، بينما برأتهما من بقية الاتهامات، في قرار يعكس أن المحكمة لم تتبنَّ جميع ما ورد في ملف الادعاء، لكنها اقتنعت بوجود مخالفات جنائية تستوجب الإدانة.

القضية في سياق الحضور الروسي بأفريقيا

تتجاوز أهمية هذه القضية حدود أنغولا، لأنها تأتي في مرحلة تشهد إعادة تشكيل أدوات النفوذ الروسي في أفريقيا. فمنذ تراجع الدور العلني لمجموعة فاغنر عقب مقتل قائدها يفغيني بريغوجين، برز “الفيلق الأفريقي” كإطار جديد لإدارة كثير من الأنشطة الأمنية والعسكرية الروسية في القارة، بالتوازي مع توسيع الحضور الدبلوماسي والثقافي والإعلامي.

وفي الوقت نفسه، تتهم دول غربية وأوكرانيا موسكو باستخدام مؤسسات ثقافية وتعليمية، من بينها “البيوت الروسية”، لتعزيز نفوذها السياسي وبناء شبكات من العلاقات مع النخب المحلية. وتنفي روسيا هذه الاتهامات، وتؤكد أن تلك المؤسسات تمارس أدواراً ثقافية وتعليمية مماثلة للمراكز الثقافية التي تديرها دول أخرى حول العالم.

لماذا تمثل أنغولا ساحة مهمة؟

تحظى أنغولا بأهمية استراتيجية في حسابات القوى الدولية، فهي واحدة من أكبر منتجي النفط في أفريقيا، وتمتلك احتياطيات كبيرة من المعادن، كما تتمتع بثقل سياسي داخل تجمعات إقليمية أفريقية. وعلى الرغم من العلاقات التاريخية الوثيقة التي ربطتها بالاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، فإن لواندا تبنت خلال العقود الأخيرة سياسة خارجية أكثر توازناً، تقوم على تنويع الشركاء بين روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ولهذا، فإن أي اتهامات تتعلق بمحاولات التأثير في مسارها السياسي تحظى باهتمام يتجاوز حدودها الوطنية، لأنها تعكس حجم التنافس المتزايد بين القوى الكبرى على كسب النفوذ داخل القارة الأفريقية.

وفي المحصلة، تكشف القضية أن ساحات التنافس الدولي لم تعد تُدار فقط عبر الجيوش أو الاتفاقيات الاقتصادية، بل أيضاً عبر المعلومات والإعلام والعلاقات السياسية والأنشطة الثقافية. وبينما تؤكد السلطات الأنغولية أنها أحبطت محاولة منظمة للتأثير في الحياة السياسية، يتمسك المتهمان بأن القضية ذات دوافع سياسية وأن نشاطهما كان مشروعاً. وإلى أن تتضح نتائج أي استئناف محتمل أو تظهر معطيات جديدة، ستظل هذه المحاكمة مثالاً على التعقيد الذي بات يميز الصراع على النفوذ في أفريقيا، حيث يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين العمل الثقافي المشروع، والنشاط السياسي، وعمليات التأثير التي تتهم بها القوى الدولية بعضها البعض.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here