عباس محمد صالح، باحث سياسي
أفريقيا برس. يأتي انعقاد القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي على مستوى رؤساء الدول والحكومات في الفترة ما بين 14 و 15 شباط/ فبراير الجاري، تحت شعار هذا العام: “ضمان توفير خدمات المياه والصرف الصحي الآمنة واستدامتها!”، وذلك في خضم تحديات غير مسبوقة تواجه القارة الأفريقية، ولا سيما مؤسستها القارية الأم (الاتحاد الأفريقي)؛ حيث تراوح هذه التحديات بين انتشار الأزمات والصراعات، وصولاً إلى تمويل بعثات السلام، مروراً بالتحديات التشغيلية الروتينية، مع تفاقم معضلة التمويل الدولي، وبلغت ذروتها في أزمة الإصلاح والقيادة. ومع تصاعد هذه التحديات، أصبح الابتعاد عن تحقيق “أفريقيا التي نريد” أكثر وضوحًا من أي وقت مضى بالنسبة للمتابعين.
أزمة القيادة الأفريقية والقيادة الجديدة
منذ انتخابه رئيسًا لمفوضية الاتحاد الأفريقي في شباط/فبراير من العام الماضي، وجد الجيبوتي محمود علي يوسف نفسه أمام تحديات جسيمة في قيادته للمفوضية – التي تمثل المنصب الأرفع في القاهرة والجهاز التنفيذي المسؤول عن التسيير اليومي للمنظمة، فضلاً عن رسم وتنفيذ سياساتها بمساعدة الأجهزة المختصة – إذ ورث المفوضية والمنظمة في ذروة التراجع والانحدار وأزمة التمويل المتفاقمة. لم يرث فقط العجز المالي والتضخم الهيكلي وانعدام الفاعلية من حقبة المفوضية السابقة، بل ورث ما يشل المنظمة: الفساد، والتبعية، والقابلية للاختراق من قبل الخارج بدلاً من مواجهته، خاصة مع تراجع القيادة الكاريزمية وأصحاب الرؤى الابتكارية والتحويلية في أروقة المنظمة، وازدياد خضوعها بشكل متزايد لمصالح الأطراف الخارجية.
في هذا السياق، يرى عبدول محمد (زميل أول في مؤسسة “أماني أفريكا” بأديس أبابا وكبير مستشاري “اللجنة الرفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي للسودان وجنوب السودان” (AUHIP) سابقًا)، أن جوهر المشكلة يكمن في أزمة القيادة الحالية في الاتحاد الأفريقي أو ما يصفه بـ “تآكل السلطة”، والتي تتفاقم بشكل ملحوظ مع تراجع “الوكالة الأفريقية” في ظل تزايد أزمة التعددية في النظام الدولي، ما جعل من “المؤسسة المتعددة الأطراف الأبرز في أفريقيا” عاجزة وغير قادرة على التأثير، الأمر الذي سيجعل القارة ضحية لهذا الوضع بدلاً من أن تكون فاعلاً فيه.
فالشرعية التي راكمتها المنظمة – منذ تأسيس “منظمة الوحدة الأفريقية” وصولاً إلى “الاتحاد الأفريقي”- حاليًا آخذة في التراجع بشكل مخيف. إذ باتت مبادئ الوحدة الأفريقية والسيادة والوحدة والتضامن والعمل الجماعي تُنتهك من قبل الدول الأعضاء نفسها قبل الأطراف الخارجية.
فشل مشروع الإصلاح وخيبة الأمل
لقد أدى فشل مشروع الإصلاح الذي قاده فريق برئاسة الرئيس الرواندي بول كاغامي في عام 2017، إلى إحباط الشركاء، وكذلك الشعوب الأفريقية ونخبها على حد سواء، حيث مثّل هذا الإخفاق فرصة ضائعة حقيقية، ويعكس الأداء المخيب للآمال الحالي تلك الخيبة.
ونتيجة لذلك، تتسع الفجوة بشكل متزايد في السنوات الأخيرة بين الاتحاد الأفريقي وتطلعات الشعوب، وحتى بينه وبين بعض الدول الأعضاء. فأصبح الاتحاد إما خاضعًا لإملاءات بعض الدول الأعضاء بدلاً من القيم والمبادئ الأفريقية، أو عبئًا على دول أعضاء آخرين بسبب مواقفه الضعيفة والمترددة.
علاوة على ذلك، وعلى الرغم من “تقسيم العمل” بين الاتحاد الأفريقي و”المجموعات الاقتصادية الإقليمية (RECs) ” و”الآليات الإقليمية الفرعية” (REMs) إلا أن الفعالية والقدرة على المبادرة والقيادة تتراجعان، وبالتالي يستمر التضارب والتنافس وغياب الإرادة في جميع ملفات الصراعات الراهنة في القارة، كما هو الشأن مع الصراع في السودان والكونغو الديمقراطية على سبيل المثال لا الحصر.
في هذا الصدد، مؤخرًا توقف خبيران بارزان في شؤون الاتحاد الأفريقي وقضايا السلم والأمن والوساطة وحل الصراعات، هما سعيد جنيت والقاسم واني (في تقرير لمؤسسة “أماني أفريكا”؛ شباط/ فبراير 2024)، عند تعاطي الاتحاد الأفريقي مع أزمة السودان باعتبارها أبرز الأزمات الأفريقية وأكثرها خطورة. حيث كان أداء الاتحاد الأفريقي خلال الحرب في السودان منذ نيسان/ أبريل 2023 مخيبًا للآمال وسائرًا في دروب الفشل والعجز كالمعتاد، على الرغم من أن انخراط المنظمة في ملف دارفور بعد 2003 كان تمريناً فعلياً على قدرتها على ترجمة شعارات ومبادئ القارة بشأن السلم والأمن، وحققت نجاحات مهمة من منظور القيادة الأفريقية.
وبناءً على ذلك، يطرح تقرير بحثي صادر عن معهد “أجندة عموم أفريقيا” (PAAI) في 10 شباط/ فبراير الجاري، سؤالًا مصيريًا: هل الاتحاد الأفريقي مناسب للغرض المطلوب منه؟ كما يعكس التقرير في استنتاجاته وخلاصاته خيبة أمل النخب، ولا سيما مجموعات من النخب التي خبرت الاتحاد الأفريقي عن كثب، إما لكونها عملت ضمن مؤسساته، أو مع دوائر استشارية وبحثية اشتغلت على أداء وبرامج الاتحاد الأفريقي والمؤسسات الإقليمية النظيرة له عالميًا، أو أنها لا تزال تؤمن بالقيم الجامعة الأفريقية التي تأسس عليها الاتحاد.
وفقًا لهذه المجموعات، فإن روح ومبادئ “عموم أفريقيا”، كما جسّدها الآباء المؤسسون لمنظمة الوحدة الأفريقية وتيارات “وحدة عموم أفريقيا” التي رفعت شعارات استقلال القارة ونهضتها وسيادتها وازدهارها، تتآكل حاليًا بشكل مخيف، ويحل محلها نقضها داخل القارة نفسها.
إجمالًا، من الواضح أن الاتحاد الأفريقي تحت القيادة الحالية غير قادر أو راغب في تحديد طبيعة الصراعات الحساسة التي تشهدها دول القارة، كي يُعفي نفسه من المسؤولية. إذ أظهرت صراعات وأزمات مثل السودان والصومال بوضوح أن بعض الدول الأعضاء لا تعمل فقط ضد دول أعضاء أخرى بشكل مباشر وبالتعاون مع أطراف خارجية، بل إنها تعمل أيضًا على إضعاف الاتحاد الأفريقي نفسه وتقويض مؤسساته.
“أيتام البان- آفريكانيزم”
يوجد شعور بالخيبة والغضب والإحباط تجاه المنظمة الأفريقية وقيادتها منذ ولايتي موسى فقي محمد على رأس مفوضية الاتحاد الأفريقي، التي امتدت بين آذار/ مارس 2017 وشباط/ فبراير 2025. شهدت ولايتا موسى فقي تراجعًا كبيرًا عن كل الإرث الذي بنته المنظمة منذ تأسيسها تقريبًا، وهذا أصبح محل إجماع بين دوائر النخب الأفريقية المهمومة بقضايا القارة الكبرى.
فآخر تلك المجموعات التي سعت لتطوير أداء أجهزة ومؤسسات الاتحاد، “مجموعة مبيكي”، التي ضمت رؤساء ومسؤولين سابقين وخبراء دوليين ومن داخل القارة الأفريقية، وهي المجموعة التي تحلّقت حول ثابو مبيكي الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق وأحد آخر حملة “البان- آفريكانيزم” وأحلام مشروعها الذين باتوا يشعرون بالاغتراب واليتم. وأصبحت هذه المجموعة حاليًا أكثر تشاؤمًا بشأن واقع ومستقبل الاتحاد الأفريقي.
بالمقارنة مع الانحدار الذي آل إليه الاتحاد الأفريقي حاليًا، تُعد “اللجنة الرفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي للسودان وجنوب السودان” (AUHIP) التي تأسست في تموز/ يوليو 2008 واحدة من أكثر تجارب النجاح والفخر الأفريقي في مؤسساته وقضايا وتحديات الأزمات والصراعات وحلها في القارة الأفريقية. إذ جسّدت معنى “الوكالة الأفريقية”، حيث جمعت بين القيادة الأفريقية والالتزام بالمبادئ الأفريقية من جهة، وامتلاك زمام المبادرة وكسب احترام الشركاء الدوليين ودعم المؤسسات الدولية لتلك القضايا من جهة أخرى.
عطفًا على ذلك، سعى مبيكي، من خلال ترؤسه “اللجنة الرفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي للسودان وجنوب السودان” (AUHIP)، إلى تحويل السياسة الأفريقية ولعب أدوار فاعلة داخل أجهزتها، كما تولى ملفات شديدة الأهمية للقارة: من الصراعات مثل أزمة دارفور 2003 والصراع بين السودان وجنوب السودان قبل وبعد الانفصال في 2011، إلى التدفقات المالية غير المشروعة في القارة الأفريقية، وصولًا إلى فضاء البحر الأحمر حيث تولى أيضًا رئاسة لجنة الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى بشأن الترتيبات الإقليمية للبحر الأحمر. وقادت تلك اللجنة حتى آذار/ مارس 2022 جهودًا لحوكمة البحر الأحمر بهدف جعل الاتحاد الأفريقي فاعلًا أساسيًا. ورغم أن مبادرة تلك اللجنة بشأن البحر الأحمر قد وئدت، فقد أثبتت التطورات الجارية حاليًا حول هذه المسألة مدى قدرة فريق اللجنة على طرح القضايا الحيوية بروح استشرافية من منظور أفريقي مبتكر.
لكن، وللأسف، وجد فريق AUHIP عراقيل من داخل المنظمة ومن خارجها، ما أدى إلى إبعاده تدريجيًا، ثم تعطيل وحل اللجنة رفيعة المستوى داخل أروقة المنظمة، واستبدالها بآليات وشخصيات ضعيفة أو قابلة للمساومة والتنازل عن المبادئ والقيم القارية، أو خاضعة لإرادة الدول، لا للأهداف العليا للمنظمة ومبادئها. وتتجسّد اللجان رفيعة المستوى بشأن العديد من القضايا في هذا النهج بوضوح.
وبالمثل، يسيطر نفس الشعور بالخيبة وتبدد الأمل في أداء الاتحاد الأفريقي على كل من القاسم واني، وهو مسؤول أفريقي رفيع المستوى سابقًا، حيث عمل في مفوضية الاتحاد الأفريقي، بينما عمل سعيد جنيت كأول مفوض للسلام والأمن بين 2003 و2008، ويُعتبر الأب الروحي للمجلس وهندسة السلم والأمن في أفريقيا، وهو عضو لجنة الحكماء الأفارقة حاليًا، كما يُعد أيضاً إحدى أبرز قيادات اللجان الأفريقية رفيعة المستوى في القارة.
ظاهرة العسكرة كتحدٍ قاري
هيمنت خلال السنوات الماضية الأخيرة ظاهرة تصاعد العسكرة من خلال تزايد وتيرة الانقلابات والسيطرة العسكرية في مختلف أرجاء القارة، ولا سيما في منطقة الساحل الكبير وغرب أفريقيا.
حيال ذلك، لم يكن تعاطي الاتحاد الأفريقي مع ظاهرة الانقلابات تقليديًا فحسب، بل وغير متناسب مع طبيعة الظاهرة؛ فالسيطرة العسكرية أو الانقضاض على السلطة من قبل المؤسسة العسكرية كتعريف تقليدي للحكم العسكري يُعتبر تعريفًا قاصرًا. في الواقع، فإن ما يجري هو انعكاس لفشل الأنظمة وتخثرها، وتراكم الغضب والإحباط، وفشل الأنظمة الحاكمة في الالتزام بمبادئ الحكم الديمقراطي والراشد الخاضع للمساءلة داخليًا حتى من قبل الاتحاد، وفشله الذريع في تطبيق صكوكه ذات الصلة والتصدي لظاهرة اتجاه الزعماء والحكام لتغيير الدساتير للبقاء في الحكم لفترات تتجاوز الولايات المحددة دستوريًا، على سبيل المثال.
إذ أدى عدم تجديد شرعية الأنظمة وغياب الديمقراطية والفشل في إرساء نظام حكم وطني يحقق الازدهار الاقتصادي إلى خلق البيئة للمؤسسة العسكرية التي قد تلجأ للاستيلاء والسيطرة على السلطة لأنها في الغالب غير خاضعة للمساءلة لحكومات مدنية شرعية ناجحة ومستقرة.
وحيال هذه الظاهرة، من جهة، أصبح هناك تضارب واضح بين الإرادة الشعبية (حيث إن جميع الانقلابات التي وقعت في القارة وجدت بدرجات متفاوتة دعماً شعبياً واضحاً) ومن جهة أخرى، مواقف وسياسات الاتحاد الأفريقي.
وفي هذا السياق، جاء بروز “تحالف دول الساحل” كمظهر آخر للتراجع في أداء الاتحاد الأفريقي على المستوى القاري. إذ إن الفشل في الإحاطة بأبعاد العسكرة الجديدة لم ينعكس فقط في زيادة مساحة الاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي في العديد من الدول ذات الظروف المشابهة لدول الساحل، وهو ما أدى إلى اتساع حزام الانقلابات، وانعكس سلبًا على تماسك النظام الإقليمي وآلياته الفرعية.
وكنتيجة لذلك، جاء تأسيس دول اتحاد “آيس” (AES) أو كونفيدرالية دول الساحل، ككيان إقليمي منفصل بعد خروجها من “إيكواس” التي كانت واحدة من أنجح المجموعات الاقتصادية القارية، ونموذجًا فاعلًا لتقسيم العمل بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية والآليات الإقليمية في القارة في قضايا السلم والأمن وإدارة الأزمات السياسية والتدخل الفعال.
وبغية الاتفاق على قصور الآليات في التعامل مع ضغوط ظاهرة الانقلابات الجديدة، خاصة مع ازدياد عدد الدول التي تخضع لعقوبات بتجميد عضويتها لدى المنظمة، أصبح إيجاد آليات التشاور غير الرسمي لتنظيم التواصل بين أجهزة المنظمة ودول الانقلابات، خيارًا لا مناص منه نتيجة قصور السياسات في هذا الصدد.
الفشل في مجالات تحقيق السلم والأمن
تتعدد أوجه الفشل في أداء الاتحاد الأفريقي، وفقاً لتصورات قطاعات واسعة تندرج في إطار ما يمكن أن يطلق عليه “تيار السيادة الأفريقية الجديد”، الذي يتكون من خبراء ومفكرين وسياسيين وناشطين، يطالب بوقف التراجع والانكشاف في مختلف أرجاء القارة، ويطالب بتغيير جذري في أداء مؤسسات القارة لتحقيق الأهداف السامية في الوحدة والتضامن على أساس قيم “عموم أفريقيا”، على رأسها الاتحاد الأفريقي باعتبار أن إنشاءه كان تجسيدًا لهذه الأهداف والطموحات.
مؤخرًا، وكما يشير التقرير البحثي لمعهد “أجندة عموم أفريقيا” (PAAI) الصادر في 10 شباط/ فبراير الجاري، فإن الاتحاد الأفريقي قد فشل في أهم مجالات تفويضه على الإطلاق في القارة الأفريقية: منع النزاعات وإدارتها وحلها.
على أن الأخطر على الإطلاق، أن هذه الصراعات المميتة تتضمن عناصر للإبادة والتطهير العرقي، ومع ذلك يعجز الاتحاد الأفريقي عن التحرك والتدخل المناسبين حتى وقوع الكارثة. فصراعات مثل السودان والكونغو الديمقراطية وجنوب السودان، ظلّ الاتحاد الأفريقي يتجاهل مؤشراتها الخطيرة رغم التكلفة البشرية والإنسانية العالية نتيجة لاستمرار وتصاعد هذه الصراعات. كما أن هذه الصراعات تنطوي على أبعاد جديدة تتعلق بالسيادة والسلامة الإقليمية لأراضي الدول، وتزايد التدخلات الخارجية ودورها الحاسم في تأجيج هذه الصراعات واستمرارها، ومع ذلك يجري غض الطرف عنها.
وانطلاقًا من خبرته في السياسة الأفريقية والعمل الإقليمي وتحولات النظام الدولي وأزمات التعددية، فضلاً عن طبيعة التحديات داخل القارة وطبيعة القيادة الأفريقية الراهنة، يجادل الدكتور عبدول محمد كيف أن الاتحاد الأفريقي يواجه اليوم “أكبر اختبار” لإعادة تعريف دوره في خضم تفاعلات النظام الدولي والتحديات الهيكلية والمؤسسية، فضلًا عن الأزمات والصراعات الداخلية التي تواجه المنظمة.
الفشل المتأصل: السودان والصومال والكونغو الديمقراطية
تراكمت الصراعات وتصاعدت وتائرها في مختلف أرجاء القارة، وتجسّد حالات السودان والصومال والكونغو نماذج بارزة حاليًا.
كان نشر الاتحاد الأفريقي أول بعثة سلام تحت قيادته في الصومال في 2007، حيث تعاقبت حتى الآن عليها ثلاث بعثات متتالية (أميصوم، أتميس، وأوصوم)، بمنزلة اختبار جدي لقدرة الاتحاد على الارتقاء إلى مستوى التحديات المتشابهة. فالصومال، الخارج للتو من حرب أهلية عقب سقوط نظام سياد بري وانهيار الدولة 1991، وصعود المحاكم الإسلامية حتى إطاحتها عام 2006 نتيجة تدخل خارجي، ثم الاهتمام الدولي بإعادة بناء الدولة، كانت حالة مثالية لكيفية تولي القارة قضايا جسام مثل تلك التي واجهت -ولا تزال- الصومال.
كما مثّل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، مؤخراً، جانباً آخر من فشل الاتحاد الأفريقي في الارتقاء إلى المستوى المطلوب في حل الأزمات والصراعات المعقدة، وخاصة المسائل ذات الطبيعة السياسية والمتعلقة ببناء الدولة في القارة.
في هذا الخضّم، وجد الاتحاد الأفريقي نفسه وهو يحاول إرساء نموذج أفريقي بشأن القدرة على تولي عمليات السلام في سياقات أزمة الدولة الوطنية في القارة من خلال تدخله في الصومال، غير أنه انتهى إلى فشل ذريع نتيجة للفشل في الاستقلال المالي الذي يمكّن المنظمة من تولّي مثل هذه القضايا بدلاً من الاعتماد على الشركاء الدوليين كليًا، وبالتالي الخضوع لأجنداتهم.
وبالمثل، في حالة الكونغو الديمقراطية، البلد الغارق في صراعات في شرقه منذ استقلاله عن الاستعمار، يجسد الفشل. فالاتحاد ظل عاجزًا عن إحداث اختراق حقيقي وجدّي في سبيل إنهاء هذا الصراع الذي يهدد استقرار منطقة البحيرات الكبرى منذ عقود، نظرًا للتداخل القبلي وإرث الاستعمار السام الذي لا يزال يسري في أجساد مجتمعات دول تلك المنطقة، ويتسبب في تفاقم الصراعات وعدم الاستقرار، وما يترتب على ذلك من أزمات وكوارث إنسانية.
أظهر الاتحاد الأفريقي قدرة كبيرة في تشكيل اللجان والآليات واللجان حول أزمة شرق الكونغو، لكن من دون الإمساك بمسبباتها التي تتجسد الآن: الصراع الرواندي الكونغولي وأزمات مجتمعات البانيامولينغي (أو التوتسي الناطقين باللغة الرواندية) باعتبارها من مظاهر الجذور الأساسية لهذه الأزمة المستعصية.
إذ تتجنّب مؤسسات القارة وقيادات منظماتها مثل الاتحاد الأفريقي تقديم رؤية خاصة بها لهذا الصراع، خشية تهديد مصالح القوى الأجنبية في حال إنهاء الصراع وحله، أو خشية غضب بعض دول المنطقة، فضلًا عن الفشل في إقناع القيادة الكونغولية وتحدي سردياتها حول طبيعة هذا الصراع.
ونتيجة لكل ذلك، وجد الاتحاد الأفريقي نفسه غارقًا في الفشل حيال هذا الصراع، إما نتيجة الخضوع والتبعية للخارج، أو الخضوع لإرادات ومصالح بعض دول المنطقة التي تعمل على تعطيل آليات الاتحاد الأفريقي حتى باللجوء إلى الخارج والاستقواء به.
أما السودان فيجسد أسوأ وأخطر أنواع الفشل بالنسبة للمنظمة. وكما وصف القاسم واني وسعيد جنيت، فإن “أزمة السودان هي أزمة لأفريقيا”، وبالتالي حلها وفق المبادئ الأفريقية يجب أن يكون “التزامًا أخلاقيًا واستراتيجيًا”.
فمنذ إسقاط البشير في 11 نيسان/ أبريل 2019، ظلت البلاد تنزلق نحو الفوضى والاضطرابات السياسية، بينما الاتحاد يتفرج تارة، أو ينزاح تاركاً المجال لأطراف من خارج القارة تارة أخرى، حتى أدى ذلك إلى فشل العملية الانتقالية برمتها وانزلاق البلاد إلى أتون حرب مدمرة كادت أن تقضي على كيان الدولة وشعبها، نتيجة فشل الاتحاد الأفريقي في إعمال آليات الإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية تجاه التطورات في هذا البلد.
ونتيجة للفشل في تحليل وقراءة اتجاهات الأحداث في السودان، لم يتفرج الاتحاد الأفريقي على تدفق المرتزقة والأسلحة الفتاكة وعمليات التهجير والتجويع والحصار لقطاعات واسعة من الشعب فحسب، بل فشل كذلك في الإقرار بطبيعة الصراع كعدوان خارجي يستخدم قوى محلية، ما سيترتب عليه تفكيك الدولة وانهيارها في حال تُرك هذا المشروع يمضي إلى غاياته.
في هذا الصدد، يقول واني وجنيت: “إن الخيارات المتخذة الآن (بشأن الصراع في السودان) لن تحدد فقط مصير الشعب السوداني، بل أيضًا مصداقية وقدرة الاتحاد الأفريقي نفسه.” وإنه يتعين “على القارة أن ترتقي إلى مستوى هذه اللحظة – بالكامل، وبوضوح، وبحزم.”
الانضمام إلى مجموعة العشرين (G20) كبارقة أمل
في خضمّ حالة التراجع التي تعتري الاتحاد الأفريقي حالياً، يبقى الحديث عن تمثيل عادل لأفريقيا في إطار عملية مجلس الأمن أو المنصات والمنابر الدولية المتعددة الأطراف الأخرى حديثًا بلا جدوى، ما لم يُصلح الاتحاد الأفريقي ذاته أولاً، ليعود إلى معايير الحقبة الذهبية التي كان عليها قبل سنوات قليلة على الأقل، حيث كان هناك حد أدنى من الفاعلية المؤسسية على أساس المبادئ الأفريقية.
لقيت خطوة الإعلان عن انضمام الاتحاد الأفريقي إلى “مجموعة العشرين” (G20)، كعضو كامل العضوية اعتبارًا من 9 أيلول/ سبتمبر 2023، ترحيبًا كبيرًا وأثارت قدرًا من النشوة داخل القارة، خاصة وسط النخب وقطاعات المثقفين الذين يتطلعون إلى رؤية القارة ومؤسساتها وهي تتبوأ مكانتها اللائقة بين الأمم.
لئن كان انضمام الاتحاد الأفريقي إلى المجموعة مكسبًا سياسيًا مهماً، لكنه في الواقع بقي “ضيفًا” أكثر منه عضوًا “كامل العضوية”. بيد أن الانضمام إلى المجموعة هو اختبار لمدى قدرة الاتحاد الأفريقي على التجسيد الفعلي بالممارسة لمفهوم “الوكالة الأفريقية”، أي قدرة مؤسسات القارة الأفريقية على صياغة أجندتها الخاصة والمستقلة بعيداً عن أي تبعية أو نفوذ خارجي، وفرض إرادتها في مواجهة القوى العالمية أو المصالح الخارجية.
لكن، وللأسف، وبينما لا يزال الاتحاد الأفريقي يتلمّس سبل الحرائق والنماذج بشأن ممارسة دوره داخل “مجموعة العشرين”، وقع خلاف بين إدارة ترامب ودولة جنوب أفريقيا، وهي كانت العضو الأفريقي الوحيد في المجموعة، ليكتفي الاتحاد الأفريقي كعادته بإصدار بيان يعرب فيه عن تضامنه مع هذه الدولة الأفريقية الوحيدة بالمجموعة في وجه السياسات العدوانية للرئيس ترامب، الأمر الذي دفع بريتوريا إلى تجميد عضويتها بعد تولّي الولايات المتحدة رئاسة المجموعة مؤخراً.
ورغم طموح شعار “أفريقيا التي تتحدث بصوت واحد”، إلا أن مؤسسات القارة تمر بأكثر الفترات تمزقًا وتشتتًا في المواقف، بما في ذلك قضاياها الخاصة التي ينخرط فيها فاعلون من خارج القارة. لذا يبدو تعزيز حضور القارة في النظام الدولي حتى الآن حلماً بعيد المنال.
خاتمة
تشير اتجاهات النقاش الحالية إلى أن مشروع إصلاح الاتحاد الأفريقي الذي قاد فريقه الرئيس الرواندي بول كاغامي وأصدر تقريره في 2017، قد انتهى إلى فشل ذريع، وأن الفشل الحالي في المنظمة يعود إلى ذلك المشروع!
ونتيجة لذلك، تصبح القمة السنوية للاتحاد الأفريقي مجرد شكليات مراسمية باهتة. فما يهم ليس البيانات الروتينية المكررة، ولا ترديد الشعارات المألوفة كل عام، بل في استعادة الدور والفعالية والمكانة، وقبل ذلك استقلال الإرادة والقرار عن النفوذ الخارجي، والتمسك بكونه شريكًا وليس تابعًا للآخرين.
ختامًا، تدخل القارة الأفريقية عام 2026 وهي مثقلة بالأزمات. وكما يذهب عبدول محمد وسلمون دارسو، فإن القارة الأفريقية دخلت فعليًا مرحلة جديدة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن والتنافس الجيوسياسي، في خضم تراجع روح العمل الجماعي وضعف المؤسسات القارية ومعضلة القيادة. وعليه، سوف تحدد اتجاهات ومؤشرات الصراع في السودان – نظرًا لما تنطوي عليه من أبعاد وتحولات في طبيعة الصراعات التي شهدتها القارة على مدى العقود الماضية، ولا سيما التدخلات الخارجية – مستقبل الاتحاد الأفريقي إلى حد كبير.





