مصر تعيد ضبط العلاقة مع خليفة حفتر

مصر تعيد ضبط العلاقة مع خليفة حفتر
مصر تعيد ضبط العلاقة مع خليفة حفتر

أحمد سالم علي

أفريقيا برس. كشفت زيارة قائد “قوات شرق ليبيا” اللواء خليفة حفتر للقاهرة، ولقاؤه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن أجندة تتجاوز ما ورد في البيان الرسمي بشأن دعم مصر وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها وإجراء الانتخابات، لتشمل ملفات أمنية وإقليمية شديدة الحساسية بالنسبة إلى القاهرة. وشارك في اللقاء من الجانب المصري، رئيس المخابرات العامة حسن رشاد، ومن الجانب الليبي رئيس أركان “قوات شرق ليبيا” خالد حفتر ورئيس صندوق إعمار ليبيا بلقاسم حفتر. وأوضحت مصادر مصرية مطلعة على الملف الليبي، أن أجندة زيارة حفتر تضمنت ملفات عدة، في مقدمتها الوضع في السودان، والملف الأمني في شرق ليبيا، ومسألة توحيد مؤسسات الدولة الليبية، إلى جانب التطورات المرتبطة بتحركات قوات حفتر في دول الساحل (مالي، النيجر، تشاد، موريتانيا، بوركينا فاسو)، وأزمة الكهرباء، فضلاً عن ملفات عسكرية وفنية مرتبطة بقوات شرق ليبيا.

مصر والأولويات الليبية والسودانية

وبحسب المصادر المصرية، فإن ملف السودان كان حاضراً بقوة خلال المباحثات، في ظل ما تعتبره مصر تداعيات مباشرة لأي تحرك عسكري أو لوجستي عبر الحدود الليبية ــ السودانية على أمنها القومي. وأوضحت المصادر أن المسؤولين المصريين بحثوا مع حفتر ما يتعلق بعلاقته بقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وبالأسلحة التي تصل إلى القوات عبر الأراضي الليبية، مشيرة إلى أن لدى حفتر “قصصاً كثيرة جداً” في هذا الملف، في إشارة إلى الاتهامات المتكررة بشأن دور مناطق خاضعة لنفوذه في تسهيل إمدادات عسكرية ولوجستية إلى الدعم السريع. تأتي هذه المخاوف في وقت تتهم فيه أطراف سودانية ودولية قوات حفتر بتسهيل مرور أسلحة إلى الدعم السريع عبر جنوب ليبيا، فيما نفت قيادة حفتر مراراً هذه الاتهامات. وكانت تقارير وتحقيقات قد تحدثت عن استخدام طرق وقواعد في جنوب ليبيا وشرقها كجزء من شبكات إمداد مرتبطة بالحرب السودانية. بالنسبة إلى القاهرة، لا يتعلق الأمر فقط بموقفها من الحرب السودانية، التي تدعم فيها الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، بل أيضاً بالخوف من تحول المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان إلى منطقة مفتوحة أمام حركة السلاح والمقاتلين وشبكات التهريب.

يأتي الملف الأمني في بنغازي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى القاهرة، بعد اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بقوات شرق ليبيا اللواء فوزي المنصوري، في تفجير استهدف سيارته في المدينة في 10 أغسطس/ آب الحالي. وكانت مصادر أمنية ليبية قد قالت إن المنصوري قُتل بعبوة ناسفة، فيما وصفت القيادة العامة لقوات شرق ليبيا العملية بأنها محاولة لزعزعة أمن بنغازي، وأكدت مواصلة التحقيقات لكشف منفذيها. وبحسب المصادر المصرية، فإن القاهرة تنظر بقلق إلى إمكانية أن تكون العملية مؤشراً على “عودة نشاط التنظيمات الإرهابية أو الخلايا المسلحة إلى بنغازي، بعد سنوات من إعلان قوات حفتر استعادة السيطرة الأمنية على المدينة”. تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، لأن أي تدهور أمني في بنغازي أو شرق ليبيا لا يبقى محصوراً داخل الأراضي الليبية، وفق تقدير المصادر، بل يمكن أن يمتد تدريجياً باتجاه الجنوب والجنوب الشرقي وصولاً إلى الحدود المصرية، بما يعيد إنتاج المخاوف التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بوجود تنظيمات مسلحة وشبكات تهريب على مقربة من الحدود.

ولا يعني اغتيال المنصوري، حتى الآن، أن تنظيم داعش أو تنظيماً مسلحاً بعينه عاد إلى بنغازي؛ إذ لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية، لكن مجرد استهداف مسؤول استخباراتي رفيع بعبوة ناسفة أعاد إلى الواجهة هواجس أمنية كانت القاهرة تعتقد أن قوات حفتر تمكنت من احتوائها. ومن الملفات التي بحثتها مصر مع حفتر، بحسب المصادر، نشاط قوات مرتبطة بمعسكره في دول الساحل، وخصوصاً النيجر. وأشارت المصادر إلى واقعة الإفراج عن المواطن الأميركي كيفن رايدوت، الذي اختُطف في النيجر على يد فرع لتنظيم داعش في منطقة الساحل، ثم ظهر لاحقاً في بنغازي قبل نقله إلى الولايات المتحدة. وأوضحت المصادر المصرية أن مصر ناقشت مع حفتر ملابسات تدخله في هذا الملف، وما يرتبط بدعم مجموعات مسلحة في منطقة الساحل، مشيرة إلى أن جانباً من هذه التحركات يحصل عبر نجله صدام حفتر. وتنظر مصر بحساسية إلى أي تمدد لقوات أو شبكات مرتبطة بالشرق الليبي داخل النيجر أو دول الساحل، ليس فقط بسبب ارتباط ذلك بأمن ليبيا، وإنما لأن منطقة الساحل باتت إحدى أكثر المناطق اضطراباً في أفريقيا، مع تداخل نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.

ولم يغب الجانب الاقتصادي عن الزيارة، خصوصاً أزمة الكهرباء التي تحولت إلى مشكلة واسعة في ليبيا، ولم تعد مقتصرة على مناطق بعينها. وشهدت مناطق واسعة من شرق ليبيا وأجزاء من الجنوب والغرب انقطاعات كبيرة في التيار الكهربائي خلال الأسابيع الماضية، بينما وصلت الأزمة في غرب البلاد إلى حد خروج احتجاجات ودعوات إلى العصيان المدني، كان من أبرز دوافعها تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء. كذلك تعرضت منشآت كهرباء في غرب البلاد للاستهداف، إذ أعلنت الشركة العامة للكهرباء في ليبيا احتراق محطة تحويل في الزاوية وخروجها من الخدمة بعد استهدافها، ما أدى إلى فقدان التغذية في مناطق واسعة جنوب المدينة.

وبحسب المصادر المصرية، يريد حفتر إيجاد حلول لأزمة الكهرباء في المنطقة الشرقية، باعتبارها أصبحت واحدة من أبرز مصادر الضغط الشعبي على السلطات الموالية له، فضلاً عن ارتباطها بصورة مباشرة بمشروعات الإعمار التي يقدمها معسكر الشرق باعتبارها إحدى أدوات إثبات قدرته على إدارة المناطق الخاضعة لنفوذه. ولم يكن ملف الكهرباء جديداً على قيادة شرق ليبيا؛ إذ سبق لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، تشكيل لجنة لمعالجة أزمة الكهرباء في المنطقتين، الشرقية والجنوبية، وتوفير معدات للشبكة. وعلى المستوى العسكري، شارك رئيس أركان قوات شرق ليبيا خالد حفتر في اجتماعات القاهرة، وهو ما أعطى المباحثات بعداً عسكرياً وفنياً، بحسب المصادر المصرية.

وذكرت المصادر أن مسؤولين مصريين ناقشوا مع خالد حفتر عدداً من المسائل الفنية المرتبطة بأداء القوات وانتشارها وأوضاعها الأمنية، مشيرة إلى وجود تقييم مصري بأن خالد حفتر اهتم خلال الفترة الأخيرة بالترويج لنفسه سياسياً وإعلامياً، أكثر من اهتمامه بإظهار كفاءة عسكرية حقيقية للقوات التي يتولى رئاسة أركانها. وبحسب المصادر نفسها، فإن القاهرة تلاحظ ما تصفه بـ”تراخٍ أمني وعسكري” في بعض مناطق شرق ليبيا، وترى أن اغتيال المنصوري يمثل اختباراً جدياً لقدرة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لحفتر على حماية القيادات والمنشآت الحيوية ومنع عودة الاضطراب إلى بنغازي.

ولا ينفصل ذلك عن صعود دور صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، الذي أصبح لاعباً أكثر حضوراً في الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بمعسكر الشرق. وذكرت المصادر المصرية أن صدام يحاول فتح قنوات مع أطراف متباينة، بما فيها روسيا وتركيا والولايات المتحدة، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً بالنسبة إلى مصر التي كانت طوال السنوات الماضية تتعامل مع شرق ليبيا باعتباره مجال نفوذ استراتيجياً وأمنياً مهماً لها. ويأتي ذلك في وقت وسعت فيه تركيا بالفعل قنوات تواصلها مع قيادة شرق ليبيا، بعدما كانت لسنوات الداعم العسكري الأبرز لمعسكر طرابلس في مواجهة حفتر. وتشير تقارير إلى أن هذا الانفتاح التركي شمل لقاءات مع صدام حفتر، بما يعكس تحولاً في السياسة التركية نحو التواصل مع مراكز القوة المختلفة في ليبيا، وبالتالي، فإن القاهرة لا تنظر فقط إلى العلاقة التقليدية مع خليفة حفتر، وإنما تتابع أيضاً مسار صعود أبنائه، وخصوصاً صدام، واحتمال أن يؤدي تعدد قنواتهم الخارجية إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات داخل معسكر الشرق.

تزامنت زيارة حفتر مع اضطرابات سياسية واجتماعية في غرب ليبيا، إذ شهدت طرابلس في أواخر يوليو/ تموز الماضي، موجة احتجاجات وعصياناً مدنياً احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية وأزمة الكهرباء والمطالبة برحيل حكومة عبد الحميد الدبيبة. وأغلق محتجون مؤسسات حكومية وشركات عامة، بينما امتدت الاحتجاجات إلى مناطق عدة في العاصمة، في مشهد يعكس اتساع حالة الغضب تجاه حكومة الوحدة الوطنية. وقالت المصادر المصرية إن هذا التطور يمثل أحد عناصر القلق الرئيسية لدى القاهرة، لأن ضعف حكومة طرابلس في مقابل استمرار الانقسام المؤسسي والعسكري قد يفتح الباب أمام تحركات من قوى أخرى، بما فيها القوى الموجودة في الشرق، ويعيد إنتاج سيناريوهات الصدام التي حاولت مصر خلال السنوات الماضية منع عودتها.

رسائل القاهرة إلى حفتر

ومن هنا يمكن فهم إعادة تأكيد السيسي، خلال اللقاء، لضرورة توحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات، وهي الرسالة التي لا تستهدف طرابلس وحدها، بل تنطبق أيضاً على معسكر الشرق وحفتر. القاهرة، وفق تقدير المصادر، تريد الحفاظ على نفوذها وعلاقاتها بشرق ليبيا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يتحول هذا النفوذ إلى عامل جديد يعمق الانقسام أو يدفع حفتر وأبناءه إلى ترتيبات إقليمية منفردة. وتبدو الرسالة المصرية الأساسية لحفتر، وفق هذه القراءة، أن الأمن الليبي لا يمكن فصله عن أمن دول الجوار، وأن استمرار الانفتاح على ملفات السودان والساحل والقوى الدولية المتنافسة، بالتوازي مع هشاشة الوضع الداخلي، قد ينتج مخاطر لا تستطيع القاهرة تجاهلها، خصوصاً أن أي تدهور واسع في شرق ليبيا يظل أقرب جغرافياً إلى الحدود المصرية من أي عاصمة إقليمية أخرى. وبذلك، فإن دلالة توقيت الزيارة لا ترتبط فقط بالمسار السياسي الليبي، بل بمحاولة مصر إعادة ضبط علاقتها بمعسكر الشرق، والحصول على إجابات بشأن ملفات أمنية باتت تتجاوز الحدود الليبية، في وقت تزداد فيه احتمالات إعادة تشكيل موازين القوى داخل ليبيا وحولها.

في السياق، اعتبر حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق ” أن أحد الملفات التي تفرض نفسها على المشهد الليبي يرتبط بالتطورات في السودان، في ضوء ما يثار بشأن احتمالات امتداد تداعيات الصراع السوداني إلى الأراضي الليبية، فضلاً عما يتردد عن وجود أدوار لبعض الأطراف الليبية في هذا الصراع، وهو ما يجعل التطورات في البلدين مرتبطة بدرجة أكبر من الناحية الأمنية والاستراتيجية. من ناحيته، أفاد شريف عبد الله، مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية، بأن الإحاطة الأممية الأخيرة في 18 أغسطس الحالي عكست صورة ضبابية وسلبية إلى حد كبير بشأن المشهد الليبي، وهو ما يثير مخاوف لدى المجتمع الدولي من استمرار حالة عدم الاستقرار، مشيراً إلى أن زيارة وفد المنطقة الشرقية للقاهرة تبدو مرتبطة بهذه التطورات.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here