مهدي الزغديدي
أهم ما يجب معرفته
وقعت الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي، يهدف لإنهاء الصراع في شرق الكونغو. يتضمن الاتفاق التزامات أمنية متبادلة، لكن هناك مخاوف من استغلال الموارد. الاتحاد الأفريقي رحب بالخطوة، بينما حذرت منظمات حقوقية من تجاهل حقوق المدنيين في العملية. تبقى الآمال معقودة على تنفيذ بنود الاتفاق.
أفريقيا برس. وقّعت جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا أمس الخميس في العاصمة الأمريكية واشنطن اتفاق سلام برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يهدف إلى إنهاء سنوات من التوتر والصراع في شرق الكونغو، ويفتح الباب أمام تعاون أمني واقتصادي بين البلدين، خاصة في مجال المعادن الاستراتيجية.
ويشمل الاتفاق التزامات أمنية متبادلة، من بينها تعهد الكونغو بتفكيك جماعات المتمردين الروانديين مقابل التزام رواندا بوقف دعمها لحركة “إم 23” وسحب قواتها من المناطق الحدودية، إضافة إلى إنشاء آلية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الأمني.
ردود فعل سياسية وإقليمية
رحّب الاتحاد الأفريقي بالاتفاق، واعتبره “خطوة تاريخية نحو الاستقرار”، مؤكداً أن نجاحه يتوقف على التنفيذ الفعلي لبنوده.
كما أشاد قادة أفارقة مثل رئيسي كينيا وأنغولا بدور الوساطة الأمريكية والقطرية في تقريب وجهات النظر بين كينشاسا وكيغالي، ورأوا فيه فرصة لإعادة بناء الثقة بين البلدين.
في المقابل، أبدت أوساط سياسية في الكونغو تخوفها من أن يتحول الاتفاق إلى غطاء قانوني لاستمرار استغلال رواندا موارد الكونغو، خاصة أن بنوداً منه تتيح التعاون في تصدير ومعالجة المعادن الحيوية مثل الكوبالت والليثيوم، وهو ما يثير مخاوف من أن تكون المصالح الاقتصادية قد طغت على جوهر الأزمة الأمنية.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الرواندي أوليفييه ندوهونجيرهي في تصريح لرويترز أن اتفاق السلام الموقع مع الكونغو يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء النزاع في شرق البلاد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الوضع الميداني لا يزال هشا مع استمرار الاشتباكات بين الجيش الكونغولي ومتمردي “حركة إم 23”.
تحذيرات حقوقية
وحذرت منظمات حقوقية -بينها منظمة العفو الدولية- من أن الاتفاقات السابقة لم توقف الانتهاكات في شرق الكونغو، حيث لا تزال التقارير تتحدث عن مجازر وعمليات اغتصاب ونزوح جماعي.
وأكدت أن أي سلام لا يضع حقوق المدنيين في صلب أولوياته سيظل هشا وقابلا للانهيار.
كما عبّرت منظمات مدنية في مدينة غوما عن شكوكها، مشيرة إلى أن التوقيع جرى في واشنطن دون إشراك المجتمع المدني الكونغولي أو ممثلي الضحايا، وهو ما يثير مخاوف من أن يكون الاتفاق موجهاً أكثر نحو مصالح القوى الكبرى في المعادن الاستراتيجية بدلاً من معالجة جذور الأزمة الإنسانية والأمنية.
أهم ما تناولته الصحف
تناولت الصحف والمواقع الإعلامية الاتفاق من زوايا مختلفة، فقد اعتبرت صحيفة “ميل آند غارديان” الجنوب أفريقية أن الاتفاق يعكس “فشل الحلول الأفريقية لمشكلات القارة”، وأن اللجوء إلى واشنطن يضعف دور الاتحاد الأفريقي والجماعات الإقليمية.
أما موقع قناة “سي جي تي إن” الصينية فأبرز البعد الجيوسياسي، مشيراً إلى أن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة منفذاً مباشراً إلى المعادن الكونغولية في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي في أفريقيا.
في المقابل، ركزت وسائل إعلام كونغولية مثل “راديو أوكابي” و”أكتوياليتي سي دي” على تفاصيل الاتفاق، موضحة أن دخوله حيز التنفيذ مشروط بتنفيذ الالتزامات الأمنية، وأنه يفتح الباب أمام إطار تكامل اقتصادي مشترك.
من جانبها، قدّمت وسائل الإعلام الرواندية المحلية مثل “كاتي برس” اتفاق السلام مع الكونغو باعتباره انتصاراً دبلوماسياً للرئيس بول كاغامي و”فرصة تاريخية للرخاء الإقليمي”، حيث ركزت على البعد الأمني من خلال إبراز التزام الكونغو بتفكيك جماعات الهوتو المسلحة باعتباره ضمانة لأمن رواندا.
سلام هش أم فرصة تاريخية؟
بينما يصفه بعض القادة الأفارقة بأنه فرصة تاريخية للسلام، يرى منتقدون أن الاتفاق يكرس مصالح القوى الكبرى ويغفل جذور الأزمة في شرق الكونغو.
وبين التفاؤل والشكوك، يبقى مصير الاتفاق رهناً بمدى التزام الأطراف بتنفيذ بنوده وبقدرة المجتمع الدولي على ضمان أن يكون السلام لصالح الشعوب لا على حسابها.
تاريخياً، شهدت العلاقات بين الكونغو ورواندا توترات مستمرة، خاصة بعد النزاعات المسلحة التي اندلعت في التسعينيات. هذه النزاعات أدت إلى تدفق اللاجئين وتدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة. الاتفاقات السابقة لم تنجح في تحقيق السلام المستدام، مما جعل المجتمع الدولي يتدخل مجدداً في محاولة لحل الأزمة.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت المخاوف من استغلال الموارد الطبيعية في الكونغو من قبل دول مجاورة، مما زاد من تعقيد الوضع. الاتفاق الأخير في واشنطن يأتي في سياق محاولات جديدة لإعادة بناء الثقة بين البلدين، لكنه يثير تساؤلات حول مدى جدية الأطراف في معالجة جذور الأزمة الإنسانية والأمنية.





