أفريقيا برس. في محاولة جديدة لإعادة ضبط مسار الوساطة الإقليمية والدولية في أزمة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ترأس الرئيس التوغولي فور غناسينغبي، الاثنين الماضي، اجتماعًا رفيع المستوى في العاصمة لومي، بصفته وسيط الاتحاد الأفريقي المكلف بملف النزاع في شرق الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى، وسط تصاعد ميداني مستمر يهدد بإفشال الجهود السياسية ويضع مسارات السلام أمام اختبار صعب.
وجاء الاجتماع، الذي خُصص للتقييم نصف السنوي لجهود السلام، في وقت يشهد فيه شرق الكونغو الديمقراطية تعقيدات أمنية وسياسية متزايدة، مع استمرار المعارك بين الجيش الكونغولي وتحالف “نهر الكونغو/إم 23″، إلى جانب تضارب الأجندات الإقليمية والدولية بشأن كيفية إنهاء النزاع الذي ألقى بظلاله على منطقة البحيرات العظمى لسنوات طويلة.
ووفق ما أورده موقع “ميديا كونغو”، فإن الاجتماع سبقته جلسات تقنية امتدت يومي الأحد والاثنين، وشارك فيه ممثلون عن عدد من المؤسسات الإقليمية والدولية الفاعلة، من بينها لجنة ميسّري الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجماعة شرق أفريقيا، وجماعة دول وسط أفريقيا، ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (سادك)، والمؤتمر الدولي لمنطقة البحيرات العظمى، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويعكس هذا الحضور الواسع إدراكًا متزايدًا بأن أزمة شرق الكونغو لم تعد مجرد نزاع داخلي محدود، بل أصبحت قضية إقليمية متشابكة ترتبط بالأمن الحدودي، وتنافس النفوذ، والموارد الطبيعية، فضلاً عن التداعيات الإنسانية التي طالت ملايين المدنيين في المناطق المتضررة.
وقال غناسينغبي خلال الاجتماع إن المشاركين “قطعوا خطوة مهمة منذ يناير/كانون الثاني الماضي في إدخال مزيد من النظام على بنية الوساطة الأفريقية”، معتبرًا أن اللقاء يمثل تقدمًا مهمًا في تحسين العمل الجماعي والبحث عن حلول دائمة للأزمة. وأضاف أن مهمة الوساطة ستتواصل “بتواضع وعزم ومثابرة”، رغم الصعوبات والتحديات التي تواجهها.
ويُنظر إلى الدور الذي تلعبه توغو باعتباره محاولة لإعادة الاعتبار للدبلوماسية الأفريقية في إدارة النزاعات داخل القارة، بعد سنوات من الانتقادات التي وُجهت إلى ضعف التنسيق بين المبادرات المختلفة وتعدد الوسطاء وتضارب المسارات السياسية.
ولعل أبرز ما خرج به اجتماع لومي هو المصادقة على تعزيز التنسيق بين مكتب الوسيط الأفريقي ولجنة الميسّرين ومفوضية الاتحاد الأفريقي والأمانة المشتركة، في خطوة تستهدف الحد من الازدواجية التي طبعت جهود الوساطة خلال السنوات الأخيرة.
كما اتفق المشاركون على ضرورة هيكلة مساهمة أفريقية أكثر وضوحًا في مساري واشنطن والدوحة، بما يسمح بعدم تهميش الدور الأفريقي في المفاوضات الجارية بشأن الأزمة الكونغولية، خاصة في ظل الانتقادات التي تعتبر أن بعض المبادرات الخارجية ركزت على الجوانب الأمنية والدبلوماسية الثنائية أكثر من معالجة جذور النزاع المركبة.
وطلب المجتمعون إعداد خطة عمل تنفيذية خلال 15 يومًا لترجمة قرارات الاجتماع إلى خطوات عملية، في مؤشر على وجود رغبة في الانتقال من مرحلة المشاورات السياسية إلى آليات تنفيذ ملموسة، رغم إدراك الجميع لصعوبة المهمة في ظل استمرار التوتر العسكري على الأرض.
غير أن الحراك الدبلوماسي الجاري يصطدم بواقع ميداني شديد التعقيد. فقد أعلنت القوات المسلحة الكونغولية، السبت الماضي، استمرار العمليات العسكرية التي ينفذها “تحالف نهر الكونغو/إم 23” في شرق البلاد، رغم وجود مسارات سلام متعددة تقودها كل من الولايات المتحدة وقطر.
وأشارت المؤسسة العسكرية الكونغولية إلى تواصل الهجمات على بلدات في إقليم شمال كيفو، إضافة إلى اشتباكات وتحركات عسكرية في مرتفعات فيزي وأوفيرا بإقليم جنوب كيفو، فضلًا عن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مطار بانغوكا في مدينة كيسانغاني، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الأمني واتساع رقعة التوتر.
ويُعد تمرد حركة “إم 23” من أكثر الملفات تعقيدًا في الأزمة الحالية، إذ تتهم كينشاسا رواندا بتقديم دعم عسكري مباشر للحركة، بل وبالمشاركة الميدانية في العمليات العسكرية داخل الأراضي الكونغولية، وهي اتهامات تنفيها كيغالي باستمرار، مؤكدة أن مخاوفها الأمنية مرتبطة بوجود جماعات مسلحة معادية قرب حدودها.
وكان اتفاق واشنطن الموقع بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا قد نص على التزامات أمنية متبادلة، أبرزها انسحاب القوات والمعدات العسكرية الرواندية من الأراضي الكونغولية، إلى جانب ترتيبات أمنية تهدف إلى خفض التصعيد وتعزيز الثقة بين الطرفين.
لكن التطبيق العملي للاتفاق لا يزال يواجه عراقيل كبيرة، خاصة مع استمرار تبادل الاتهامات وتصاعد العمليات العسكرية. وتشير تقارير متابعة اتفاقيات السلام في أفريقيا إلى أن نسبة تنفيذ اتفاق واشنطن لم تتجاوز 23.3% حتى مطلع يناير/كانون الثاني 2026، وهو ما يعكس الفجوة بين التعهدات السياسية والواقع الميداني.
ويعود جزء من تعثر الوساطات السابقة إلى تشابك المصالح الإقليمية والدولية في شرق الكونغو، وهي منطقة تُعد من أغنى مناطق العالم بالمعادن الاستراتيجية، بما في ذلك الكولتان والكوبالت والليثيوم والذهب، وهي موارد تدخل بشكل مباشر في الصناعات التكنولوجية الحديثة وصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية.
ويعتقد مراقبون أن هذا البعد الاقتصادي يجعل الصراع يتجاوز الحسابات الأمنية المحلية، ليرتبط أيضًا بمنافسة دولية متزايدة على الوصول إلى المعادن الحيوية، وهو ما يفسر الاهتمام الأمريكي المتصاعد بالمنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، حاول الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي منذ مطلع عام 2026 إعادة الاتحاد الأفريقي إلى موقع القيادة في جهود الوساطة، عبر إطلاق حراك دبلوماسي واسع شمل استضافة توغو اجتماعًا وزاريًا في 17 يناير/كانون الثاني الماضي، جمع وسطاء من قطر والولايات المتحدة وميسّري الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى وفود من كينشاسا وكيغالي.
وجاءت هذه الخطوة بعد تراجع الثقة في المبادرات السابقة التي أُطلقت خلال عام 2025، والتي لم تنجح في تحقيق اختراق أمني واضح أو فرض تهدئة دائمة، رغم تعدد الاجتماعات والاتفاقات المعلنة.
كما واجهت الوساطات الإقليمية انتقادات تتعلق بغياب موقف موحد بين المنظمات الأفريقية المختلفة، إذ تبنت بعض الأطراف مقاربات متباينة في التعامل مع الأزمة، بين التركيز على البعد العسكري أو السياسي أو الإنساني، ما أضعف فعالية الجهود المبذولة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن وساطة توغو تواجه اختبارًا بالغ الصعوبة، إذ إن نجاحها لا يعتمد فقط على تنسيق الوسطاء أو صياغة خطط تنفيذية جديدة، بل يتوقف أيضًا على قدرة الأطراف المتنازعة على تقديم تنازلات فعلية، ومدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لدعم مسار سياسي موحد بدل تعدد المبادرات المتنافسة.
وبينما تسعى لومي إلى إعطاء دفعة جديدة للجهود الأفريقية، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح الوساطة الجديدة في كسر دائرة التعثر التي لازمت الأزمة الكونغولية لسنوات، أم أن التصعيد الميداني سيبقي فرص السلام رهينة الحسابات العسكرية والسياسية المتشابكة؟





