أبو القاسم الشابي: شاعر تونس مُلهم الحب والثورة

أبو القاسم الشابي: شاعر تونس مُلهم الحب والثورة
أبو القاسم الشابي: شاعر تونس مُلهم الحب والثورة

إدريس عمارة

أفريقيا برس. يعدّ أبو القاسم الشابي واحداً من أعظم شعراء تونس والعالم العربي في العصر الحديث، وصوتاً شعرياً فريداً جمع بين الرومانسية والنزعة الثورية وحب الحياة، كما تتميز كلماته ببعد فلسفي عميق.

ترك الشابي أثراً لا يمحى من الوجدان الأدبي والثقافي. تميز بتفرّده الشعري الذي جمع بين الرومانسية العميقة والنزعة الثورية وحب الحياة والإنسان. كانت قصائده مساحات للتجديد والتحدي فدعا إلى تحرير الشعوب من القيود. كتب عنه الكثيرون وغنى له المغنون ليصبح رمزاً للجمال والمعنى وللتجربة الإنسانية بين الإرادة والقدر والجمال وحب الحياة:

إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر

وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر

وَأَطْرَقْتُ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر

المولد والمنشأ:

ولد أبو القاسم بن محمد الشابي في يوم 24 شباط/فبراير 1909 في قرية الشابية بولاية توزر جنوب تونس، في أسرة متدينة ومثقفة، كان والده الشيخ محمد الشابي عالماً وقاضياً. تلقى تعليمه في جامع الزيتونة ثم الأزهر الشريف بالقاهرة. رافق الشابي والده في تنقلاته بين المدن التونسية، الأمر الذي أكسبه معرفة جيدة بطبيعة بلده وتضاريسها، ما انعكس بدوره على أشعاره فصارت تنبض بالحركة والمعاني الحية، إذ قام باختزان كل ما شاهده من واحات وحقول وجبال وطبيعة وجعلها رموزاً تعبّر عن الحياة والحرية:

إِنَّنِي ذَاهِبٌ إِلَى الغَــــابِ عَلِيَّ

فِي صَمِيمِ الغَابَاتِ أدفُنُ بُؤسِي

ثُمَ أَنْسَاكَ مَا اسْتَطَعْتُ، فَما َأَنْتَ

بِــأَهْلٍ لِخَــــمْرَتِي ولِكَـــأْسِ

ثُمَ تَحْتَ الصَّنَوْبَرِ، النَاضِرِ، الحُلُوِ

تَخُطُّ السُيُولُ حُفرة رَمْسِــي

وَتظَّلُّ الطُيُور تَلْغُو عَلَـى قَبْــــــــــــرِي

وَيَشْدُو النَسِيم فَوْقِي بِهَمْس.

بين الرومانسية والحب والثورة

لعلّ أشهر قصائد الشابي هي “إرادة الحياة” أو “لحن الحياة”، يقول في أحد أروع أبياتها:

إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ

فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي

وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

كانت كلمات الشابي هذه حافزاً ودافعاً للإرادة، ومصدر إلهام لكثير من الحركات الوطنية والثورية منذ زمن الاستعمار إلى يومنا هذا.

لقّب الشابي بـ”شاعر الخضراء” و”فولتير العرب” إذ ينشد الحرية المطلقة في أشعاره. كما أنه ينفرد بذلك العمق في تصوير الأحاسيس فينقلها ندية تضج بالحياة، يقول في جمال أخاذ يأخذ بالألباب:

أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ ويملأُ نَفسي صَبَاحُ الأَملْ

وتنمو بصدري وُرُودٌ عِذابٌ وتحنو على قلبيَ المشْتَعِلْ

ويفْتِنُني فيكِ فيضُ الحَيَاةِ وذاك الشَّبابُ الوديعُ الثَّمِلْ

ويفْتِنُني سِحْرُ تِلْكَ الشِّفاهْ ترفرفُ مِنْ حَوْلهنَّ القُبَلْ

ويقول:

الأُمُّ تَلْثُمُ طِفْلَها وتَضُمُّهُ

حرمٌ سَمَاويُّ الجمالِ مُقَدَّسُ

تَتَألَّهُ الأَفكارُ وهي جِوارَهُ

وتَعودُ طاهرةً هناكَ الأَنفُسُ

حَرَمُ الحَيَاةِ بِطُهْرِها وحَنَانِها

هل فوقَهُ حَرَمٌ أَجلُّ وأَقدسُ

بوركتَ يا حَرَمَ الأُمومَةِ والصِّبا

كم فيكَ تكتملُ الحَيَاةُ وتَقْدُسُ

التعليم والتكوين الثقافي

بدأ الشابي تعليمه في الكتاتيب القرآنية فحفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، ثم انتقل سنة 1920 إلى العاصمة تونس لمتابعة دراسته في جامع الزيتونة وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، فأظهر تفوّقاً ونبوغاً مبكراً، فحصل عام 1927 على شهادة ختم الدروس الزيتونية وهي أعلى شهادة آنذاك، ثم التحق بمدرسة الحقوق التونسية وتخرج منها سنة 1930.

لم يكتف الشابي بالدروس التقليدية، بل اتجه بشغف إلى القراءة الحرة، فكان يرتاد مكتبات الصادقية والخلاونية، ويطالع الأدب العربي القديم والحديث، إضافة إلى مطالعته أيضاً للأدب الأوروبي المترجم.

المرض وبدايات المعاناة

كان الشابي يعاني منذ طفولته من مرض في القلب، لكنه لم يظهر بوضوح إلا لاحقاً، ورغم تحذيرات الأطباء لم يتخل عن نشاطه الفكري والكتابي، كان مفعماً بحب الحياة في إصرار عجيب على البقاء منتصراً على آلامه وأحزانه:

سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ

كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ

أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً

بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ

لا أرْمقُ الظِّلَّ الكئيبَ ولا أرَى

مَا في قَرارِ الهُوَّةِ السَّوداءِ

وأَسيرُ في دُنيا المَشَاعرِ حالِماً

غَرِداً وتلكَ سَعادةُ الشعَراءِ

أُصْغي لمُوسيقى الحَياةِ وَوَحْيِها

وأذيبُ روحَ الكَوْنِ في إنْشَائي

وأُصيخُ للصَّوتِ الإِلهيِّ الَّذي

يُحْيي بقلبي مَيِّتَ الأَصْداءِ

وأقولُ للقَدَرِ الَّذي لا ينثني

عَنْ حَرْبِ آمالي بكلِّ بَلاءِ

لا يُطْفِئُ اللَّهبَ المؤجَّجَ في دمي

موجُ الأسى وعواصفُ الأَزراءِ

فاهدمْ فؤادي ما استطعتَ فانَّهُ

سيكون مثلَ الصَّخرة الصَّمَّاءِ

لا يعرفُ الشَّكوى الذليلَة والبكا

وضراعَة الأَطفالِ والضّعفاءِ

ويعيشُ جبَّاراً يحدِّق دائماً

بالفجر بالفجرِ الجميلِ النَّائي

حوّل ألمه الجسدي والنفسي، خصوصاً بعد وفاة والده، إلى طاقة شعرية عميقة، يقول الشابي في كلمات صادقة معبّرة يمزج فيها حزنه على فراق والده مع رغبته وتشبثه بالحياة والأمل وتساميه على أحزانه:

مَا كنتُ أَحْسَبُ بعدَ موتكَ يا أَبي

ومشاعري عمياءُ بالأَحزانِ

أَنِّي سأَظمأُ للحياةِ وأَحتسي

مِنْ نهْرِها المتوهِّجِ النَّشوانِ

وأَعودُ للدُّنيا بقلبٍ خافقٍ

للحبِّ والأَفراحِ والأَلحانِ

ولكلِّ مَا في الكونِ من صُوَرِ المنى

وغرائِبِ الأَهواءِ والأَشْجانِ

حتَّى تَحَرَّكَتِ السُّنونُ وأَقبلتْ

فِتَنُ الحَيَاةِ بسِحْرِها الفتَّانِ

فإذا أَنا مَا زلتُ طفلاً مُولَعاً

بتعقُّبِ الأَضواءِ والأَلوانِ

وإذا التَّشاؤُمُ بالحَيَاةِ ورفضُها

ضرْبٌ من البُهْتانِ والهَذَيانِ

إنَّ ابنَ آدمَ في قرارَةِ نفسِهِ

عبدُ الحَيَاةِ الصَّادقُ الإِيمانِ

بل ولعلّه قد مزج كل ذلك بذكريات طفولته وصباه حين حرم من اللعب واللهو بسبب مرض قلبه. فكان تصويراً أشبه بالتمسك بالحياة في عناد وإصرار أو في المشاكسة معها وصراعها.

المسار الأدبي والفكري

بدأ الشابي كتابة الشعر في سن مبكرة، تأثر بشعراء مثل اللورد بايرون وجون كيتس وبيرسي بيشي شيلي، كما تأثر بكتّاب المهجر وعلى رأسهم جبران خليل جبران و إيليا أبو ماضي، وظهر ذلك في نزوعه إلى تمجيد الذات وولعه بالطبيعة والحرية والإنسان مع رفض للقوالب الجامدة.

في عام 1929 ألقى محاضرته الشهيرة (الخيال الشعري عند العرب) التي دعا فيها إلى تجديد الشعر العربي والانفتاح على الخيال، فهاجمه المحافظون بشدة واتهموه بالخروج عن المألوف، ما كان له أثر نفسي عميق عليه.

الشعر والثورة

تميز شعر الشابي بكونه وجدانياً وثورياً في آن واحد، فهو شاعر الجماعة كما هو شاعر الذات، دعا إلى الثورة وإلى الحرية المطلقة وليست السياسية فقط، بل ثورة على الجمود والاستسلام والقدر السلبي يقول في قصيدته إلى طغاة العالم:

أيُّها الظالمُ المستبدُّ

عاشقُ الظُّلْمِ عدوُّ الحَيَاةْ

سَخِرْتَ بأنّاتِ شعبٍ ضعيفٍ

وكفُّكَ مخضوبةٌ من دماهْ

وسِرْتَ تُسَخِّرُ جندَ الرُّعَاةِ

لتَبْنِي قصورَكَ فوقَ الجِماجِمْ

وتُشْرِقُ أنوارُها في الفضاءِ

كشمسٍ تُغَشِّي العيونَ الظَّلامِ

رويدَكَ لا يَخْدَعَنَّكَ الرَّبيعُ

وصحوُ السماءِ وصفوُ الغُيومْ

ففي الأفقِ رحبٌ مُلَبَّدٌ

وقَاصِفُ رَعْدٍ عَتِيٌّ يَهُومْ

حذارِ…فتحتَ الرمادَ اللَّهيبَ

ومن يبذرِ الشوكَ يَجْنِ الجِراحْ

ومن يزرعِ السمَّ في الأرضِ

يحصدْهُ ناراً تُضيءُ الفِضاحْ

الوفاة

رغم قصر حياته، ترك الشابي إرثاً شعرياً ضخماً يضم أكثر من 130 قصيدة ومقالة. نشر ديوانه “أغاني الحياة” بعد وفاته عام 1955 وترجم إلى عدة لغات.

أدرجت أبيات من قصيدته “إرادة الحياة” في النشيد الوطني التونسي وأطلق اسمه على شوارع ومدارس وقاعات ثقافية ووضعت صوره على طوابع بريدية وعملات نقدية.

ولا يزال أبو القاسم الشابي حاضراً في الوجدان العربي، ورمزاً خالداً للإرادة والحرية والإيمان بالحياة.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here