كوت ديفوار بين الجفاف والفيضانات: حين يختبر المناخ دولة الكاكاو

كوت ديفوار بين الجفاف والفيضانات: حين يختبر المناخ دولة الكاكاو
كوت ديفوار بين الجفاف والفيضانات: حين يختبر المناخ دولة الكاكاو

رامي الزراع، مختص في الاتصال السياسي

أهم ما يجب معرفته

تواجه كوت ديفوار تحديات مناخية متزايدة، حيث تتأرجح بين فترات جفاف تؤثر على إنتاج الطاقة وأمطار غزيرة تؤدي إلى فيضانات مدمرة. هذه التقلبات المناخية، التي تفاقمت بفعل ظاهرة النينيو، تؤثر بشكل كبير على الزراعة والاقتصاد، مما يستدعي إعادة تقييم السياسات العامة للتكيف مع هذه التغيرات المناخية المتسارعة في البلاد.

أفريقيا برس. عاشت كوت ديفوار خلال السنوات الأخيرة على وقع تقلبات مناخية حادة، انتقلت فيها البلاد من فترات جفاف أثرت على الموارد الحيوية إلى أمطار غزيرة خلفت فيضانات مدمرة، في مشهد يعكس بوضوح تصاعد آثار تغير المناخ في غرب إفريقيا. ففي السنوات التي سبقت 2020، سجلت البلاد مواسم جفاف متتالية أدت إلى انخفاض منسوب المياه في السدود، وهو ما أثر بشكل مباشر على إنتاج الكهرباء المعتمد جزئيًا على الطاقة الكهرومائية. وقد تسببت هذه الوضعية في اضطرابات في التزويد بالطاقة، انعكست سلبًا على النشاط الاقتصادي، خصوصًا في القطاع الصناعي، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستقرار الطاقي.

غير أن الأزمة لم تتوقف عند حدود الجفاف. فابتداءً من 2023، دخلت كوت ديفوار مرحلة من التقلب المناخي المعاكس، حيث شهدت البلاد هطول أمطار كثيفة وغير منتظمة. وفي مناطق الإنتاج الفلاحي، خاصة تلك المعروفة بزراعة الكاكاو، أدت الرطوبة المرتفعة إلى فساد جزء من المحصول، ما شكل ضربة إضافية لاقتصاد يعتمد بشكل استراتيجي على تصدير هذه المادة الحيوية.

وبلغت هذه التقلبات ذروتها في يونيو 2024، حين تعرضت العاصمة الاقتصادية أبيدجان إلى فيضانات مفاجئة نتيجة أمطار غزيرة فاقت المعدلات الموسمية. وأسفرت هذه الفيضانات عن سقوط ضحايا وخسائر مادية جسيمة، إضافة إلى انهيارات أرضية وأضرار واسعة في الأحياء الهشة، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية البنية التحتية وشبكات تصريف المياه في المناطق الحضرية الكبرى. وفي مواجهة الكارثة، أعلنت السلطات حالة استنفار، حيث تم إجلاء المتضررين، وإيواء عدد من الأسر المنكوبة، وتقديم مساعدات عاجلة، إلى جانب تدخل وحدات الحماية المدنية والجيش لتأمين المناطق المتضررة والحد من المخاطر.

ويربط خبراء هذه الأحداث بظاهرة النينيو المناخية، التي تسببت في اضطراب أنماط الأمطار في عدة مناطق من العالم خلال 2023 و2024. غير أن المختصين يؤكدون أن خطورة النينيو اليوم لا تكمن في الظاهرة بحد ذاتها، بل في تفاعلها مع تغير المناخ، الذي يجعل آثارها أكثر حدة وتسارعًا، فتجتمع في نفس البلد، وأحيانًا في نفس السنة، مظاهر الجفاف والفيضانات معًا.

وقد شرعت كوت ديفوار في إعادة تقييم سياساتها العمومية المرتبطة بالطاقة والتخطيط العمراني والتصرف في المخاطر الطبيعية. فبعد أزمات الجفاف، تم التوجه نحو تنويع مصادر إنتاج الكهرباء لتقليص الاعتماد على السدود، بينما دفعت الفيضانات الأخيرة إلى تسريع النقاش حول تحسين البنية التحتية، وتعزيز الوقاية، وإدماج البعد المناخي في سياسات التهيئة الحضرية. كما عززت البلاد مشاركتها في المبادرات الإقليمية والدولية المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ، في محاولة للانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على الصمود.

وتكشف تجربة كوت ديفوار أن الأزمات المناخية لم تعد استثناءً، بل أصبحت عنصرًا بنيويًا في معادلة التنمية. فالجفاف الذي عطل الطاقة، والفيضانات التي حصدت الأرواح وأفسدت المحاصيل، هما وجهان لأزمة واحدة تفرض على الدول مراجعة نماذجها الاقتصادية وخياراتها البيئية قبل فوات الأوان.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here