أفريقيا برس. اختتم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، زيارة إلى ليبيا امتدت يومين، التقى خلالها عدداً من القادة والمسؤولين في طرابلس وبنغازي، في إطار تحركٍ لاستطلاع مواقف مختلف مراكز القوى الليبية من المبادرة الأميركية للحل في البلاد، والبحث عن أرضية يمكن من خلالها توسيع نطاق التفاهمات المرتبطة بها، وفقاً لما قاله مصدر دبلوماسي ليبي. ونشر فيدان تدوينة على حسابه بمنصة “إكس”، أمس الأربعاء، قال فيها إن زيارته إلى طرابلس وبنغازي مثلت تجسيداً عملياً لسياسة “ليبيا واحدة” التي تنتهجها بلاده، والتي لا تميز بين غرب ليبيا وشرقها وجنوبها، مؤكداً مواصلة أنقرة دعم تعزيز الحوار والتعاون بين غرب ليبيا وشرقها.
وأفاد المصدر الدبلوماسي من طرابلس، بأنّ تحرّك أنقرة في هذا التوقيت جاء بعدما أظهرت اللقاءات السابقة التي رعاها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي، صعوبة حصر التفاهمات بين الطرفين، في ظل مواقف قوى سياسية أخرى حالت دون المضي في ترتيبات جديدة ضمن المبادرة.
وأوضح المصدر نفسه أنّ هذا الأمر دفع بأنقرة إلى التحرّك في مساحة أوسع، إذ حرص فيدان خلال زيارته على لقاء قادة الأطراف الممانعة للمبادرة الأميركية، وهم: رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إلى جانب طرفي المفاوضات السابقة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وخليفة حفتر وأبناؤه؛ وذلك بهدف تكوين صورة كاملة عن حدود القبول والرفض للمبادرة، ومعرفة ما يمكن أن تقبله الأطراف المتحفظة أو الرافضة منها، وما يمكن أن يشكل عائقاً أمام أي تفاهم يترتب عنها.
الشخصيات التي التقاها فيدان حرصت على ما يبدو على إبقاء مواقفها من المبادرة الأميركية على حالها؛ إذ أبرز مكتب الدبيبة الإعلامي أن لقاءه مع فيدان تناول “سبل دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الوطنية وتعزيز الاستقرار”، من دون إبداء موقف واضح من المبادرة، بما ينسجم مع تحفظ الدبيبة غير المعلن تجاهها. أمّا المنفي، فأبرز مكتبه “أهمية أن تسهم مختلف الجهود في توحيد مؤسسات الدولة وأن تنطلق أي مبادرات أو تفاهمات من احترام مؤسسات الدولة والسيادة الوطنية والملكية الليبية للعملية السياسية، وصولاً إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وتؤسس لاستقرار مستدام”، في موقف يعكس استمرار رفضه المبادرة.
من جهته، أشار مكتب تكالة إلى أن اللقاء مع فيدان تناول “آخر مستجدات المشهد السياسي في ليبيا، والجهود المبذولة للدفع بالعملية السياسية نحو التوافق والاستقرار”. وجاء موقف عقيلة صالح متسقاً مع موقفه الرافض المبادرة، إذ أبرز مكتبه تأكيده “ضرورة إنهاء الأزمة الليبية من خلال توحيد مؤسسات الدولة والذهاب لانتخابات رئاسية وبرلمانية تحقق إرادة الشعب الليبي”.
وفي المقابل، أبرز مكتب حفتر، الذي سبق أن أعلن انخراطه في المبادرة الأميركية، تأكيد فيدان حرص أنقرة على دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات في ليبيا، وتطلعها إلى لعب دور مهم في توحيد الجهود الدولية، ودعم المبادرة الأميركية الهادفة إلى توحيد المؤسسات في ليبيا، وصولاً إلى الاستقرار الدائم.
رؤية فيدان: توسيع النقاش حول المبادرة الأميركية
وبالعودة إلى المصدر الدبلوماسي الرفيع، لفت الأخير إلى أن الرؤية التركية التي حملها فيدان لا تقوم على فرض المبادرة الأميركية على الأطراف الليبية، وإنما على “توسيع دائرة النقاش حولها قبل انتقالها إلى مرحلة أكثر تحديداً”، موضحاً أن أنقرة تقدّم نفسها، من خلال تحرّكها الأخير، الطرف الإقليمي الأكثر قدرة على التواصل مع مختلف مراكز القوة في ليبيا، بحكم علاقاتها الوثيقة مع طرابلس وانفتاحها الأخير على بنغازي.
وأضاف المصدر أنّ فيدان أراد، من خلال لقاءاته المتعددة، معرفة ما إذا بالإمكان تعديل مسار المبادرة أو توسيعها بما يجعلها قابلة للانخراط السياسي من أطراف أخرى، بدل أن تبقى تفاهماً ثنائياً بين ممثلي الدبيبة وحفتر. أمّا بالنسبة إلى تماهي أنقرة مع الموقف المصري من المبادرة الأميركية، أو معارضتها له، فأوضح المصدر أن القاهرة تتحفظ على المسار الأميركي من زاوية ما قد ينجم عنه من ترتيبات سياسية ومصالح إقليمية، لكنها لم تتخذ موقفاً رافضاً له.
تغيرات تجعل التواصل بين أنقرة والقاهرة مهماً
وفي الصدد، لفت المصدر إلى أن المبادرة الأميركية دفعت العاصمتين الأكثر تأثيراً في الملف الليبي إلى توسيع تحركهما؛ إذ انفتحت القاهرة على طرابلس بعد سنوات من الفتور، فيما عززت أنقرة تواصلها مع بنغازي، بما أتاح لكل منهما قدرة متزامنة على مخاطبة طرفي الانقسام الليبي. واعتبر المصدر أن هذا التغير يجعل التواصل بين أنقرة والقاهرة أكثر أهمية في المرحلة المقبلة.
التطورات الآنفة تأتي في ظل تراجع حضور المبادرة الأميركية بشكل لافت، خصوصاً منذ فشل اجتماع مالطا، مطلع شهر يوليو/ تموز الماضي، الذي أشرف عليه بولس بين ممثلي طرابلس وبنغازي، وكان يهدف إلى بدء مشاورات لبناء سلطة تنفيذية مشتركة بين سلطتي طرابلس وبنغازي، بعد عدة لقاءات سابقة يسّرها بولس بين الجانبين.
وفي هذا الإطار، رأى المصدر نفسه أنّ تصدّر المبادرة الأميركية المشهد الليبي لا يعود فقط إلى الدعم المباشر الذي يحظى به بولس من البيت الأبيض، وإنما أيضاً إلى كونها جاءت بإطار مختلف سعى إلى التعامل مباشرة مع قوى الأمر الواقع، في وقت كانت البلاد تعيش حالة من انسداد الأفق السياسي نتيجة تعثر الجهود الدولية والأممية السابقة.
وفيما كرر بولس دعم بلاده خريطة الطريق التي ترعاها البعثة الأممية بهدف إيصال البلاد إلى مرحلة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ورغم أن البعثة لم تعلن موقفاً من المبادرة الأميركية، إلا أن طبيعة التمثيل في طاولة “4+4” بتركيبة تضم ممثلين عن الدبيبة وحفتر سبق أن شاركوا في المفاوضات التي رعاها بولس، إلى جانب ممثلين عن مجلسي النواب والدولة، جعل مراقبين يرون فيه مؤشراً على وجود تقاطع جزئي بين المسارين الأممي والأميركي.
وجاء إنشاء البعثة طاولة “4+4” بعد فشل مجلسي النواب والدولة في إنجاز المرحلة الأولى من خريطة الطريق، المتمثلة في تهيئة المفوضية العليا للانتخابات للعمل وإجراء تعديلات على القوانين الانتخابية، وهي المهام التي أوكلتها الخريطة إلى المجلسين. وكان من المفترض أنّ يُعقد اجتماعاً لأعضاء لجنة “4+4″، الخميس، في مقر البعثة الأممية بتونس، للتوصل إلى توافق بشأن القضايا المطروحة ضمن خريطة الطريق الأممية، قد تأجل إلى موعد لم يحدّد بعد.





