استراتيجية حقوق الإنسان المصرية: بروباغندا لتحسين صورة النظام

6
استراتيجية حقوق الإنسان المصرية: بروباغندا لتحسين صورة النظام
استراتيجية حقوق الإنسان المصرية: بروباغندا لتحسين صورة النظام

أفريقيا برسمصر. أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، في مؤتمر حافل شهد حضور عدد من الوزراء والنواب والسفراء الأجانب والإعلاميين وممثلي منظمات المجتمع المدني. في المقابل، فإن السمة الأبرز كانت الغياب شبه التام للحديث عن سبل تدعيم حقوق الإنسان بمحاورها المعروفة والمقررة دولياً، وغياب أي إشارة إلى الأهداف الرئيسة التي بدأت من أجلها في الأساس جهود وضع هذه الاستراتيجية مثل فتح المجال العام، وتوسيع العمل السياسي والسماح بحرية تكوين الأحزاب الفعالة والنقابات المؤثرة والجمعيات المعارضة للسلطة، وإطلاق الحقوق والحريات السياسية والإعلامية والمدنية، ووقف الملاحقات الأمنية والاعتقالات والاستخدام المتعسف للسلطة ضد المعارضين.

اتخذت السلطة إطلاق الاستراتيجية فرصة للترويج الدعائي للداخل والخارج

قدّمت الدولة ممثلة في وزير الخارجية سامح شكري، والأمين العام للجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان ومندوب مصر الدائم في جنيف السفير أحمد إيهاب جمال الدين، عرضاً لمبادئ وبنود الاستراتيجية، تضمّن خلطاً واضحاً بين حقوق الإنسان والواجبات المترتبة على تولي الدول أدوارها الأصيلة في رعاية مصالح شعوبها. وتم تخصيص قسم ضئيل من الاستراتيجية للحقوق السياسية والمدنية، بترداد بعض العبارات المطاطة الخالية من أي تعهدات واقعية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، وتخصيص الجزء الأكبر من المبادئ لما وصفته الاستراتيجية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تتعلق في الأساس بطبيعة ممارسة السلطات لدورها تجاه شعبها، كالمرافق الصحية والتعليمية والقضاء والبنية التحتية والمشروعات الأساسية.

واتخذت السلطة إطلاق الاستراتيجية فرصة للترويج الدعائي للداخل والخارج لمشاريع السيسي المختلفة والبرامج التنموية والصحية التي أطلقت خلال الفترة الماضية. وأكدت اللجنة العليا أن الاستراتيجية ستكون “تتويجاً، واستكمالاً” لقرارات السيسي ومبادراته في جميع المجالات تقريباً، من دون أن تميز الاستراتيجية بين ما هو مطلوب وما قد تم بالفعل على أرض الواقع، مما حولها في معظم فصولها إلى تكرار لأحاديث ترددت سابقا في كل مناسبة حضرها السيسي.

وبدلاً من الانطلاق من الدستور كمرجعية رئيسية لوضع الاستراتيجية والتركيز على الملفات التي تتطلب تدخلاً تشريعياً أو تنفيذياً عاجلاً لتحسين أوضاعها، رأت اللجنة في عرضها أن ما تقدّمه الاستراتيجية من مبادئ بشأن العمل والتضامن الاجتماعي، هو امتداد لمبادرة “تكافل وكرامة”. وهي مبادرة مختصة بصرف الرواتب لغير القادرين. كما أن المبادئ الخاصة بالصحة العامة امتداد للمبادرات الرئاسية مثل “100 مليون صحة” والكشف المبكر عن الأمراض السارية. وأيضاً إن المبادئ الخاصة بمستوى المعيشة والمرافق الجيدة وغيرها من الخدمات، امتداد لمبادرة “حياة كريمة” التي دشنها السيسي في احتفال كبير قبيل عيد الأضحى الماضي.

وغاب عن الاستراتيجية التي وُضعت بعد اجتماعات مطولة مع ممثلي منظمات حقوقية وأحزاب ووسائل إعلامية، إعلان خريطة طريق واضحة لإطلاق الحريات المدنية والسياسية وتحسين أوضاع المعتقلين أو العفو عنهم، وفض الارتباط بين القضاء والأمن ضد المعارضين من سياسيين وحقوقيين. واكتفت اللجنة بذكر عبارات عامة غير دالة على شيء، بل وتحدث بعض الحضور عن أهمية البناء على ما تحقق من انفتاح سياسي، في انفصال تام عن الواقع العملي في مصر، والأحداث المتتالية التي تكشف عدم نيّة السلطات فتح المجال العام، وآخرها إحالة رئيس حزب “مصر القوية” عبد المنعم أبو الفتوح إلى المحاكمة لأسباب سياسية بحتة والتنكيل به باستخدام ادعاءات بعيدة عن الواقع.

كما أهملت الاستراتيجية نهائياً ملف المعتقلين والمعارضين والممنوعين من السفر والتصرف في أموالهم وغيرها من صور معاقبة المعارضين، وكذلك ملف حرية التعبير والتظاهر والاعتصامات والنشر الصحافي والثقافي، ولم تقدم أي تعهدات بتحقيق انفتاح في هذين المجالين، الأمر الذي باتت معه الاستراتيجية فاقدة لقدرتها على التأثير المباشر في المجال العام.

وتكريساً لما كان السيسي يتحدث عنه مراراً من ضرورة تقديم “مقاربة شاملة ومترابطة لحقوق الإنسان لا تقتصر على الحقوق السياسية”، أعلت الاحتفالية من الاهتمام الحكومي بالقضاء على صور التمييز بين المسلمين والمسيحيين، والرجال والنساء، والتركيز على التوجهات الرئاسية التي عنيت بتوسيع مشاركة المرأة في الحكومة والبرلمان والقضاء. كما قدمت عدداً من المشاريع البعيدة عن المفهوم الحقوقي كجزء من الاستراتيجية، كرقمنة الخدمات الحكومية والقضاء وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة.

وركز السيسي في كلمته على تلك النقاط التي لا تعني إلا تقديم ترجمة مصرية بديلة لمصطلح “حقوق الإنسان” غير المستخدمة في جميع دول العالم، وهو ما وصفه بـ”فلسفة مصرية ذاتية”، مطالباً الغرب باحترام ذلك المنظور “الذي يتعامل مع الحقوق والواجبات وجميع الحريات برؤية مترابطة ومتكاملة”.

المخابرات العامة والأمن الوطني تدخّلا بشكل كبير في وضع الصياغة النهائية للاستراتيجية

وبدلاً من منح تعهدات واضحة بشأن تداول السلطة وحرية الانتخابات التشريعية وإقامة الانتخابات المحلية وإطلاق تكوين الأحزاب، فإن السيسي ألقى بالعبء على ما وصفها بـ”الكيانات والجمعيات السياسية” لتوسيع المشاركة السياسية وتكوين كوادر، فيما يبدو وكأنه خطاب ضيق موجه فقط إلى الأحزاب الموالية للسلطة التابعة مباشرة للأمن الوطني والمخابرات العامة. وذلك في ظل استمرار اعتقال نخبة من قيادات العمل السياسي في مصر وعلى رأسهم المعتقلون في قضية “خلية الأمل” ورفض الإفراج عنهم لأكثر من سنتين، وتدويرهم في قضايا أخرى لضمان استمرار اعتقالهم بصورة مخالفة للدستور والقانون، إلى جانب التضييق المستمر على التيارات الناصري واليساري والليبرالي، فضلاً عن إغلاق الباب تماماً أمام عمل التيار الإسلامي في مصر منذ سبع سنوات.

ولم يفوّت السيسي الفرصة لتوجيه انتقادات متجددة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 واصفاً الوعي السياسي بأنه ليس أمراً إيجابياً بشكل دائم، لأن الوعي عندما يسبق الواقع لا تكون النتائج طيبة، على حد تعبيره، مشيراً إلى أن عام الثورة “شهد إعلان وفاة للدولة المصرية” لكنه في 2013 تدخل لمنع هذا الانهيار وانجرار مصر لمصير دول أخرى في المنطقة، ما زالت تصارع الحروب الأهلية.

وتبدو سياسات الدولة المنفذة على أرض الواقع، أقرب إلى هذه الرؤية غير الحقوقية للوعي والممارسة السياسية، منها إلى الرؤية الحقوقية السليمة التي كان من المفترض أن تفضي إليها هذه الاستراتيجية. والأمر الذي يفسر هذا التغيير الذي حدث بعد الانتهاء من وضع الاستراتيجية بأكثر من ثلاثة أشهر، أن المخابرات العامة والأمن الوطني تدخّلا بشكل كبير في وضع الصياغة النهائية لها، والالتفاف على ما تم الاتفاق عليه خلال الجلسات التحضيرية. وقالت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد” إن التعهدات الحكومية بتحسن الأوضاع الحقوقية كانت منذ البداية محل شك بالنظر إلى السلطات الفعلية للجنة الدائمة لحقوق الإنسان، والتي لا تقارن بسلطة المخابرات العامة والأمن الوطني، وقياساً بما أسفرت عنه المناقشات التي دارت في مجلسي النواب والشيوخ، والتي أهملت بشكل كبير شواغل الجماعة الحقوقية والنشطاء السياسيين والمدنيين، وركزت أكثر على “شكل الاستراتيجية” وطريقة تسويقها وترويجها في الخارج.

وأضافت المصادر أن تغليب الرؤى السلطوية لطبيعة الحقوق والحريات محل الاستراتيجية، على تلك التي كان يتوافق عليها المشاركون، يعكس رؤية الدولة لها وسيلةً لتحسين صورتها في العواصم الغربية من دون تحقيق تقدم يذكر في الواقع العملي، شأنها شأن الخطوات السابقة باستمرار إصدار قرارات بإخراج منظمات لا نشاط لها ولا تمارس العمل الحقوقي في الأساس من قائمة الاتهام في قضية التمويل الأجنبي. ومن هذه الخطوات أيضاً وفق المصادر، إصدار قرارات عفو تشمل السجناء الجنائيين العاديين لا السياسيين، واقتصار إخلاء السبيل بالنسبة للمعتقلين والمحبوسين احتياطياً على الصحافيين، وغيرها من صور الحديث عن انفراجة من دون تأثير حقيقي.

كما أن أعضاء في اللجنة الدائمة قالوا خلال المناقشات إن الاستراتيجية غير مختصة بالتعامل مع الوضع السياسي الراهن، ولا بالبت في بنود مبادرة “أول سبع خطوات” التي أطلقتها خمس منظمات حقوقية في مايو/أيار الماضي، ونصت على سبعة إجراءات محددة من أجل وقف التدهور غير المسبوق الذي تشهده مصر في أوضاع حقوق الإنسان على مدى الأعوام الماضية. والمنظمات هي: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، ومركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ودعمتها فيما بعد منظمة العفو الدولية.

غاب عن الاستراتيجية إعلان خريطة طريق واضحة لإطلاق الحريات المدنية والسياسية

ويؤكد هذا الأمر أن أي خطوات تعبر عن انفراجة حقيقية لا تخرج عن كونها “قرارات أمنية وسيادية”، مثل الإفراج عن السجناء السياسيين المحبوسين احتياطياً أو المحكوم عليهم من جميع التيارات السياسية بالآلاف بسبب نشاطهم السلمي، وإنهاء الحبس الاحتياطي المطول ومفتوح المدة ووقف “تدوير” السجناء السياسيين كمتهمين في عدة قضايا لإبقائهم في السجون. كما لم تتطرق الاستراتيجية إلى رفع حالة الطوارئ المفروضة منذ 2017 بالمخالفة للدستور، وتأجيل تنفيذ جميع أحكام الإعدام الصادرة في قضايا جنائية أو سياسية وعرضها على لجنة مختصة للعفو الرئاسي قبل تنفيذها.

وبناء على ذلك، فإن الحرص الذي كان باديا في الشهرين الماضيين على مد جسور التفاهم من خلال وسطاء سياسيين مع المجتمع المدني الداخلي والخارجي وإعادة العمل بقرارات العفو الرئاسي عن المحكومين، لا يعدو كونه جزءاً من سياسة حكومية لمغازلة الغرب وتخفيف الضغط الخارجي. ويُمكن إدراجه في سياق تحقيق أهداف قصيرة الأجل مثل تطوير المحادثات مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، والاستعداد لعقد لقاء بينه وبين السيسي في نيويورك أو واشنطن هذا العام، وصرف المعونة الأميركية بالكامل، وتحاشي فرض عقوبات اقتصادية، خاصة على التعاون العسكري مع الأوروبيين. أما الملفات التي أبدى أعضاء اللجنة الدائمة استعدادهم للمشاركة في حلحلتها، وانعكس هذا بالفعل في مؤتمر ال، فهي تلك المتعلقة بالأحوال الشخصية والدينية وقضايا النوع، مما يسفر عن تقديمها على المجال العام.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here