الزيادة السكانية في مصر لم تعد هي الفزاعة بعد تراجع معدل المواليد رسميا

3
الزيادة السكانية في مصر لم تعد هي الفزاعة بعد تراجع معدل المواليد رسميا
الزيادة السكانية في مصر لم تعد هي الفزاعة بعد تراجع معدل المواليد رسميا

مصطفى جاويش

أفريقيا برس – مصر. في احتفالية اليوم القومي للسكان في مصر؛ كشفت وزارة الصحة يوم الإثنين 1 آب/ أغسطس 2022، عن تراجع معدل المواليد في البلاد بنسبة 30 في المائة منذ عام 2015، ليصبح 21.2 لكل ألف نسمة سنة 2021، وصاحبه انخفاض كبير في معدل الزيادة الطبيعية للسكان (الفرق بين المواليد والوفيات) ليصبح 1.38 في المائة فقط، وتلك المعدلات تفوق بكثير المستهدفات التي كانت تسعى إليها الدولة في برامجها السكانية. وهذا الانخفاض الواضح في معدلات المواليد والزيادة الطبيعية للسكان يعتبر حدثا هاما، ونقطة تحول ديموغرافية كبيرة ولها أسبابا متعددة، لأن الظروف الاقتصادية والسياسية والمجتمعية والصحية لها بالغ الأثر، وتشير بالضرورة إلى الكثير من الدلالات.

تأثر الزيادة السكانية بالتطورات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية:

تضاعف عدد السكان في مصر على مدى خمسين عاما من 9.7 مليون عام 1897 إلى 19 مليون عام 1949، وشهد خلال تلك الفترة عدد من موجات الزيادة والانحسار كان من أبرزها موجة زيادة سكانية عقب إعلان المملكة المصرية عام 1922 ووضع دستور 1923، كما حدث تراجع بعد الموجة الوبائية للملاريا التي انتهت عام 1945، ثم وباء الكوليرا عام 1947 والذي شمل خسائر بشرية ومادية فادحة.

وفى بداية سنوات ثورة 23 يوليو 1952 بدأ الإحساس الجماهيري في الاستجابة للدعاية والاعلام الحكومي حول الرخاء القادم من خلال قوانين الإصلاح الزراعي وتوزيع الأرض على المعدمين، ثم وعود التنمية بعد تأميم قناة السويس وبدء إنشاء السد العالي، مما شجع المواطنين على كثرة الإنجاب بهدف توفير الأيدي العاملة الزراعية والاستمتاع بالرخاء الموعود، وبالتالي فقد ظهرت زيادة سريعة في النمو السكاني منذ عام 1952 وحتى عام 1966 ليصل عدد السكان إلى 29 مليون نسمة، حيث تقرر إنشاء الهيئة العليا لتنظيم الأسرة برئاسة وزير الصحة بهدف خفض المواليد والعمل على ضبط معدلات الزيادة السكانية.

ومع هزيمة يونيو 1967 وانتشار الإحساس العام بالإحباط وعدم الاستقرار المجتمعي، وكانت الحالة المزاجية العامة للمجتمع هي أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، مع توجيه معظم ثمرات الناتج المحلى نحو دعم جهود تجهيز وإعداد الجيش، بالتوازي مع انطواء معظم الشباب تحت لواء التجنيد الإلزامي بالجيش منذ عام 1967، وبدلا من قضاء مدة محددة حسب وجود مؤهل دراسي ودرجته من عدمه فقد استمرت الفترة مفتوحة للجميع، وحتى ما بعد حرب أكتوبر 1973، وشهدت تلك الفترة تراجعا في معدل المواليد بسبب تراجع معدلات الزواج.

وجاء انتصار أكتوبر73 وما تبعه عن الدعايات الإعلامية بالسلام وتوقف الحروب والوعود بالرخاء والاستقرار، لتشهد مصر طفرة سكانية كبيرة ومستمرة لعدة سنوات ليرتفع عدد السكان إلى 50.4 مليون نسمة عام 1986 مما أحدث قلقا بالغا، وأدى ذلك إلى إنشاء المجلس القومي للسكان ويتبع رئاسة الجمهورية مباشرة بحيث يكون هو المهيمن على جميع الأنشطة الهادفة الى حل المشكلة السكانية بمحاورها المختلفة بحيث يضم المجلس جميع وزراء الجهات المعنية بالسكان والصحة والنمو الاقتصادي.

بدأت مرحلة جديدة من الإجراءات الجادة بلغت ذروتها بعقد مؤتمر القاهرة الدولي للسكان عام 1994 وما تلاه من مشروعات وبرامج مجتمعية وإعلامية أثرت بقوة على خفض معدلات الزيادة السكانية خلال فترة التسعينيات، ولكن صدور القرار بنقل رئاسة المجلس القومي للسكان إلى وزير الصحة قلل من القوة التأثيرية على باقي قطاعات الدولة وصاحبها تراجع في الاهتمام بالإعلام السكاني منذ عام 2002، وبعدها ظهرت طفرة سكانية شملت زيادة واضحة في شريحة الشباب المقبلين على الزواج ـ بحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء ـ لتبدأ الموجة جديدة من زيادة أعداد المواليد.

جاءت أحداث ثورة 25 يناير 2011 متواكبة مع الإحساس الشعبي الجارف بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وما تلاها من حياة ديمقراطية وحرية سياسية، وواقع عملي يدل على مبشرات بالاكتفاء الذاتي من الغذاء خاصة القمح، وانتشار الأمل والطموحات في مستقبل أفضل، خاصة مع تصريحات الرئيس محمد مرسى، رحمه الله، بأن السكان يمثلون قيمة مضافة، وأن رأس المال البشرى يعتبر من أهم مكونات “التنمية المستدامة” حسب مقررات مؤتمر “ريو 92”.

وبالرغم من المنعطف التاريخي الحاد في مصر بعد الانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 2013، والذي ألقى بظلاله العميقة على المجتمع المصري بصورة عامة، وكان له بالغ الأثر في انتشار حالة من الظلامية وعدم اليقين في المستقبل في ظل الاستبداد القمعي والانسداد السياسي، إلا أن الزخم السكاني (Population Momentum)، والذي هو نتيجة للتحول الديموغرافي قد لعب دورا كبيرا في استمرارية معدل المواليد في الارتفاع ليصل إلى مداه عام 2015.

“تعويم الجنيه المصري عام 2016” وتأثيره الواضح على انخفاض معدل المواليد:

ومن ناحية أخرى فإن ما تمت الإشادة به رسميا من الجهود الكبيرة لكافة الجهات المعنية بالعمل السكاني والتي أثمر تعاونها، عن انخفاض معدل المواليد من 30.2 لكل ألف نسمة سنة 2015، إلى 21.2 لكل ألف نسمة سنة 2021. يرتبط زمنيا بتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، ما دفع كثير من الشباب إلى العزوف عن الزواج، وارتفاع نسب الطلاق في البلاد. وترتبط تلك الفترة تاريخيا ببدء ما عُرف بـ “برنامج الإصلاح الاقتصادي” تمهيدا للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وما صاحب ذلك من قرارات مثل تعويم العملة المحلية (الجنيه المصري) عام 2016، وتحرير أسعار بيع الوقود، والمياه والغاز والكهرباء، وزيادات متتالية في أسعار جميع السلع الأساسية، والتصريحات الرسمية حول خفض أعداد المستحقين لبطاقات صرف المواد الغذائية المدعمة والمعروفة في مصر باسم ” بطاقات التموين”، وفرض مزيد من الضرائب والرسوم على كل شيء يحتاجه المواطن تقريبا. وهذا التراجع الكبير في معدل المواليد يعنى واقعيا سقوط فزاعة الزيادة السكانية التي كانت ترفعها الدولة لتبرير ظروف المعيشة الصعبة للمواطنين.

ماذا بعد سقوط فزاعة الزيادة السكانية كوسيلة اعتاد النظام على التلويح بها؟

في احتفالية اليوم القومي للسكان 2022؛ أكد المتحدث الرسمي لوزارة الصحة على أهمية العلاقة التفاعلية بين السكان والتنمية حسب مقررات مؤتمر ريو 92، ومؤتمر القاهرة الدولي للسكان 1994، حيث يعد نمو السكان وخصائصهم وتوزيعهم، عوامل مؤثرة على التنمية المستدامة وفرص تحسين نوعية الحياة للمواطنين، مشيرًا إلى ضرورة مواصلة العمل لتذليل التحديات بما يحقق أهداف التنمية المستدامة من أجل تحسين نوعية حياة المواطن المصري والعمل من أجل مستقبل أفضل. وذلك في إشارة واضحة إلى أن الجهات المعنية بخفض معدلات المواليد قد قامت بدورها مما أثمر عن النجاح في خفض معدلات الزيادة السكانية، وبالتالي فقد سقطت فزاعة الزيادة السكانية، وعلى باقي أجهزة الدولة ضرورة القيام بدورها في باقي المجالات.

وحيث أن تحقيق التنمية الاقتصادية وإحساس المواطن بالرخاء لابد له من قيام الحكومة بتحقيق معدل للنمو الاقتصادي توازى ثلاثة أضعاف معدل النمو السكاني للبلاد، وبناء على ما ورد في صحيفة ” المال ” المصرية بتاريخ 25 مايو 2022: أن وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، قد استعرضت في اجتماع مجلس الوزراء مؤشرات أداء الاقتصاد المصري حيث بلغ معدل النمو نسبة 5.4% خلال الربع الثالث من العام (يناير ـ مارس 2022)، وأعلنت بأنه من المتوقع أن يصل معدل النمو الاقتصادي الحقيقي إلى 6.2% نهاية العام المالي 2022.

وبمقارنة إعلان وزارة الصحة عن تراجع معدل الزيادة الطبيعية للسكان ليصبح 1.38 في المائة فقط، (وبالطبع فإن معدل النمو السكاني يكون أقل بعد خصم صافي الهجرة للخارج) فإن هذا الرقم أقل بكثير من معدلات النمو الاقتصادي المعلنة، وهذا يعنى بالضرورة تحقيق التنمية الاقتصادية، وأن يشعر المواطن برغد الحياة وتوفر سبل المعيشة، وغياب هذا الإحساس بالرخاء واقعيا عند المواطنين حاليا يؤكد على وجود خلل حقيقي في أداء أجهزة الدولة بعيدا عن فزاعة الزيادة السكانية والتي سقطت واختفت فعليا على أرض الواقع حسب التقارير والاحصائيات الرسمية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here