المصريون وكأس العالم في قطر

4
المصريون وكأس العالم في قطر
المصريون وكأس العالم في قطر

عمر سمير

أفريقيا برس – مصر. قبيل انطلاق كأس العالم بأيام، ورغم المصالحة المصرية القطرية التي تعمّقت بزيارات متبادلة وضخّ استثمارات وقروض، إلا أن بعضهم، ضمن الإعلام الرسمي والموجّه وصفحات التواصل الاجتماعي للناشطين المقربين من النظام، خاض حملة للتصغير من إنجاز قطر هذه المهمة على أكمل وجه، وقد اجترّ هذا قطاعاً واسعاً من الجدل على مواقع التواصل.

ورغم غياب منتخب مصر عن هذه النسخة من كأس العالم، فإنّ أحد أشهر الفيديوهات تداولاً كان لمجموعة شباب مصريين يؤدون أغنية المونديال باللهجة المصرية، وكذلك للنجم المصري واسع الشعبية، محمد أبو تريكة، بصفته صاحب ضربة الانطلاق، وجزءاً من حملة الترويج القطرية، والذي ناله أيضاً جزء هام من الحساسية ضده، خصوصاً من نخبٍ منسحقة للغرب، وملكية أكثر من الملوك، في الدفاع عن كلّ ما هو شاذّ، نكاية فقط في الإسلاميين وكلّ محسوب عليهم أو داعم لهم. كما حضر الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتاح المونديال في قطر، والتقى على هامشه الرئيس التركي أردوغان.

انقسمت التعليقات والانحيازات بشأن هذا الحدث من نقد نمط الإنفاق إلى الانجرار خلف النقد الغربي لحقوق العمال والمثليين إلى التعليق الثقافوي على المحتوى والموقف من التمسّك القطري بالتراث والتوفيق مع الحداثة إلى مقارنات سخيفة.

انتقد بعضهم، ومن منطق يساري، الإنفاق الكبير على لعبة رياضية في ظل هذه الأعداد من الفقراء والجوعي والمرضى واللاجئين في العالم، وبغض النظر عن أن قطر لم تكن هي ولا سياساتها سببا في أيٍّ من هذه الكوارث والأزمات، لكن من قال إن قطر لا تنفق معونات تنموية ومنحا، وبمراجعة بسيطة سندرك أنها ضمن أكبر داعمي عملية إعادة إعمار غزّة ومقدمي المساعدات للصومال والسودان واليمن ومخيمات اللجوء السوري وغيرها، والتنمية أكبر من مجرّد مساعدات، وأن مجموع هذا لا يقارن بما يقال إنها أنفقته على كأس العالم. ولكن عديدين من هؤلاء لا ينتقدون حتى الدول التي استعمرت هذه البلدان ونهبتها، بل بالعكس يعيشون هناك ويشجّعون منتخباتها غالبا ضد منتخبات أفريقيا والمنطقة العربية. بعض هؤلاء يجعل من يؤيديون هذا النمط من الإنفاق في الكفة نفسها مع من يؤيدون المشاريع العملاقة للبنية التحتية في العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة. والحقيقة أن هذه مغالطة كبرى، فمن يموّل مشروعاته بفوائض مالية ومدّخرات ليس كمن يستدين لعمل مشروعات وهمية لن يستطيع أن يدخلها غالبية شعبه.

ونوع ثان، يمكن أن يسمّى يساراً طفولياً أو مدّعي اليسار، ويتعامل وكأنّنا نعيش في كومونة باريس، وأنّ القيادة القطرية كانت قيادة شيوعية انحرفت عن أهداف المجتمع الأممي، وأنّ عليه أن يحارب الفساد لتنصلح البلاد، ويرى أن هذه أموالنا ونفطنا وثرواتنا. ولكن إذا حدثتهم عن مشكلة في فلسطين أو اليمن وليبيا وسورية تجده نفسه يقول لك إنه لا علاقة لنا نحن بالعرب، نحن مصريون فقط. .. وما دخل قطر بليبيا أو السودان أو فلسطين؟ يتحدّث هؤلاء عن الفساد في “فيفا” في بلد عمل كلّ شيء بالفساد ثم كانت المحصلة صفراً في عزّ مجد نظامه واستقراره ومعدّلات نموه التاريخية قبل الثورة.

ينتقدون قطر ويريدون أن يحدّدوا لها أولويات إنفاقها وسياساتها الداخلية والخارجية، بينما يمسكون الطبلة لنظم ديكتاتورية عسكرية في بلدانهم، وأقصى طموحاتهم لا يعدو مساعدة النظام في إيجاد سندٍ بنقد تيارات الإسلام السياسي أو المعارضة اليسارية أو نقد التاريخ، نقدا أكل عليه الدهر وشرب منذ قرن، وقيل بكل التعبيرات، بينما لا يقدرون أن يتدخلوا في عملية تحديد أولويات إنفاق مجلس قروي، ولا حتى ينتقدونها بعد تحديدها أوتوقراطياً.

ينتقد حقوق العمّال هناك، بينما مصريون يهربون من بلادهم مشيا إلى ليبيا فيموت عشرات منهم في الصحراء، أو يلقون بأنفسهم في قوارب الموت للأسف في بلدٍ الحكومة نفسها تشغل الناس بعقود مؤقّتة، ومن بعد صدور قانون الخدمة المدنية تقريبا، لم تقم بتثبيت موظف واحد، ما يجعل العاملين يفتقدون الأمان الوظيفي. وإذا كانت حقوق الإنسان هي المعيار عنده، فلا بد لهؤلاء من ترك أوروبا وأميركا فورا حيث إنهم يعلمون ما فعلوه بالأرقام والصوت والصورة في العراق واليمن وليبيا وأفغانستان وڤيتنام، بما لا يقارن بما فعلته أية قوة أخرى عبر التاريخ. ولكن المعضلة إلى أين يعود هؤلاء؟ هل يعودون إلى بلد تطلب الشرطة العسكرية لمواجهة أي إضراب عمّالي؟ ربما عليهم إذا أن يعودوا إلى الغابة.

يمارس بعضهم الحنكة وادّعاء الحكمة المجرّدة بعيدا عن حقائق أولية، فلا يدرك هؤلاء أن مئات آلاف من المصريين في قطر، وبالتأكيد أغلبهم ليسوا إخوانا مسلمين أو منتمين للإسلام السياسي، وعوملوا أفضل معاملة طوال السنوات الماضية، رغم الأزمة السياسية التي كانت قائمة ورغم أزمة كورونا، فهل لو تعهدت الحكومة المصرية لهم بكلّ الضمانات أنها ستعاملهم مثل قطر سيعودون؟ يشك كاتب هذه السطور كما سيشك هؤلاء في عودتهم، لأن لا ثقة في وعود هذه الحكومة ولا حتى عند مؤيديها.

يمارس بعضٌ آخر نقدا نيوليبراليا تائها، وأقصى طموحه الحقوق والحرّيات الفردية المتعلقة بمجموعات المثليين والحق المطلق في تعاطي الخمور في كل مكان وكل وقت، ويسيرون خلف الحملة الأوروبية الشعواء على قطر بالذات في فرنسا وألمانيا، ويا ليتهم حتى يأخذون في الاعتبار الأصوات العقلانية هناك، والتي تقول باحترام قواعد البلد المضيف وقوانينه وتقاليده وعاداته، بل وصرّح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، نفسه، إنه إذا مارسنا هذا النوع من النقد، فعلينا أن نعتذر عما فعلناه ثلاثة آلاف سنة مقبلة، وأنه إذا كان الاختيار بين رفع شارة المثلية أو حضور المباراة فإن الفريق والجمهور سيلتزمون بالقواعد ولن يرفعوا تلك الشارات، وسيفضلون متعة ممارسة الكرة ومشاهدتها على مناصرة المثليين، وهو اختيار عقلاني بحت.

تيار آخر لا نستطيع أن نقول إنه يمثل الإسلاميين فغالبية قياداتهم لا علاقة لها بالكرة، وإنما يمثل نفسه والهوى الشعبي العام، يحتفي بقطر وإنجازها ولكن على طريقة المبالغة، بتحميلها وتحميل البطولة الكروية ما لم تحتمل، سواء بتداول قصة بلا مصادر عن إسلام مورغان فريمان أو دخول أعداد من الناس في الإسلام أو المبالغة في تضخيم الاحتفاء القطري بالعادات والتقاليد العربية والإسلامية. وتجلب هذه المبالغات نقدا شعبويا آخر، وتغذّيه لدى متصيّدي الساقطة واللاقطة للتيارات الإسلامية والتدين الشعبي ومدّعي العلموية والتنوير المنسلخين من كل تاريخ وتقاليد إلّا ما يجود به الغرب وقريحته اللائكية، وينكرون على قطر احتفاءها بالأذان والمظاهر الإسلامية والتقليدية الأخرى، وكأن عليها أن تنسلخ من جلدها وتتغير كليا من أجل 28 يوما هي أيام فعاليات الكأس.

في الأخير، نجحت قطر، في أقل من عقدين، في بناء نفوذ كبير يتجاوز دولاً أكبر منها حجماً سواء في السياسة أو الرياضة أو الإعلام والاقتصاد والاستثمار أو المعونات التنموية والأنشطة الخيرية والثقافية. وتصبح المقارنة معها مؤلمة، وبخاصة إذا ما قورنت مع بلد كمصر، لديها كل مقوّمات التنمية والنفوذ والدور، واختار نظامها تقزيمها خارجياً وإغراقها بالديون، وصولاً إلى بيع أصولها الاستراتيجية، ولا يزال يتغنّى بوطنيته.

بطبيعة الحال، نتمنى تمام النجاح لقطر، كما نتمناه لأي دولة عربية أو إسلامية أو أفريقية أو أي من دول الجنوب في تنظيم مثل هذه الفعاليات الرياضية، وندرك أن تظاهرات كبرى كهذه تسهم في تعزيز نفوذ الدول واقتصاداتها بأشكال مختلفة، لكن ما نتمنّاه أن تساهم قطر في قيادة الأنشطة الرياضية في المنطقة عبر تعزيز ممارسة الرياضة لدى الشباب في البلدان العربية، وأن تخصص قسطا من نفقاتها للاستثمار في ممارسات رياضية عادلة ومتاحة للجميع، كأن تختار مناطق محرومة من الأنشطة الرياضية، وتقيم فيها مدارس الكرة والملاعب والصالات الرياضية متعدّدة الأنشطة في البلدان العربية والأفريقية الأكثر فقرا، فهذه أداة نفوذ وقوة مستدامة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here