سد النهضة: المبادرة السودانية تعيد تجزئة الاتفاق المنشود

4
سد النهضة: المبادرة السودانية تعيد تجزئة الاتفاق المنشود
سد النهضة: المبادرة السودانية تعيد تجزئة الاتفاق المنشود

أفريقيا برسمصر. الت مصادر دبلوماسية مصرية إن القاهرة تنتظر موقف أديس أبابا إزاء تصريحات وزير الري السوداني ياسر عباس، التي تضمنت طرح ما يمكن وصفه بمبادرة جديدة لتقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث حول اتفاق ملء وتشغيل سد النهضة. ووصفت المصادر المبادرة بأنها “تطوير سوداني بناء على مفاوضات ودراسات مطولة مع مصر ودول أخرى، للمبادرة الأميركية التي حملها المبعوث الأميركي جيفري فيلتمان إلى جميع الأطراف في مايو/أيار الماضي وووجهت بالتعنت من قبل أديس أبابا بسبب الخلاف الذي طرأ بين الإدارة الأميركية وإثيوبيا حول أزمة المعارك الأهلية في إقليم تيغراي”.

نددت إثيوبيا بدعوة جامعة الدول العربية مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد لبحث الخلاف

ويأتي ذلك في وقت نددت إثيوبيا، الأربعاء، بدعوة جامعة الدول العربية مجلس الأمن الدولي، أول من الثلاثاء، إلى الانعقاد لبحث الخلاف بشأن اعتزامها تنفيذ المرحلة الثانية من ملء خزان سد النهضة، من دون التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب؛ مصر والسودان.

وعبرت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان، عن استيائها من قرار المجلس الوزاري للجامعة العربية الذي صدر الثلاثاء في الدوحة، معلنة رفضها له بالكامل واعتباره محاولة لتدويل وتسييس الخلاف، وقالت إنه لن يؤدي إلى تعاون إقليمي مستدام لإدارة واستغلال مياه النيل. كما اتهمت إثيوبيا الجامعة العربية بتغليب أولويات الأمن المائي لدول المصب من دون أي اعتبار لمصالح دول المنبع. وأضاف البيان الإثيوبي أنه “كان حرياً بالجامعة العربية كمنظمة إقليمية، تشجيع الأطراف الثلاثة على مواصلة الحوار بدل تبني موقف طرف ضد آخر”. وجدد البيان التأكيد على أن استغلال مياه النيل هو مسألة وجود بالنسبة لإثيوبيا أيضا، وأن تشغيل السد لا يتنافى مع القانون الدولي ولا يضر بمصالح أحد. وقال البيان إن الجامعة العربية “أضاعت الفرصة التي كانت متاحة لها للعب دور بناء في أزمة سد النهضة”، مؤكداً في الوقت ذاته، أن “الملء الثاني للسد سيتم في موعده ولا يخضع للنقاش”.

وبانتظار اتضاح موقف أديس أبابا، أوضحت المصادر الدبلوماسية المصرية، التي تحدثت مع “العربي الجديد”، أن تصريحات عباس في المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم الإثنين الماضي، والتي أعلن فيها قبول بلاده للاتفاق المرحلي وفق شروط ثلاثة، هي في واقعها “رسالة ضمنية من الخرطوم بفتح مسار جديد للتفاوض بناء على اتصالات سابقة بمصر والاتحاد الأفريقي ودول عربية والولايات المتحدة. لكن إثيوبيا لم ترد حتى الآن عليها، ومصر لن تعلن قبولها رسمياً إلا بعد قبول إثيوبيا، وبناء على ما ستبديه من جدية إزاء الشروط السودانية”.

إثيوبيا لم ترد حتى الآن على المبادرة السودانية، ومصر لن تعلن قبولها

وتتطلب تصريحات عباس تحليلاً دقيقاً لفهم جوانب الموقف أو المبادرة السودانية الجديدة، فقد قال أولاً إن تجزئة الاتفاق للملء والتشغيل المستمر أمر غير مقبول، وهذا موقف مصري سوداني مشترك منذ ما قبل المبادرة الأميركية الأخيرة، وسبق وعرضت إثيوبيا الأمر بمساعدة وترويج وضغط من الإمارات لم ترضخ له القاهرة والخرطوم.

لكن عباس عاد وأقر بإمكانية قبول الخرطوم “اتفاقاً مرحلياً” على أن يتضمن هذا الاتفاق التوقيع على كل ما جرى التوافق عليه حتى الآن وهو ما يمثل نحو 90 في المائة من جوانب الاتفاق النهائي؛ مثل عدد سنوات الملء والتبادل اليومي للبيانات وسلامة الإنشاءات. واشترط عباس أيضاً ضمان استمرارية التفاوض بعد المرحلة الأولى، بحيث تصبح الاتفاقية المرحلية ساريةً إلى أن تجدد باتفاقية أخرى، وأن يكون التفاوض بين الفترة الأولى والتالية وفق برنامج زمني محدد.

وهذا يعني عملياً أنه سيتم بالفعل تجزئة الاتفاق إلى حلقتين؛ أولاهما للملء، ويتم خلالها توقيع اتفاق يشمل النقاط الفنية الخاصة بتبادل البيانات والتشغيل الآمن لسد الرصيروص السوداني. وبناء على هذه المرحلة، تكون إثيوبيا قد حصلت على اعتراف سوداني (ومصري حال الموافقة) بشرعية الملء الثاني من دون امتداده إلى المراحل المقبلة.

أما الحلقة الثانية من الاتفاق، فتتناول فقط التشغيل السنوي للسد بما يتضمنه من مسائل خلافية مثل تصرفات السد في فترات الجفاف والجفاف الممتد، وآلية التحكيم والتنسيق المتبادل في الخلافات المستقبلية، فضلاً عن آلية الحل والتحكيم.

وأوضحت المصادر المصرية أن الخطوة السودانية – أو المبادرة إذا جاز استخدام هذا التعبير عملياً – تلبي مطالب مصر والسودان وتسهل على إثيوبيا قبول العودة لمفاوضات جادة، ولكنها تتطلب انضباطاً صارماً في تحديد ضمانات استئناف التفاوض بعد توقيع الحلقة الأولى من الاتفاق، بحيث تلتزم الأطراف الثلاثة بالتفاوض فعلياً وفقاً لجدول زمني محدد وقصير، بعد إتمام الملء الثاني، أياً كانت كمية المياه التي ستستطيع إثيوبيا حجزها في بحيرة سد النهضة.

وذكرت المصادر أنّ جزئية ضمانات الالتزام بالتفاوض تحديداً هي التي أدت إلى تعطيل المبادرة الأميركية التي حملها فيلتمان، على الرغم من دعمها بجهود إماراتية وأفريقية. إذ طلبت مصر والسودان قائمة من الشروط الواجب توافرها للقبول بهذا الحل المؤقت، المعروف على المستوى الفني بأنه لن يكون سبباً في أي ضرر خلال الفترة الحالية، ولكن خطورته تكمن في أن إثيوبيا ستمسك بتلابيب التحكم في مياه النيل مستقبلاً من دون شريك أو رقيب، متخذة من سابقة ملئها السد مرتين بقرار سيادي حجة للخروج عن أي اتفاق يمكن إبرامه مع مصر والسودان. فضلاً عن إقدامها على تغيير نسب التدفق ومعدلات التشغيل بين فترة وأخرى، أخذاً في الاعتبار استنادها الدائم لاتفاق المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في مارس/آذار 2015 الذي يجيز لها إعادة ضبط القواعد من وقت لآخر، وأن الإخطار المسبق الوحيد الذي تكلف به إثيوبيا ضمن الاتفاق هو إخطار دولتي المصب بأية ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد.

المبادرة السودانية تلبي مطالب مصر والسودان وتسهل على إثيوبيا قبول العودة لمفاوضات جادة

وطلبت القاهرة والخرطوم سلفاً من الوسطاء أن يكون الحل الأمثل على المدى البعيد هو إقرار إثيوبيا سياسياً بضرورة مشاركة مصر والسودان في إدارة عمليات تغيير قواعد تشغيل السد السنوية، خاصة بعد انقضاء سنوات الرخاء الحالية، وإقدام الدول الثلاث على الدخول في مشروعات تكاملية سبق أن درستها الحكومات في عهد ما قبل رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، لتتحقق بالفعل مواد اتفاق المبادئ الخاصة بالعمل المشترك لتحقيق التنمية المستدامة.

وعلى الرغم من أنّ المادة الخامسة من اتفاق المبادئ قد نصت على استمرارية التعاون والتنسيق حول تشغيل سد النهضة مع خزانات دولتي المصب، بإنشاء آلية تنسيقية مناسبة في ما بينها، فإن إثيوبيا تماطل في استحداث تلك الآلية بحجة أنه يمكن وضعها بعد إتمام جميع مراحل الملء أي بعد تخزين 50 مليار متر مكعب.

ومن ناحية أخرى، فإن مصر التي سبق وأبلغت مجلس الأمن والأمم المتحدة وجميع الأطراف المعنية، برفضها المطلق لأي اتفاق مؤقت، ربما لا تجد أمامها غير قبول الحل المؤقت إذا تمت صياغته بصورة تضمن الدخول فوراً في مفاوضات قصيرة الأجل وتحظى برعاية سياسية أكيدة من الولايات المتحدة، وصولاً إلى الاتفاق النهائي. وارتباطاً بذلك، تطلب مصر والسودان إنجازها قبل الملء الثالث للسد، مع ضرورة ضمان الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن، لجدية مشاركة إثيوبيا في أي مفاوضات لاحقة، سواء كانت برئاسة الاتحاد الأفريقي أو غيره. وكذلك ضرورة العودة إلى مسودة اتفاق واشنطن التي وقعتها مصر منفردة بعد جولة التفاوض التي انتهت ربيع العام الماضي، للانطلاق منها كمرجعية فنية قانونية مقبولة يمكن إجراء تعديلات عليها في أضيق الحدود، مع قابليتها للتطبيق على الوضع الحالي، وتضمنها مزاوجة فنية سليمة بين الاعتبارات التقنية والقانونية.

وبناء على هذه النقاط؛ أشارت المصادر إلى أن المبادرة السودانية تعتبر “ترجمة جيدة لها وضمانة لاستمراريتها حال قبول الإثيوبيين”.

وفي سياق متصل؛ قالت المصادر المصرية إن السودانيين يتمسكون بطرح هذه المبادرة حالياً “خوفاً من تكرار حدوث مشاكل بسبب الملء يمكن أن تؤثر سلباً على أداء سد الروصيرص والسدود السودانية الصغيرة التي جف بعضها العام الماضي، وأن مصر حريصة على ألا يصيب السودانيين أي ضرر يجعلهم يراجعون موقفهم المؤيد حالياً لمصر أو يعيد تفجير الأزمات بين المكونين العسكري والمدني في السلطة الحاكمة، مما يفقد التنسيق المصري السوداني فاعليته المنتظرة”.

يذكر أن مصر وجهت الجمعة الماضية خطاباً إلى مجلس الأمن دعت فيه إلى الضغط لاستئناف المفاوضات، قائلة: “يجب التغلب على القصور الحالي في إحراز تقدم في المفاوضات”. وأشارت إلى أن “إثيوبيا خلال الجولات المتعاقبة من المفاوضات رفضت باستمرار مقترحات مصر التي كانت تستند إلى مبادئ القانون الدولي المعمول بها والتي سعت إلى التوصل إلى اتفاق عادل ومربح للجميع يضمن أن إثيوبيا ستحقق أهدافها الإنمائية، مع تقليل الآثار السلبية لسد النهضة، وأن مصر قدمت مقترحات لا حصر لها تضمن أن إثيوبيا ستولد الطاقة الكهرومائية من سد النهضة بسرعة وكفاءة وبشكل مستدام في جميع الظروف الهيدرولوجية، بما في ذلك فترات الجفاف الشديدة والممتدة”.

وشكت مصر رفض إثيوبيا جميع المقترحات ومشاريع الاتفاقيات التي طورها الشركاء الدوليون الذين حاولوا مساعدة الدول الثلاث في التوصل إلى اتفاق، مثل الولايات المتحدة عام 2020، مشددة على أن “عدم التوصل إلى اتفاق حول أكبر مرفق للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، يمكن أن يكون له آثار اجتماعية واقتصادية كبيرة -إن لم تكن كارثية- على مصر”.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here