قصة تهاوي قلعة الحديد والصلب في مصر

8
قصة تهاوي قلعة الحديد والصلب في مصر
قصة تهاوي قلعة الحديد والصلب في مصر

افريقيا برسمصر. حالة من الحزن عمّت الشارع المصري، ولا سيما في الأوساط العمالية، عقب الإعلان عن تصفية أعرق قلعة صناعية في مصر، هي شركة الحديد والصلب، بعد نحو 67 عاماً من إنشائها.

بدأت قصة تأسيس شركة للحديد والصلب، أول وأعرق شركة في المنطقة العربية، عام 1954، بمرسوم جمهوري في منطقة التبين بحلوان، جنوبي القاهرة، لتصبح باكورة إنشاء أكبر قاعدة صناعية في مصر.

وبدأ إنتاج عملاق الحديد والصلب عام 1961 بطاقة إنتاجية تبلغ مليونا ومائتي ألف طن سنويا من الحديد مطابقة للمواصفات المحلية والعالمية، لتكون بذلك أول مجمع متكامل لإنتاج الصلب في العالم العربي، برأس مال 21 مليون جنيه (الجنيه كان يعادل 4.133 دولارات آنذاك). ويقع مصنع الحديد والصلب على مساحة تبلغ 1700 فدان. وكان قوام الشركة 26 ألف عامل عندما بدأ العمل بها، قبل أن يتقلص عددهم في السنوات الأخيرة مع تدهور أوضاع الشركة.

ويتوزع هيكل ملكياتها بين الشركة القابضة للصناعات المعدنية بنسبة 82.4821%، وبنك مصر بحصة 4.9992%، وشركة مصر للألومنيوم 1.8146%، وشركة النصر للتعدين 0.9944%.

ولم تكن الحديد والصلب من أهم القلاع الصناعية ومصادر الدخل القومي في وقت من الأوقات فقط، بل كانت مصدر رزق لعشرات الآلاف من العمال وأسرهم، وكانت أيضا جزءا من تاريخ مصر وسندا للبلاد في أزماتها ومحنها.

ومرت الشركة بعدة مراحل عبر تاريخها الطويل، منذ أن اتخذ قرار بتأسيسها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر خلال فترة الخمسينيات، لتساهم في بناء السد العالي وحائط الصواريخ في حرب 6 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973، واستمرت متماسكة حتى نهاية عام 2008.

بعدها بدأت الشركة تعاني بسبب عدم التطوير، لتدخل الشركة في حالة من الفوضى وفي نفق مظلم من الخسائر، وزادت مديونيات الشركة وأعباؤها بعد قرار التعويم وانخفاض قيمة الجنيه، وزيادة أسعار الطاقة والغاز والخامات.

تمتلك الشركة أراضي ضخمة ومساحات شاسعة بمنطقة التبين بحلوان، جنوب القاهرة، بالإضافة لـ654 فداناً بالواحات البحرية، و54 فداناً مشتراة من الشركة القومية للإسمنت منذ عام 1979، وقطعة أرض بمساحة 45 ألف متر مربع بأسوان، إحدى محافظات الصعيد، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الخردة تصل إلى 600 ألف طن.

ولكن بسبب سوء الإدارة، تعرضت لأزمات متتالية رغم امتلاكها كافة مقومات النجاح والإنتاج والعمل بكامل طاقتها، وهي مدرجة بالبورصة المصرية. وقررت الجمعية العامة غير العادية لشركة الحديد والصلب المصرية، برئاسة محمد السعداوي، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية، إحدى شركات وزارة قطاع الأعمال العام المصرية، تصفية شركة الحديد والصلب بعد 67 عامًا من تأسيسها.

وكانت الشركة قد دعت لجمعية عامة غير عادية يوم 11 يناير/ كانون الثاني الجاري، لمناقشة الموافقة على تقسيم الشركة أفقيا والموافقة على تقرير التقييم النهائي الصادر عن لجنة التحقق، ومشروع التقسيم التفصيلي. وأرجعت الجمعية العامة سبب تصفية شركة الحديد والصلب المصرية إلى “ارتفاع خسائر الشركة، وعدم قدرتها على العودة إلى الإنتاج والعمل مجددًا”.

تكريس للاحتكار
ورغم رفض كثير من خبراء الاقتصاد والصناعة في مصر تصفية قلعة الحديد والصلب الوطنية التاريخية، وتأكيدهم أن تلك الخطوة تحرم الاقتصاد المصري من مساهمة كبرى وتصب في صالح رجال أعمال آخرين يعملون في هذا المجال، أمثال أحمد عز وأحمد أبو هشيمة وجمال الجارحي وغيرهم، وتكرس مفهوم الاحتكار في السوق، كما تكرس مبدأ تخلي الدولة عن إدارة المشروعات الاقتصادية الكبرى ذات الكثافة العمالية العالية، والتي تفرض عليها وضع نظام اجتماعي يخدم هذه الشريحة، أقدمت الحكومة المصرية على الخطوة التي اعتبرها البعض “يوماً أسود” في تاريخ الصناعة المصرية.

“قولا واحدا فإن تصفية هذه الشركة بدلا من إصلاحها هي كارثة بكل المعايير”.. هكذا وصف الخبير الاقتصادي المصري أحمد النجار موافقة الجمعية العمومية لشركة الحديد والصلب المصرية على تصفية الشركة. وقال إنه “كان من الممكن إعادة هيكلة واستغلال أصول الشركة في الغرض الذي تأسست من أجله وفي أغراض أخرى”. لكن في المقابل، قال وزير قطاع الأعمال هشام توفيق، في تصريحات إعلامية: “بذلت جهوداً مستميتة لإنقاذ شركة الحديد والصلب، لكن مفيش أمل في التطوير”.

النجار أضاف أنه “كان من الممكن استخدام جزء من الأرض في بناء مشروع إسكان متوسط وشعبي ومدرسة محترمة ومتعددة المراحل ومتنوعة ومركز للتدريب المهني ومستشفى خاص ومركز تجاري لعرض منتجات القطاع العام التي يقتلها التجاهل الإعلامي، وعرض منتجات القطاع الخاص أيضا ومدينة ترفيهية ومطاعم. وكان هذا الاستغلال الجزئي للأرض سيدر دخلا هائلا على الشركة من مقدمات حجز الوحدات السكنية وحدها. ومن عائد كل تلك المشروعات يتم تحديث الشركة على أعلى مستوى في جزء من الأرض في الموقع نفسه أو في أرض عامة مجانية في موقع أبعد قليلا”.

وتابع: “هذا الخيار كان سيؤدي إلى الحفاظ على العمالة الماهرة وأسس حياتها، ويضيف طاقة جديدة للاقتصاد المصري عامة وللقطاع العام الذي دمرته قوانين ألزمته باعتبارات اجتماعية في التسعير لسنوات طويلة وبدفع ضرائب هائلة أعفت منها القطاعين الخاص والأجنبي وشركات جهاز الخدمة الوطنية فكان وحده الملزم بما لا يلتزم به الآخرون، وكان لا بد أن يخسر، خاصة في وجود بعض القيادات ضعيفة الكفاءة والنزاهة، أو غير المؤمنة بهذا القطاع أصلا”.

وقال النجار إن “هذه التصفية هي في التحليل الأخير تدمير لأصل عام لصالح الشركات الخاصة والأجنبية مثلما كان يحدث في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك، وإلقاء لآلاف العمال للبطالة تحت أي مسمى. لكن طريق الإصلاح المقترح من الصعب على وزير متيم بالقطاع الخاص ولا يهوى القطاع العام أن يسلكه”.

وأوضح: “كان الأمر يحتاج لوزير يؤمن بدور القطاع العام ويدافع عن حقه في ظروف عمل عادلة مشابهة لتلك التي يحظى بها الآخرون، ويعي ما فعله هذا القطاع لهذه الأمة العظيمة حينما حمل كل العبء في تمويل التطوير والتحديث والتشغيل والأعباء الاجتماعية وتمويل مواجهة مصر للكيان الصهيوني وإعادة بناء الجيش وتمويل المجهود الحربي بعد كارثة يونيو (حزيران) 1967، ما جعله السند الرئيسي لمصر في أنبل حروبها (حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر)”. ودعا النجار “من بيده الأمر ألا يشارك في اعتماد هذا التوجه وأن يوقف التصفية ويفتح بوابة الإصلاح، فمصر وشعبها يستحقون ذلك”.

مجتمع متكامل
من جهته، قال صبري الصاوي، أحد أبناء مدينة الحديد والصلب، إن المدينة “كانت أول مجتمع صناعي متكامل برؤية تنموية متكاملة من حيث توفير كافة الاحتياجات، من سكن وتعليم وأسواق وانتقالات ومدارس.. والدي، رحمه الله، عمل بها لأكثر من أربعين عاماً، وشهدنا عصرها الذهبي ودورها في دعم الاقتصاد الوطني، وللأسف كبرنا وشاهدنا بأعيننا عبر سنوات الخصخصة التدمير والتخريب المنظم لهذه القلعة الرائدة في صناعة الحديد والصلب بممارسات تسريح العمال بإجبارهم على الخروج للمعاش المبكر والفصل التعسفي وتوقف برامج الصيانة اللازمة، ما أدى لتوقف الأفران عن العمل وصولا للحالة المزرية التي وصلت إليها تبريرا لتصفيتها وتشريد عمالها”.

وقال المهندس أحمد علي حسن إن “شركة الحديد والصلب ليست مجرد مصنع كمئات المصانع التي تم إهمالها وتدميرها وتعمد خسارتها تمهيداً لتصفيتها وبيعها بتراب الفلوس، الحديد والصلب قلعة صناعية كبرى.. بل أكبر قلعة صناعية ثقيلة في مصر، وإنتاجها من الحديد والصلب هو المنشئ لباقي المصانع والصناعات، وهي واحدة من أهم إنجازات ثورة 23 يوليو/ تموز، وهي تمثل المصنع الوحيد في مصر الذي ينتج الحديد من خام الحديد المستخرج من المحاجر بالواحات بعد صهره في الأفران العملاقة بالمصنع. بينما جميع مصانع الحديد العاملة في مصر تستخدم الخام المستورد (البيليت) بالعملة الصعبة من الخارج وتكتفي بإعادة تشكيله، وهي المصنع الوحيد في مصر الذي ينتج قطاعات الحديد المختلفة، بينما تكتفي المصانع الأخرى والتي تعتبر مجرد أقزام بالقياس إلى قلعة الحديد والصلب بحلوان، بإعادة تشكيل خام الحديد المستورد وإنتاج حديد التسليح”.

مطالب عمالية
طلبت مجموعة من الإداريين والنقابيين والعمال بشركة الحديد والصلب الوطنية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقف قرار تقسيم الشركة وتصفيتها، بدلاً من تطويرها والاستفادة من مقوماتها.

وبمرور الوقت تقلص عدد العمال من 26 ألفاً ليصل إلى 12 ألفاً، ثم إلى 7300 عامل حالياً، حيث دأبت الشركة على إكراه بعض العاملين على تقديم طلبات موقعة منهم بالإحالة إلى اللجنة الطبية بزعم معاناتهم من حالات صحية.

وحسب عمال بالشركة، تستخدم الإدارة هذه الوسيلة لإنهاء خدمة العمال غير المرغوب فيهم، بل إن هناك بعض الحالات السابقة التي أثبت فيها عمال محالون إلى اللجنة الطبية تزوير تواقيعهم على طلبات الإحالة.

وحسب القرار الذي دعمه وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق، تتحول الشركة الوطنية إلى شركتين: الأولى تحت إدارة “الحديد والصلب الوطنية”، والثانية إدارة جديدة للمناجم والمحاجر في الشركة نفسها لتدير فقط 4 مواقع من المناجم والمحاجر، وهي “الواحات البحرية”، و”بني خالد” بالمنيا، و”الأدبية” بالسويس، ومنجم رابع مغلق يقع في محافظة أسوان. ومن حق الشركة الجديدة – حسب القرار – بيع المادة الخام للشركة الوطنية أو للقطاع الخاص أو لشركات أجنبية حسب رغبتها طبقا لطبيعة السوق والعرض والطلب، وهو الأمر الذي اعتبره البعض دخول “الشركة الوطنية” في مرحلة “الموت الإكلينيكي”، حيث ستتكرر تجربة علاقة “الحديد والصلب” بمصنع “فحم الكوك”.

وكانت هناك محاولات قضائية لمنع انعقاد الجمعية العمومية هذه، ولكن دون جدوى، حيث تم تحويلها إلى “هيئة مفوضي الدولة” بعد تأجيلها مرة واحدة، حيث نظرت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة الدعوى المرفوعة من النقابة العامة للصناعات الهندسية والمعدنية برئاسة خالد الفقي، واللجنة النقابية، وبعض أعضاء مجلس إدارة شركة الحديد والصلب الوطنية، ضد وزير قطاع الأعمال العام، ورئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية، لوقف انعقاد الجمعيتين العامة العادية وغير العادية للشركة.

يذكر أن الشركة حققت خلال العام المالي الماضي خسائر بلغت 887.37 مليون جنيه (الدولار = 15.6 جنيها)، مقابل خسائر بلغت 1.52 مليار جنيه بالعام المالي السابق له، وحققت الشركة خلال العام المالي الماضي مبيعات بلغت 1.08 مليار جنيه، مقابل مبيعات بلغت 1.24 مليار جنيه بالعام المالي السابق له.

وكانت شركة الحديد والصلب المصرية قد أعلنت أخيرًا أنه خلال الفترة من يوليو/ تموز عام 2019 حتى 30 يونيو/ حزيران عام 2020، بلغت خسائر الشركة 982.8 مليون جنيه مقابل خسارة قدرها 1.5 مليار جنيه في الفترة المقابلة من العام الماضي، فيما يبلغ مجمل الخسائر نحو 9 مليارات جنيه.

وتراكمت مديونيات شركة الحديد والصلب خلال السنوات الماضية لصالح شركات الكهرباء والغاز الحكومية المصرية، لتصل إلى نحو 5.3 مليارات جنيه خلال العام المالي المنتهي في يونيو/ حزيران 2019، ما دفع الشركة لتوقيع اتفاقية تسوية مديونية لصالح شركة الغاز المصرية في فبراير/ شباط الماضي، وصلت قيمتها إلى ما يقرب من 3.6 مليارات جنيه.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here