كيف ستتعامل مصر مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية؟

9
كيف ستتعامل مصر مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية؟
كيف ستتعامل مصر مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية؟

طارق فهمي

أفريقيا برس – مصر. تشير فعاليات الحملات الانتخابية في إسرائيل إلى أن تلك العملية لن تكون سهلة وميسورة لكل القوى اليمينية الحالية، بخاصة أن الخريطة الحزبية متقلبة، ولحين إجراء الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل فإن المشهد الانتخابي سيظل في حال من عدم الاستقرار، وسيتسم بسيولة سياسية تشمل كل الأطراف، ولن تكون مقتصرة على اليمين، بل ستمتد إلى الأحزاب العربية، مع استمرار حال التباين والتجاذب بين الجميع.

مشهد معقد

نحن أمام فريقين من الأحزاب في إسرائيل، فريق يعد قوائمه بناء على انتخابات داخلية، وآخر يترك تلك المهمة لزعيم الحزب والحلقة الضيقة من حوله. وحتى الآن انتهت الانتخابات الداخلية في حزب العمل التي أفرزت قائمة اختفى منها نجوم السياسة وأسماء تقليدية في الحزب، وأيضاً حزب الليكود الذي كشفت انتخابات قائمته مجدداً عن مدى سيطرة نتنياهو على الحزب، إذ استبعد من مقدمة القائمة ثلاثة نواب أعلنوا قبل أقل من عام نيتهم المنافسة على رئاسة الحزب.

والآن، أصبح بالإمكان القول بشكل حازم إن حزب الليكود بات “حزب الرجل الواحد”، وسيطر على المقاعد الأولى من هم الأكثر التصاقاً بشخص نتنياهو، أولهم النائب ياريف ليفين الرئيس السابق للكنيست، وبعده إيلي كوهين ويليه يوآف غالانت، صاحب أعلى رتبة عسكرية وهو لواء سابق في كتلة الليكود.

غالبية متصدري القائمة وعملياً المرشحين لتولي حقائب وزارية كبيرة، هم ممن لديهم مواقف محددة ومعلنة من أجل استكمال تحييد جهاز القضاء لصالح اليمين المتشدد، وبشكل خاص في ما يتعلق بهيئة القضاة في المحكمة العليا التي قد يلجأ إليها نتنياهو في المدى القريب، ليستأنف على الحكم الذي سيصدر ضده في حال صدر في المحكمة المركزية.

الواضح من كل المؤشرات المطروحة أن نتنياهو على حافة تشكيل حكومة ضيقة بعد الانتخابات المقبلة، وفي حال نجح بها فإن عمر هذه الحكومة من المفترض أن يكون أطول من الحكومتين الأخيرتين، لكنها ستكون للمرة الأولى حكومة ترتكز بداية على أربعة أحزاب، وأكثر من نصف الائتلاف لحزب الليكود، ورغم هذا من الصعب التكهن أنه بعد هذه الانتخابات، واستناداً لفرضيات محاكمته الجارية، أن يواصل نتنياهو قيادة حزبه.

توصل إيتمار بن غفير، رئيس حزب قوة يهودية، وبتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب الاتحاد القومي وتحالف الصهيونية الدينية، إلى اتفاق لخوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في قائمة واحدة. ويمثل الحزبان تيارين متنافسين داخل قطاع الصهيونية الدينية في إسرائيل.

وفي انتخابات الكنيست الـ24 في مارس (آذار) 2021، خاضا الانتخابات ضمن قائمة واحدة حصدت ستة مقاعد، الأمر الذي اعتبر في حينه إنجازاً سياسياً، لكن منذ ذلك الإنجاز نمت القاعدة الانتخابية للصهيونية الدينية إلى أن أصبح كل حزب من الاثنين يعتبر نفسه التيار الأكبر.

خريطة متفاعلة

يعتبر حزب الاتحاد القومي الأكثر تطرفاً داخل الصهيونية الدينية، تأسس في العام 1999 من قبل منشقين عن حزب المفدال، وكان من بين قادته رحبعام زئيفي وأوري أريئيل وتسفي هندل. وفي الوقت الراهن يقف بتسلئيل سموتريتش، ويعتبر زعيم التيار الحردلي بداخل الصهيونية الدينية.

يعتبر حزب قوة يهودية الذي يمثله إيتمار بن غفير من سلالة مائير كهانا مؤسس كاخ، وحزب كاخ الذي تلاشى في منتصف التسعينيات كان يدعو إلى تحويل أرض إسرائيل إلى وطن لليهود فقط، وأنه على الأغيار إما الرحيل أو الحياة تحت الشروط التي يضعها اليهود من دون الخضوع لمعايير الدولة الديمقراطية.

حزب “يمينا”، أو اليمين الجديد، وهو حزب أسسه نفتالي بينيت وأييلت شاكيد وبعد استقالة بينيت انحسر حجم الحزب، وتقوم شاكيد حالياً بمحاولات إحياء أخيرة للحزب بعد أن تحالفت مع جماعة ديرخ إيرتس لتشكيل قائمة انتخابية جديدة باسم “الروح الصهيونية” التي من المتوقع أن تعرض على لجنة الانتخابات المركزية للتصديق عليها في منتصف سبتمبر (أيلول) 2022.

رؤية القاهرة

في مثل هذه الأجواء الحزبية المتشابكة، فإن السؤال هل للقاهرة مرشح مناسب؟ وهل تفضل مصر عودة رئيس الوزراء نتنياهو مرة أخرى، أم أنها لا تريده وفقاً لما يجري في الوقت الراهن؟

هناك ثلاث رؤى للإجابة عن السؤال السابق، أولها أن القاهرة لا تتعامل مع أشخاص، إنما مع حكومات ودول، ومن ثم فإن التحرك المصري سيتم وفق حسابات دقيقة مع التحسب لكل السيناريوهات المحتملة في حال عودة نتنياهو، بالتالي مصر ستهدئ من رفع وتيرة الاتصالات واللقاءات، بل وستعمل على مراقبة ما يجري إسرائيلياً إلى حين اتضاح الصورة، بخاصة أن المشهد العام في إسرائيل متغير ومرتبك، والجميع يناور على مساحات من العمل والشراكة على قاعدة اليمين.

الرؤية الثانية هي التشبه بالجانب الأردني في هذا الإطار، بالاعتماد على مقاربة متعددة تؤكد فيها حسن العلاقات وتطورها والعمل في إطار من المصالح العليا اقتصادياً وسياسياً من دون الدخول في دائرة الأسماء التي تتجاوز ما هو مطروح من يائير لبيد أو نتنياهو أو بيني غانتس للتعامل مع قاعدة الحكومة الائتلافية التي تشكل طيفاً كبيراً ممثلاً لقوى اليمين الحقيقي التي ستحكم إسرائيل لسنوات طويلة وممتدة.

ومن ثم فإن مصر ستنتقل من مرحلة المتابعة المرحلية التدريجية إلى مرحلة أخرى من الحسابات المباشرة، وإن كانت المشكلة الرئيسة في التعامل البناء على أسس واحدة ومركزة من دون أن تنسى أن نتنياهو معلوم مصرياً، والرجل ما زال يتذكر لمصر أنها لم تمنحه فرصة العمل والتحرك لتطوير العلاقات رغم أن القاهرة أسست شراكة حقيقية مع تل أبيب، وكان أهمها منتدى غاز المتوسط الذي تحول لاحقاً إلى منظمة إقليم شرق المتوسط، وطورت من اتفاقات الغاز والتسييل ودخلت العلاقات مرحلة متقدمة بالفعل قبل أن يرحل نتنياهو، وهو ما يؤكد أن مصر تتجاوز الأسماء إلى تبني السياسات مع مراعاة ما يجري من تطورات داخل إسرائيل بالفعل.

الرؤية الثالثة تتمثل في العمل على أكثر من محور، بمعنى أن القاهرة تدرك أن يائير لبيد وبيني غانتس ونتنياهو ليسوا بأكثر من شخصيات مسؤولة، أياً كان موقعها في المشهد السياسي والحزبي، وهي وغيرها تعمل في نطاقات من العمل المشترك ووفق برنامج حكومي سيكون يمينياً بالأساس، وأن القاهرة مع استقرار الأوضاع في إسرائيل عموماً، وعينها دائماً على علاقات الجانب الفلسطيني – الإسرائيلي، وليس طرفاً واحداً، وهو ما يعني أن القاهرة تفضل استمرار علاقاتها مع إسرائيل وفقاً لمنظومة كاملة من العلاقات والمصالح التي تشابكت في الفترة الأخيرة وضمت مجالات عدة، وهو ما يعطي دلالات على أن القاهرة تعمل وفق محددات حاكمة لا تريد أن تمس أو تتأثر من خلال أي مقاربات أو تطورات مفاجئة، وهو ما تضعه في تقييماتها بصرف النظر عن مسارات واتجاهات نتائج الانتخابات المقبلة، وإلى حين أن يحدث ذلك فإن القاهرة ستوقف تدريجاً مساحات التعامل بدليل عدم إجراء أي اتصالات مباشرة على مستويات دبلوماسية أو سياسية، واكتفت القاهرة بمراقبة المشهد الداخلي إلى حين أن يتم الأمر ويصل إلى موقعه السياسي داخلياً.

نتائج متوقعة

عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة ستؤدي إلى نتائج إيجابية على مسارات التعاون الإقليمي، باعتباره صاحب توقيع اتفاقات السلام، وأنه من حرك المياه الراكدة، وتمكن من الضغط على الولايات المتحدة لمنع توقيع اتفاق مع إيران، ودافع عن أمن إسرائيل في حروب غزة، وتجاوز مساحات الخطر بالدولة في أحلك ظروفها، ومن ثم فإنه سيأتي إلى الحكم وعينه عما حققه بصرف النظر عن المحاكمات التي ستستمر، وقد توجه له اتهامات حقيقية من دون أن تنفذ لافتقادها آليات التحرك أو القرائن المباشرة، وهو ما سيعطي دلالات محددة لمن يؤكد أن عودة نتنياهو ستمثل إشكالية كبرى ليس للداخل الإسرائيلي فقط بل ولدول الإقليم بأكملها ومنها مصر والأردن.

وفي كل الأحوال فإن عودة نتنياهو بالنسبة إلى مصر لن تحدث انقطاعاً في مسار ما يجري بين القاهرة وتل أبيب في الوقت الراهن، بخاصة مع استقرار بنود العلاقات الأمنية والاقتصادية بصورة كبيرة وعدم وجود مناكفات حقيقية، بل من المتوقع أن يتم استئناف اتصالات توسيع الكويز، واستمرار مشاورات تعديل البروتوكول الأمني الخاص بمعاهدة السلام، إضافة إلى التعاون في مجال مواجهة الإرهاب، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من الفرص المتاحة لتطوير منظومة العلاقات بين البلدين في الوقت الراهن، بل والعمل على تسريع ما يجري في مجالات التعاون الأمني والاستخباراتي الذي يتم بصورة روتينية، إضافة إلى الشروع في تنفيذ اتفاق التعاون الثلاثي مع أوروبا، الذي تتشارك فيه مصر وإسرائيل معاً لتسييل الغاز الإسرائيلي في ادكو ودمياط، وإعادة تصديره لأوروبا. والرسالة المهمة هنا أن هناك مساحات كبرى للتعاون تتجاوز عودة رئيس الوزراء نتنياهو لموقعه في رئاسة الوزراء.

الخلاصات الأخيرة:

ستعمل القاهرة في ثلاثة اتجاهات انتظاراً لنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

الأول، التحرك نحو بناء شراكة مصلحية مع إسرائيل استكمالاً لما يجري في مسار العلاقات في الوقت الراهن ودونما تأخير، وبمعنى أن عودة نتنياهو لا تعني تجمد الاتصالات أو توقفها أو خفوت بريق ما يجري من تحركات مباشرة، بل الاستمرار في مسار الإنجاز الجاري في العلاقات.

الثاني، العمل على ربط أي تطور حقيقي في مسار العلاقات باستراتيجية واقعية في جميع المجالات، مع تحقيق الحد الأقصى من الإنجازات في بنود وجدول أعمال العلاقات بصرف النظر عن التشكيل المرتقب للحكومة الإسرائيلية المقبلة، وأياً كانت عناصرها وخلفياتهم السياسية أو الأيديولوجية التي ستتفاعل معهم القاهرة.

الثالث، عدم الصدام بالمشهد الإسرائيلي في ظل عدم وجود توتر أو ملفات معقدة، على عكس ما يجري بالنسبة إلى إسرائيل، وفي ظل مقاربات مختلفة وملفات معقدة تتعلق بمشروع البحرين وأرض الغمر والباقورة وبأغوار الأردن وباتفاق المياه والغاز وغيره، ومن ثم فإن القاهرة ستعمل في اتجاهات منضبطة ومهمة لتحقيق مصالحها العليا، ومن دون تأخر، ودونما انتظار لما ستتحرك من خلاله إسرائيل، ولحين بدء عمل الحكومة الجديدة، وأياً كان تشكيلها اليميني المتوقع.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here