مصر تواجه الزيادة السكانية بمناهج “الصحة الإنجابية”

4
مصر تواجه الزيادة السكانية بمناهج
مصر تواجه الزيادة السكانية بمناهج "الصحة الإنجابية"

دعاء عبد اللطيف

أفريقيا برس – مصر. منحة أم محنة؟ هكذا يتجدد الجدل في مصر لعقود طويلة حول الزيادة السكانية بين كونها منحة ربانية من المفترض أن تستغلها الحكومات المتعاقبة في نهضة البلاد، وبين شكوى حكومية متكررة من أن ارتفاع عدد السكان يفوق قدرة الدولة على التحمل. وعلى أصعدة عدة، تحاول الحكومات المصرية مواجهة الزيادة السكانية، أحدث تلك المحاولات أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم قبل أيام، عبر تضمين مواد تعليمية تخص الصحة الإنجابية في المناهج التعليمية.

وقال رئيس الإدارة المركزية لتطوير المناهج أكرم حسن، إن هناك تعاونا بين وزارة التعليم وصندوق الأمم المتحدة للسكان، بشأن دمج مفاهيم الصحة الإنجابية في المناهج التعليمية والأنشطة التربوية للمرحلتين الإعدادية والثانوية. ولفت -في بيان صحفي- إلى اهتمام وزارة التعليم بتضمين مفاهيم السكان والصحة الإنجابية في المناهج باعتبارهما من القضايا المهمة التي تمس كل فئات المجتمع، مضيفا أن المدارس تخاطب شريحة عريضة تصل إلى 25% من المواطنين.

ونظمت وزارة التعليم، الأسبوع الماضي، ورشة عمل بالاشتراك مع صندوق الأمم المتحدة للسكان ومؤسسة جذور، لعرض الصورة النهائية من إطار مفاهيم التربية السكانية والصحة الإنجابية. ويشمل التعريف الأممي للصحة الإنجابية: مقدرة الفرد على اتخاذ القرار المناسب فيما يتعلق بالإنجاب في الوقت والطريقة التي يريدها، والحصول على الوسائل المناسبة من وسائل تنظيم الأسرة وفق اختياره.

استيعاب الطلاب

وعن قدرة المؤسسات التعليمية على نشر مفاهيم الصحة الإنجابية، قال أستاذ القياس والتقويم بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي محمد فتح الله، إن المدرسة تمتلك من المقومات والتأثير ما يجعلها قادرة على أن تكون جزءا من أساليب مواجهة الزيادة السكانية. وبيّن فتح الله أن مناهج الدراسات الاجتماعية الموجهة لطلاب المرحلة الإعدادية تحتوي على جانب معلوماتي عن قضايا السكان، لكن التناول ليس بشكل موسع. وأشار إلى أن استيعاب الطالب لمفاهيم تخص قضية السكان تتوقف على طريقة تناولها، محبذا أن يكون التناول عبر الأنشطة الطلابية وليس المناهج التعليمية.

فالمسابقات والحلقات النقاشية والجولات الاستطلاعية من شأنها التأثير في إدراك ووعي الطالب بشكل أكبر، وفق قول الخبير التربوي، مضيفا “لو كلفنا الطلاب بجولات ميدانية إلى أسر محيطة بهم ليسألوا الأفراد عن أمور تخص الصحة الإنجابية ثم يستخلصوا من الإجابات نتائج، فإن الطلاب سيكتسبون مهارات أولية حول البحث العلمي، وفي نفس الوقت يدركون أبعاد القضية السكانية”.

وأبدى فتح الله تخوفه من التعامل مع المنهاج الخاص بالصحة الإنجابية مثلما يحدث مع المناهج التثقيفية كالتربية الوطنية، حيث لا تلقى اهتماما كبيرا من قبل الطلاب كون نتائج الامتحانات الخاصة بها لا تحتسب ضمن المجموع الكلي للطلاب.

تأثير غير مباشر

من جهته، اعتبر مدير المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري، أن اشتمال المناهج التعليمية على قضايا الصحة الإنجابية خطوة شكلية ليس لها تأثير مباشر على الرأي العام فيما يخص معدلات الإنجاب. وأضاف خضري أن الحملات الإعلامية أو التثقيفية عادة لا يكون لها تأثير مباشر على عملية الإنجاب، وتابع “إعادة توجيه الرأي العام في تلك القضية تحديدا، لا يمكن أن يؤثر بمفرده في قرار الإنجاب إذا لم يضغط النظام في اتجاهات أخرى”.

ورغم تقليل خضري من تأثير خطوة استخدام المناهج التعليمية لمواجهة الزيادة السكانية، فقد اعتبرها قادرة على دعم تأخير سن الزواج عند الإناث، وهو ما يؤدي إلى تقليل فترة الخصوبة المحتملة، كما أنها تزيد فرص عمل النساء وبالتالي خفض عدد المواليد، حيث إن المرأة العاملة أقل إنجابا من غير العاملة، على حد قوله.

توعية الطلاب

من جانبها، رأت أستاذة علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس سامية خضر، أن توعية الطلاب بأبعاد القضية السكانية في مصر يحتاج إلى بذل الجهود على أصعدة عدة. وأوضحت -في تصريحات صحفية- ضرورة إعادة النظر في المناهج الدراسية، بحيث تتم إضافة معلومات التربية السكانية في المناهج الدراسية الأساسية، مثل الدراسات الاجتماعية والعلوم والبيئة في المراحل التعليمية المختلفة. وأشارت سامية إلى أهمية تدريب المدرسين على المعلومات الخاصة بقضايا السكان والتنمية، والعمل على إقناعهم بتأثير الزيادة السكانية على حياة المواطنين، حتى يتسنى لهم إقناع الطلاب، قائلة “تغيير قيم الطالب يبدأ بتغيير قيم المدرس”.

إلى جانب ذلك، هناك ضرورة لتقييم تأثير المعلومات التي يتم تدريسها للطلبة عن قضايا السكان والتنمية على قيم وإدراك الطالب بهذه القضايا، وتطوير المناهج بما يعظم الاستفادة منها، وفق رؤية الخبيرة التربوية.

محاولات جارية

وتعمل عدة وزارات -كل في اختصاصه- على مواجهة الزيادة السكانية. فخلال الشهر الجاري، أطلقت وزارة الصحة 26 قافلة للصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة، تحت شعار “حقك تنظمي”، مستهدفة 78 قرية في 17 محافظة، حيث يتم إيصال خدمات تنظيم الأسرة من خلال تلك القوافل. وتستمر وزارة التضامن الاجتماعي في الأنشطة الخاصة بمشروع “2 كفاية” الذي أطلقته عام 2018، بهدف التوعية بفوائد الاكتفاء بطفلين فقط لكل أسرة. وتتعاون الوزارة في هذا المشروع مع 108 جمعيات أهلية، مستهدفة 2257 قرية بالمحافظات. وبحسب تقرير رسمي، بلغ عدد زيارات طرق الأبواب التي نفذها المشروع 9.3 ملايين زيارة، وعدد زيارات السيدات إلى عيادات تنظيم الأسرة بوزارة الصحة إلى مليوني زيارة. وفي فبراير/شباط 2021، أطلقت وزارة الأوقاف حملة توعوية بتحديد النسل، عبر تنظيم عدة ندوات مشتركة مع الهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، وعدد من الدورات التدريبية المكثفة.

ويبلغ عدد سكان البلاد حوالي 104 ملايين نسمة، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وتستهدف الحكومة الوصول إلى معدل إنجاب يبلغ 1.6 لكل سيدة.

عقود من المواجهة

التعامل مع الزيادة السكانية باعتبارها خطرا يأكل ثمار التنمية ليس وليد توجه أو قرار من السلطة الحالية، فمنذ ستينيات القرن الماضي عملت الأنظمة المتعاقبة على التحذير من ارتفاع معدلات الإنجاب. ففي عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، التفتت الحكومة لمسألة ضرورة تقليل عدد أفراد الأسرة، وهو ما استدعى إعداد ميثاق لمبادرة من أجل تنظيم الأسرة عام 1963، ثم تم إنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الأسرة عام 1965. وتعامل الرئيس الراحل أنور السادات مع الزيادة السكانية بطريقة تبدو أكثر عملية مقارنة بتغيير فكر المواطن حول عدد أبنائه، وهي إنشاء مدن جديدة لاستيعاب الكثافة العددية مثل مدينتي السادات و6 أكتوبر. واتسمت حقبة الرئيس الراحل حسني مبارك بكثافة الحملات التوعوية عبر وسائل الإعلام بخطورة الزيادة السكانية، إلى جانب عقد المؤتمرات الخاصة بالقضية، حيث انعقد المؤتمر القومي الأول لسكان عام 1984، وتولت وزارة الصحة الجانب الرئيسي في تقديم جميع وسائل منع الحمل للمواطنين. وبحسب تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، فإن السياسات والإستراتيجيات السكانية المتتابعة لم تنجح في تحقيق كل الأهداف الكمية التي تبنَّتها.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here