أفريقيا برس – مصر. في تقريرها السنوي حول مؤشرات مدركات الفساد لعام 2025، كشفت منظمة الشفافية الدولية، عن عدم إحراز مصر أية نجاحات تذكر على مدار عقد كامل في “مكافحة الفساد”. هذه الظاهرة الممتدة عقوداً، رصدتها المنظمة منذ بدأت إصدار تقاريرها السنوية عام 1998، حول معدلات الفساد في العالم وبلغت مؤخراً 182 دولة، بعد أن تحولت المنظمة، التي تتخذ من العاصمة الألمانية برلين مقراً لها، عضواً مراقباً في الأمم المتحدة، بما جعل تقاريرها الفنية أداة رقابة لتحقيق الحوكمة والشفافية في الدول.
اللافت أن حكومات ما قبل نظام 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر، كانت تترقب تقارير منظمة الشفافية الدولية وتنظر إليها باحترام، رغم كثرة الفساد، الذي جعل أحد أركان نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهو، في حينه، الأمين العام لرئاسة الجمهورية والبرلماني زكريا عزمي يردد قولته الشهيرة “الفساد في الأجهزة المحلية بمصر وصل للركب”، ضمن حملة أطلقها تحت قبة البرلمان، مستهدفاً بها كفّ المسؤولين عن الفساد، باعتباره سُبّة في جبين السلطة، تهدد الاستقرار الاجتماعي وتنهب المال العام.
أسفرت الحملة عن تحسّن نسبي في مؤشر مدركات الفساد، أواخر عهد مبارك، جعلت مصر ترتفع إلى المرتبة 94 من بين 182 دولة، ولكنها لم تحصل على أكثر من 40 درجة من درجات المؤشر، وعندما تراجع المؤشر لمرتبة أدنى، شهدت مصر حالة اضطراب سياسي عارمة، أدت إلى هبّة شعبية، كان من أحد أسبابها تفشي الفساد السياسي والاقتصادي، بدرجة جعلت أغلب المواطنين لا يشعرون بأي مردود لمشروعات التنمية، رغم ارتفاع معدل النمو الاقتصادي إلى 7.5% لعدة سنوات قبل 2011، بينما يصل متوسط النمو على مدار العقد الأخير لأقل من 5% حالياً.
بعد كل هذه السنوات والشعب يئن تحت أعباء اقتصادية خانقة، ويبحث عن كل دولار في زمن ندرة العملة، يقف المصريون أمام مفارقة صادمة. الفساد يزداد رسوخاً رغم أن الدولة تنفق مليارات الدولارات على مشروعات التحول الرقمي والبنية التكنولوجية، مع ذلك لم تتحسّن مؤشرات الرقمنة، ولم تتحرك مؤشرات محاربة الفساد قيد أنملة. فطبقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية الثلاثاء الماضي 10 فبراير/شباط، أظهرت الأرقام أن مصر ما زالت عند 34 نقطة من 100 نقطة وفقاً لمقياس مؤشر مدركات الفساد الدولي، وهو نفس المستوى تقريباً على مدار عشر سنوات كاملة، لتبين بوضح أنه خلال عقد كامل من المشروعات ومنصات الخدمات العامة الرقمية والأنظمة الإلكترونية، فإن النتيجة ما زالت جامدة عند “صفر تحسّن في مؤشر الشفافية”.
عند مراجعة بيانات منظمة الشفافية الدولية بين 2015 و2025، وجدنا أعلى نقطة وصلت إليها مصر في العقد الماضي كانت 37 نقطة، وأدنى نقطة 32 نقطة، ليبلغ متوسط الدرجات طوال عشر سنوات 34 نقطة، بلا اتجاه صعودي ولا خطة واضحة لتحسين التصنيف. بمعنى آخر، الفساد في مصر لم يتراجع، بل أصبح أكثر جاذبية لأنه محمي بغياب الشفافية. المؤشر لم يكتفِ بالأرقام، بل أوضح أن غياب المساءلة البرلمانية، وضعف استقلال الأجهزة الرقابية، وانعدام حق المواطنين في الوصول للمعلومات هي الأسباب الجوهرية لتراجع مصر، بينما الحكومة تنفق مليارات الجنيهات على بناء قواعد بيانات ومنصات رقمية وتترك منافذ الفساد كما هي.
لم تتحقق المرتبة المتدنية في مكافحة الفساد فجأة ولا في السر، فالجميع يدركها، وما ينقل عن أحوالها، يجري عبر مناقشات فنية بين رجال الأعمال والتنفيذيين المصريين والأجانب، داخل المكاتب الحكومية والاستشارية المحلية والدولية، والتي تنقل بدورها هذه التجارب إلى شركائها في الخارج. وهناك باحثون مصريون يدرسون هذه الظواهر ويستطلعون رؤية كافة الأطراف، ويرسلونها للحكومة والبرلمان، وكذلك يتعاون بعضهم، ولو سراً، مع منظمة الشفافية الدولية ذاتها، في خطط تستهدف إنقاذ الاقتصاد من تغول الفساد الذي قيل رسمياً إنه يلتهم ثلث الناتج الاجمالي للدولة، قبل ثورة 25 يناير، فما بالنا والحال ازداد سوءاً.
فقد اتضح يقينا أن الرقمنة وحدها لا تكفي للحد من الفساد، لأن التحول الرقمي من دون قوانين للشفافية يشبه تركيب كاميرات مراقبة في كل موقع، بينما الشاشة في غرفة مغلقة لا يراها أحد. تحتاج مصر إلى قانون فاعل لحرية تداول المعلومات، معلق إصداره منذ عام 2015، في وقت أفرغت الرقابة البرلمانية من مضمونها، بما يحول دون محاسبة الوزراء والمسؤولين، وهناك تجميد لأعمال المجالس المحلية منذ عام 2011، مع عدم إصدار قانون المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد، بما غيب الرقابة عل أكبر بؤرة فساد في مصر.
ما يدعو للدهشة، أن دولاً عربية أخرى مثل الأردن والمغرب وتونس، عانت من الفساد كثيراً، تحركت برلماناتها بقوانين قوية لرقابة المال العام، أما في مصر فالقوانين معلّقة، والجهاز التنفيذي يعمل بلا رقيب، وبذلك توافرت البيئة الخصبة لتضخم الفساد لأسباب أولية وهي، فالمعلومات غير متاحة لغياب قانون يتيح الاطلاع على العقود والمناقصات العامة الأمر الذي يجعل الفساد آمناً، ويجعل الرقابة على المال العام مستحيلة أو ضعيفة، فالجهاز المركزي للمحاسبات، يقدم تقارير دورية عن أداء الهيئات والشركات العامة والمشتركة، لكن البرلمان لا يناقشها، ولا يُحاسب أحداً بناء عليها، ولأن المحليات بلا مجالس منتخبة وهي التي تنفذ 80% من الخدمات العامة، وتهدر أغلب الميزانية الحكومية، يتحرك الفساد في أرجائها دون خوف.
الفاسدون يعلمون أن الرقمنة لم تُستكمل بنظام حوكمة، فالفساد ليس مجرد واقعة هنا أو رشوة هناك، وإنما هو نظام مواز يستنزف الدولة، يطرد المستثمرين بسبب غموض الإجراءات وتضارب المصالح، ويزيد تكلفة المشروعات الحكومية، ويعرقل القطاع الخاص لأنه لا يستطيع منافسة ” المحسوبية”، ويلتهم ثمار أي إصلاح اقتصادي. يذكر البنك الدولي في تقاريره السنوية أن الدول التي لا تملك مؤسسات رقابية قوية تتراجع قدرتها على جذب الاستثمار المباشر بنسبة 30- 40%، ومصر اليوم في أمس الحاجة لكل دولار استثمار.
يمكن للحكومة أن تشتري أحدث الأنظمة الإلكترونية، وأن تطلق آلاف التطبيقات، وأن تضخ مليارات في التحول الرقمي، لكن ذلك لن يغيّر من الفساد المستشري شيئاً ما دام البرلمان لا يحاسب أحداً، والمعلومات محجوبة، والمجالس المحلية غائبة، والتقارير الرقابية لا تُناقش، وتحفظ في خزائن المسؤولين والأجهزة الرقابية، والرقمنة بلا حوكمة. خطورة الأمر أن الفساد لم يعد حادثاً فردياً، بل نتاج غياب نظام رقابي متكامل، وبينما نغلق جميع النوافذ التي يدخل منها الضوء أمام الرأي العام، يصبح الفساد أقوى من قدرة الدولة على إصلاحه.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن مصر عبر موقع أفريقيا برس





